ساكتة ليه 3 الاخير
الفصل الحادي عشر
مرّت أيام على مقابلة السيدة نسرين لها، أيام لم يتغير فيهما موقف فؤاد كثيرًا، بل ازداد تعنتًا في بعض الأحيان. كان يتعامل مع الموضوع وكأنه أزمة إدارية يمكن حلها بالقرارات الحاسمة، لا قصة حب حقيقية بين ابنه وامرأة يحبها.
في أحد الأيام، استدعى فؤاد … سامر إلى مكتبه بنبرة رسمية باردة لم يعتدها منه في التعاملات الشخصية.
“أقعد خلينا نتكلم.”
أشار إلى الكرسي المقابل دون أن يرفع عينيه عن الأوراق أمامه.
جلس سامر بصمت، يعرف أن المواجهة قادمة لا محالة.
” أنا فكرت في الموضوع كويس وقرارّي إني هساعدك تخرج من الغلطة دي بأقل خسائر ممكنة.”
صاح سامر قائلاً:
“مفيش غلطة يا بابا. سمر مراتي، وده قرار نهائي، مش موضوع للنقاش.”
“اسمعني الأول قبل ما ترفض.” قالها فوائد وهو يرفع يده بحزم.
ثم أضاف :
ـ “أنا مستعد أرتب طلاق هادي، وأدفع لها أي تعويض معقول تطلبه، وناخد بالنا إن الموضوع كله يتنسى بسرعة. محدش هيعرف حاجة، وحياتك هترجع زي ما كانت.”
اشتعل غضب سامر: “إنت بتكلمني عن مراتي وكأنها صفقة تجارية يا بابا! سمر مش موظفة هتاخد مكافأة نهاية خدمة!”
“أنا بحاول أحميك من غلطة هتندم عليها!” رفع فؤاد صوته بدوره. “إنت جراح بمستقبل كبير، واسم عيلتنا محتاج يفضل نضيف وسط الدوائر اللي إحنا فيها! دي بنت من بيئة تانية خالص، مفيش قواسم مشتركة بينكم غير…”
“غير الحب يا بابا؟” قاطعه سامر بحدة. “غير إنها بتحبني وأنا بحبها؟ إنت فاكر إن الحياة كلها مصالح وحسابات ؟”
توقف فؤاد للحظة، كلمات ابنه أصابته بشكل غير متوقع، لكنه سرعان ما استعاد صلابته: “الحب مش كفاية يا سامر. الحياة عبارة عن مسؤوليات، وواجبات، ومكانة لازم تتحافظ عليها.”
نهض سامر واقفًا، صوته يحمل حزمًا لم يظهره لوالده من قبل: “أنا آسف يا بابا، بس أنا مش هسيب سمر مهما كان. لو فضلت مصر على موقفك ده، هبقى مضطر أختار، وأنا مش هختارك إنت ضدها.”
خرج سامر من المكتب تاركًا فؤاد في صمت ثقيل، صدمة حقيقية من صلابة ابنه التي لم يعهدها من قبل، وإن كانت مصحوبة بغضب لم يخفت بعد.
….
عاد سامر إلى الشقة في المساء مرهقًا نفسيًا من المواجهة. فتحت له سمر الباب، ولاحظت التعب على وجهه فورًا:
” شكلك تعبان أوي.” سألته بقلق.
“بابا عرض عليا يطلقك مقابل تعويض.” قالها بمرارة واضحة وهو يخلع سترته.
توقفت سمر عن الحركة للحظة من صدمة ما سمعت، ثم بدأت تستوعب ما قاله واقتربت منه بهدوء ووضعت يدها على صدره:
“وأنت قلتله إيه؟”
“قلتله إني مش هسيبك مهما كان.” أحاط خصرها بذراعه وضمّها إليه بلطف، يستنشق عبق شعرها وكأنه يبحث عن طمأنينة لا يجدها إلا في قربها.
“معلش يا سمر، أنا آسف إنك بتتعرضي لكل ده بسببي.”