ساكتة ليه 3 الاخير

وصل الاثنان إلى المستشفى ليجدا الفريق الطبي في حالة استنفار تام. كانت الطفلة، ذات الست سنوات، تعاني من مضاعفات خطيرة بعد حادث منزلي، ووالدتها تبكي بشدة في الممر، غير قادرة على السيطرة على نفسها.

اقتربت سمر التي كانت في مناوبتها ، من الأم المنهارة، جلست بجانبها على الأرض دون تردد، غير عابئة بمظهرها، وأمسكت يدها:

“يا مدام، اسمعيني، الدكتور سامر ده من أمهر جراحين البلد، وبنتك في إيد أمينة. أنا هفضل جنبك لحد ما تخرج من العملية، متخافيش.”

وقف فؤاد من بعيد يراقب المشهد، رأى بأم عينه كيف تحولت هذه الفتاة البسيطة، دون أن يطلب منها أحد، إلى مصدر طمأنينة حقيقي لامرأة غريبة تمامًا عنها، تجلس على أرض الممر دون اعتبار لملابسها أو أي شىء أخر، فقط لأن إنسانة أمامها تتألم.

استمرت العملية ساعات طويلة، جلست خلالها سمر مع الأم، تحدثها، تشغلها بأحاديث بسيطة، حتى تحاول إبعاد فكرها عن القلق ولو للحظات. لاحظ فؤاد، وهو يتابع من بعيد، أن هذا ليس تصرفًا مقصودًا للفت الأنظار، فالفتاة لم تكن تعلم أنه يراقبها، بل كان سلوكًا نابعًا من طبيعتها الحقيقية.

القائمة
بينتيريست طباعة

نجحت العملية بحمد الله، وخرج سامر منهكًا لكن سعيدًا بالنتيجة. احتضنت الأم سمر بامتنان قبل أن تحتضن زوجها الذي وصل للتو، ودموع الفرح تسبق أي كلام.

اقترب فؤاد من سامر بينما كان يخلع ملابسه الجراحية وربت على كتفه عدة مرات في صمت.

في طريق العودة، جلس فؤاد صامتًا في السيارة لفترة طويلة، قبل أن يتحدث دون أن ينظر لابنه:

“لما كنت شاب زيك، قابلت أمك في ظروف مش سهلة برضه.” قالها بصوت هادئ غير معتاد. “جدك ما كانش موافق في الأول، كان عايزني أتجوز بنت صاحب شركة كبيرة، تحالف تجاري زي ما كنت بحاول أعمله أنا معاك.”

نظر سامر إلى والده بدهشة، لم يسمع هذه القصة من قبل: “وحصل إيه؟”

“جدك رفض لمدة سنة كاملة، لحد ما شاف بعينه إن أمك، رغم إنها كانت من عيلة بسيطة، بتحبني بصدق، وقادرة تكون سند ليا في كل حاجة.” تنهد فؤاد بثقل الذكرى. “معرفش ليه، بس النهاردة وأنا شايف مراتك بتعمل اللي عملته، حسيت إني برجع لنفس الموقف، بس من الناحية التانية.”

لم يقل فؤاد شيئًا أكثر من ذلك، لكن سامر شعر أن بابًا صغيرًا قد فُتح للتو، باب لم يكن موجودًا من قبل مهما حاول.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *