عيلتي سابوا بنتي قاعدة على الرصيف
عيلتي سابوا بنتي قاعدة على الرصيف في الميناء بالساعات بعد ما أخدوا مكانها المحجوز في رحلة خاصة وإدوه لعيل تاني.
بالنسبة لهم، دي كانت مجرد تعديل بسيط.
حاجة ما تستاهلش نعمل عليها هيصة خالص.
بعدين بنتي بصت لي وسألتني بالراحة:
”انتوا هتعملوا اللي وعدتوني بيه؟”
أنا ما اترددتش لحظة.
”أيوة.”
وعلى معاد العشا بالليل، كانت إجازة العيلة كلها بدأت تنهار وتتقربك.
لقينا “نيرة” قاعدة قريبة من مكان تسجيل الدخول بتاع الرحلة.
كانت لافة فوطة حوالين كتافها.
ونظارة البحر مدلدلة بالراحة من إيدها.
شكلها كان باين عليه التعب والهدة من كتر الانتظار.
بس ما كانتش بتبكي.
وبطريقة ما.. ده خلى الموقف أصعب وأوجع.
جوزي “طارق” أخد باله منها قبلي.
”نيرة؟”
بصت لنا ورفعت راسها وهزتها بابتسامة صغيرة.
لا أسئلة معصبة.
ولا رد فعل درامي.
مجرد نظرة طفلة قضت ساعات بتزن على نفسها وبتعصر على نفسها ليمونة عشان تقنع نفسها إن اللي حصل مش مستاهل زعل.
”فين باقي الناس؟” سألتها.
”مشوا.”
كشرت وقلت لها:
”مشوا راحوا فين؟”
”الرحلة البحرية.”
وبعدين قالت الجملة اللي جابت لي هبوط في معدتي:
”راحوا من غيري.”
نيرة كان عندها حداشر سنة.
كانت طايرة من الفرحة ومستنية الرحلة دي بقالها أسابيع.
سنوركلينج وغطس.
ورحلة باللنش.
وعوم في المية الرايقة.
دي كانت لمّت نظارة البحر في شنطتها قبل السفر للغردقة بأيام من كتر ما كانت خايفة تنساها.
ودلوقتي، الكل برة بيلهو ومستمتع بالفسحة وهي قاعدة لوحدها على المارينا.
ملامح طارق اتجمعت واتعصبت.
”أمال حجزك جرى له إيه؟”
نيرة بصت للأرض.
”أسر كان عايز يروح.”
”أسر” ده ابن اختي “شيرين”، عنده تسع سنين.
نيرة كملت: “هو زعل وتأنح. فخالتو شيرين إدته مكاني.. قالت لي انتِ الأكبر ولازم تفهمي وتقدري.”
برقت لها وقلت:
”إدته مكانك هكذا عادي؟”
نيرة هزت راسها.
”قالت لي استني هنا لحد ما ترجعوا.”
”بقالك قد إيه مستنية؟”
هزت كتافها:
”من بدري.. حبة حلوين.”
طارق خشب في وقفته وجمد جنبي.
نيرة ضافت بصوت واطي: “هي حتى ما استأذنتنيش.. هي قررت مع نفسها وخلاص.”
بعدين بصت لي في عيني مباشرة.
ما كانتش متغاضة.
ما كانتش بتبكي.
كان باين في عينها خيبة أمل وبس.
”هو ده يتحسب؟”
أنا فهمت هي قصده إيه بالظبط.
من كام شهر، بعد موقف تاني في عزومة عيلة، لما نيرة اتطلّب منها برضه تتنازل عن حقها عشان هي الهادية، أنا وطارق كنا وعدناها وعد.
لو الحكاية دي اتكررت تاني، مش هنقعد نختلق حجج وأعذار لباقي الناس.
مفيش تاني معلش وتعالي على نفسك عشان التاني بيعيط بصوت أعلى.
مفيش تاني “انتِ العاقلة والكبيرة”.
مفيش تاني نطلعها فاهمة إن أرضاء الناس أهم من مشاعرها هي.
”هتعملوا اللي وعدتوني بيه؟” سألتنا.
”أيوة”، قلتها من غير ما أفكر.
في حاجة في وشها هديت وارتاحت.
حتى لو حبة صغيرين.
”ماشين.”
ما عملناش خناقة في المارينا.
