ساكتة ليه 3 الاخير
جلس، فجلست خلفه على حافة الأريكة، يداها تدلكان كتفيه المتشنجين برفق. أغمض عينيه، مستسلماً للمسها، وللمرة الأولى منذ أيام شعر بجسده يرتخي قليلًا من كل هذا الثقل.
“يومك كان صعب.” همست وشفتاها قريبتان من أذنه، فقشعرّ جسده. ” كان صعب لكن دلوقتي تعبي كله بدء يروح.”
واستدار نحوها ببطء، أمسك يديها وأوقفهما عن الحركة، وقرّبها منه حتى جلست في حضنه، وجهها قريب من وجهه: “إنتِ اللي بتخليني أقدر أكمل يا سمر. كل يوم صعب بيعدي، بيعدي عشان إنتِ موجودة.”
وضع يده خلف رقبتها برقة، أصابعه تتشابك في خصلات شعرها، وقرّب جبينه من جبينها، أنفاسهما تختلط في صمت مليء بكل ما لم يُقل. لامست شفتاه شفتيها بقبلة بطيئة، هادئة في بدايتها، ثم تعمّقت رويدًا وهي تحيط عنقه بذراعيها، تشعر بدقات قلبه المتسارعة تحت راحة يدها.
همست بصوت مبحوح بعد أن أبتعدت قليلًا عنه
: “أنا هفضل ماسكة إيدك ، دلوقتي وبعد النهاردة وكل يوم جاي، مهما حصل.” قبّلت جبينه، ثم خده، بلطف يشبه الوعد أكثر من كونه لمسة عابرة.
سحبها أقرب منه، يداه تحيطان بها بإحكام كأنه يخشى أن يفلتها الزمن، ووجهه يستقر في تجويف رقبتها، يستنشق دفء وجودها. بقيا هكذا دقائق طويلة، لا كلام بينهما، فقط أنفاس هادئة متزامنة، ودفء جسدين يبحثان عن الأمان في بعضهما وسط عاصفة لا تزال بعيدة عن الانتهاء.
ثم حملها بهدوء من على الأريكة، وسار بها نحو الغرفة بخطى بطيئة، تاركين الشموع تحترق خلفهما في الصالة الفارغة، وقد أرادوا أن ينسيا العالم كله، ولو لساعات، ويعيشا كزوجين يحب كل منهما الآخر بصدق لا تشوبه شائبة.
طباعة
الفصل الرابع عشر
بعد أزمة فؤاد الصحية، بدأت العلاقة بين الطرفين تأخذ منحى مختلفًا، وإن كان بطيئًا وحذرًا. لم يتحول فؤاد فجأة إلى أب متقبل، لكن جفاءه الصريح بدأ يفسح المجال لصمت متأمل، وهذا في حد ذاته كان تغيرًا ملحوظًا لمن يعرفه جيدًا.
—
في أحد الأيام، وأثناء تناول الغداء العائلي الأسبوعي الذي أصرت نسرين على استمراره رغم كل الخلافات، فوجئ الجميع بمكالمة هاتفية طارئة لسامر من المستشفى: حالة نادرة ومعقدة لطفلة صغيرة تحتاج تدخلاً جراحيًا فوريًا لا يمكن لغيره القيام به.
نهض سامر فورًا معتذرًا، لكن فؤاد، بدافع فضول لم يستطع كبته، قرر مرافقته إلى المستشفى “ليطمئن” كما قال، رغم أن الجميع عرف أن الأمر أعمق من مجرد اطمئنان.