ولا كلمنا شيرين ونزلنا فيها توبيخ وتأنب.
بدل ده، غيرنا خططنا خالص.
مشينا لغاية فندق قريب من الممشى السياحي وحجزنا أوضة.
طارق لغى بقية الأنشطة اللي كنا حاجزينها في إجازة الغردقة.
كنا عارفين إننا هنخسر فلوس.
ولا واحد فينا كان فارق معاه الفلوس.
نيرة دخلت أخدت دش، ولبست تيشيرت واسع من بتاع طارق، وطلبت بطاطس وميكس شيك، وفي الآخر راحت في النوم بالعرض على السرير.
وهي نايمة ومرتاحة، طارق قعد يدور على رحلة سنوركلينج خاصة باللنش طالعة الصبح.
كانت نفس التجربة اللي فاتت عليها بالظبط.
حجز ثلاث أفراد.
وبعدين تليفوناتنا بدأت ترن وتهتز.
في الأول، الرسايل من العيلة كانت عادية ومحتارة:
”انتوا فين يا جماعة؟”
”كل حاجة تمام؟”
”ما شفتكوش على العشا.”
ما رديناش.
بعدين شيرين بعتت:
”انتوا مفروض تكونوا بتساعدوا في تسجيل رحلة الدلافين بكره.. انتوا فين؟”
وأمي كملت بعديها:
”إحنا مرطبين كل حاجة بالظبط.. كلمونا عشان خاطر ربنا.”
وبعدين بدأت المكالمات اللي ما اتردش عليها.
تلاتة.
بعدين ستة.
بعدين أكتر.
وفجأة، طريقة الكلام اتغيرت خالص.
”هو انتوا بجد مشيتوا وسبتونا؟”
”أمال هنعمل إيه في مجموعة السنوركلينج بتاعة يوم الخميس؟”
”مين اللي هيخلي باله من العيال الصغيرين؟”
واحد تاني من القرايب بعت:
”إحنا كده ناقصين اتنين كبار يشرفوا على العيال بكره في الأكوا بارك.”
وبعدين:
”مش هيدخلوا المجموعة من غير عدد الكبار المكتمل.”
وبعد دقيقة:
”والحجوزات دي عربونها ما بيرجعش!”
طارق بص لي والتليفون في إيده مش راضي يبطل زن.
في الآخر، شيرين بعتت رسالة تانية:
”انتوا بجد بوظتوا الرحلة كلها وشقلبتوا الدنيا.”
طارق قراها مرتين.
وبعدين ضحك بصوت واطي وبسخرية.
علشان لما نيرة خسرت حاجة كانت مستنياها بقالها أسابيع، الكل كان متوقع منها إنها “تعدي وتتقبل”.
كان مفروض تكون متفهمة.
كان مفروض تكون عاقلة.
كان مفروض تتقبل إن فيه عيل تاني عايز مكانها أكثر منها.
بس أول ما غيابنا إحنا ضايقهم وعطل مصلحتهم، فجأة بقت كارثة ومصيبة!
الحقيقة كانت بسيطة جداً.
أنا وطارق طول عمرنا من الكبار اللي العيلة بتعتمد عليهم في كل حاجة.
إحنا اللي بننظم الفسح.
نخلص حجز الأوراق والأنشطة.
نخلي بالنا من الصغيرين.
ونسد أي خانة فاضية لما حد يحتاج مساعدة.
المرة دي.. إحنا ما كناش فاضيين ولا متاحين.
التاني يوم الصبح، وفي الوقت اللي الكل كان محتار وبيلف حوالين نفسه عشان يعيد تنظيم خططه، إحنا التلاتة طلعنا رحلة السنوركلينج.
نيرة صورت صور تحت المية.
وكانت بتشور لطارق على السمك الملون.
وضحكت في الكام ساعة دول أكتر ما ضحكت في الإجازة كلها.
ولأول مرة، محدش طلب منها تتنازل عن مكانها.
محدش قالها كوني العاقلة.
محدش اتوقع منها تصغر نفسها عشان غيرها ياخد اللي هو عايزه.
على بعد الظهر كده، شيرين بدأت تبعت رسايل تاني:
”لازم ترجعوا.”
وبعدين:
”الناس رحلاتها بتضيع بسببكم.”
وبعدين:
”على الأقل تعالوا ساعدونا نظبط المواعيد.”
ما دخلناش في مجادلة.
طارق ببساطة حط التليفون في جيبه.
ونيرة سألت لو ينفع نجيب غزل بنات وجلاني.
فرواحنا جبنا.
بعد ما الإجازة خلصت ورجعنا القاهرة، شيرين بعتت لنا إيميل طويل عريض.
على كلامها، إحنا أفرورنا وكبرنا الموضوع.
قعدت ترص لي كل المشاكل والتأخيرات اللي خروجنا سببها.
وفكرتنا بالأنشطة اللي اتلغت أو اتغيرت.
وحتى اقترحت إننا ندفع ونعوض العيلة عن الفلوس اللي اتخسرت!
بعدها أمي بعتت لي رسالة:
”ادفعوا نصيبكم وخلي الموضوع يعدي والنفوس تروق.”
وبعدها بدقايق، بعتت رسالة تانية:
”فكروا في العيال الصغيرين.”
قعدت باصة للكلمات دي فترة طويلة.
إحنا بالفعل كنا بنفكر في عيل.
بنتنا إحنا.
مع الوقت، شيرين بدأت تحكي للقرايب والعمات حكايتها وهي بتلوي الكلام.
على كلامها، موضوع إن نيرة تفقد مكانها في الرحلة ده كان مجرد “لخبطة مواعيد مش أكتر”.
وقالت إن طارق وأنا أخدنا سوء فهم بسيط وعملنا منه حوار ودراما مالهاش لازمة.
لفترة، إحنا ما رديناش خالص.
لحد ما طارق في الآخر بعت رسالة واحدة على الجروب:
”إحنا مشينا مش عشان رحلة واحدة. إحنا مشينا عشان نيرة اتعودتوا إنها دايماً المطالبة تتنازل لمجرد إنها ما بتعملش دوشة وما بتشتكيش. مكانها المحجوز اتأخد واتعطى لغيرها من غير ما حد يستأذنها أو يستأذنا. إحنا كنا واعدينها إن أول ما مشاعرها تتركن على جنب عشان راحة حد تاني، إحنا هنمشي. وإحنا وفين بـ وعدنا.”
بس كده.
من غير شتيمة.
من غير زعيق.
من غير اتهامات.
الحقيقة وبس.
وبالراحة كده، قرايب تانيين بدأوا يتكلموا.
وحدة اعترفت إنها شافت نيرة قاعد لوحدها الصبح.
واحد تاني افتكر إنه سمع أسر وهو بيحكي بفرحة إنه أخد مكانها.
وأم تانية قالت إن بنتها سألتها هي ليه نيرة دايماً هي اللي بيتطلب منها تتنازل؟
بعدين الناس بدأت تفتكر مواقف تانية.
لمة عيلة قديمة لما نيرة قامت من الكرسي اللي اختارته عشان عيل تاني قعد يعيط.
وسفرية زمان لما غيرت الأوضة بتاعتها عشان حد تاني كان عايزها.
وعيد ميلاد لما اتقال لها تاني:
”انتِ الكبيرة.. عادي فوتيها.”
في الآخر، واحدة من قرايبنا قالت جملة ملخصة كل حاجة:
”إحنا اتعودنا زيادة عن اللزوم إن نيرة هي الطيبة السهلة اللي بتعدي.”
بالظبط كده.
عمرها ما كانت عشان رحلة واحدة.
نيرة كانت هادية.
صبورة.
وذوق.
وفي السكة كده، الكبار اللي حواليها بدأوا يتعاملوا مع الصفات الحلوة دي على إنها كارت بلانش يخليهم دايماً يحطوها في الآخر.
فضلت حبة قرايب شايفين إننا أفرنا.
وناس تانية اعتذرت.
وكان فيه حتى كذا حد من ولاد العم اتصلوا بنيرة مخصوص:
”أنا آسف.”
”يا رب تكوني كويسة دلوقتي.”
”تيجي نخرج مع بعض في مرة؟”
في الآخر، بطلنا نحاول نقنع الناس اللي رافضة تفهم.
وبداله، أنا وطارق سألنا نيرة سؤال:
”لو ينفع تختاري مين من ولاد عمك وعمتك تقضي معاهم الويك إند في الصيف، هتنقي مين؟”
عينها وسعت من الفرحة:
”أنا اللي أنقي؟”
”أيوة.”
اختارت أربعة.