عيلتي سابوا بنتي قاعدة على الرصيف

​الأربعة كانوا من القرايب اللي كلموها وسألوا عليها بعد اللي حصل.
​فخططنا لسفرية صغيرة سوا في الساحل.
​من غير جدول زحمة.
​من غير خناق على مين يستاهل إيه.
​ومن غير كبار يقرروا إن العيل الهادي هو اللي لازم يضحي الأول.
​مجرد ناس حابة تكون مع بعض بجد.
​وعلى مدار الشهور اللي بعد كده، في حاجة اتغيرت في نيرة.
​بقت جريئة وأكتر راحة إنها تتكلم وترد.
​اتعلمت تقول:
​”لا، أنا اللي كنت هنا الأول.”
​أو:
​”أنا كمان عايزة دي.”
​اتعلمت إن الذوق والطيبة مش معناه إنك توسع للكل وتيجي على نفسك.
​وأنا وطارق اتعلمنا حاجة إحنا كمان.
​إنك تعلم العيال المشاركة والتنازل ده شيء مهم.
​لكن إنك تعلم عيل واحد إنه دايماً هو اللي لازم يتنازل.. ده موضوع تاني خالص ومؤذي.
​نيرة لسه فاكرة سفرية الغردقة دي.
​فاكرة قعدتها على المارينا والفوطة على كتافها ونظارة البحر في إيدها.
​فاكرة لما استوعبت إن الكل مشي وسابها.
​بس أكتر حاجة فاكراها، هي لما بصت لنا وسألتنا:
​”انتوا هتعملوا اللي وعدتوني بيه؟”
​وفاكرا ردنا:
​”أيوة.”
​إحنا ما مشيناش عشان ننتقم.
​ولا مشينا عشان نبوظ إجازة حد.
​إحنا مشينا عشان ساعات، إنك توفي بـ وعدك لابنك أو بنتك أهم بكتير من إنك تسيب بقية العيلة مأنتخة ومرتاحة.
​وعلى معاد العشا، لما استوعبوا إحنا بجد مش راجعين، كانت اللخبطة والربكة يادوبك بتبدأ.
​كان الجو حر في عز الظهر، وشكلها كان باين عليه التعب والهدة من كتر القعدة برة بالنيابة عنهم.
​بصيت حواليا.
​”فين باقي الناس؟”
​”مشوا خلاص.”
​كشرت وقلت لها:
​”من غيرك؟”
​هزت راسها.
​طارق قرب شوية.
​”أمال حجزك جرى له إيه؟”
​نيرة بصت تحت في الفوطة اللي لافاها.
​”أسر كان عايز يروح قوي.. زعل وتأنح، فخالتو شيرين إدته مكاني.”
​برقت لها وقلت:
​”إدته مكانك هكذا عادي؟”
​”قالت لي هو أصغر منك وانتِ الأكبر ولازم تفهمي وتعدي.”
​شيرين دي اختي.
​وابنها أسر عنده تسع سنين.
​ونيرة عندها حداشر سنة.
​ونيرة كانت طايرة من الفرحة وبتحكي عن الرحلة دي بقالها أسابيع.
​سنوركلينج وغطس.
​ورحلة باللنش.
​وعوم.
​دي كانت منقية المايوه بتاعها قبل السفر بأيام ولمّت نظارة البحر بنفسها عشان ما تنساش.
​كانت متحمسة بجد من قلبها.
​ودلوقتي، الكل برة مستمتع بالفسحة، وهي اتسابت وراهم عشان في حد قرر إن زعلها هي وخيبة أملها هيكون أسهل في التعامل من زن أسر وتأنحه.
​”قالت لي استني هنا لحد ما ترجعوا،” نيرة كملت كلامها. “قلت يمكن حد يغير رأيه ويرجع لي.”
​طارق خشب في وقفته وجمد جنبي.
​”هي حتى ما استأذنتنيش،” نيرة قالت بصوت واطي. “هي قررت مع نفسها وخلاص.”
​بعدين بصت لنا.
​ما كانتش متغاضة.
​ولا عاملة حوار.
​كان باين في عينها خيبة أمل وبس.
​”هو ده يتحسب؟”
​أنا فهمت هي قصده إيه بالظبط.
​”هتعملوا اللي وعدتوني بيه؟”
​”أيوة،” قلتها لها.
​على طول من غير ما أفكر.
​”أيوة، ده يتحسب وبزيادة كمان.”
​ابتسامة صغيرة أوي ظهرت على وشها.
​”ماشين.”
​بعد تلات ساعات، كانت العيلة كلها بتقلب الدنيا وبتحاول توصل لنا بكلمة أو برنة.
​في الأول، الرسايل من العيلة كانت بتبتدي ببساطة ومش مستوعبين:
​”انتوا فين يا جماعة؟”
​”كل حاجة تمام معاكم؟”
​”ما شفتكوش على العشا ليه؟”
​ما رديناش على ولا واحدة.
​بعدين شيرين بعتت:
​”انتوا مفروض تكونوا بتساعدوا في حجز رحلة الدلافين بكره.. انتوا فين كل ده؟”
​وأمي كملت بعدها على طول:
​”إحنا مرطبين كل حاجة ومظبطين المواعيد بالظبط.. كلمونا عشان خاطر ربنا.”
​وبعدين بدأت المكالمات اللي ما بنردش عليها.
​تلات مكالمات.
​بعدين ستة.
​بعدين الرن بقى ورا بعضه.
​وفجأة، نبرة الكلام كلها اتغيرت وتكدرت.
​”هو انتوا بجد مشيتوا وسبتونا؟”
​”أمال هنعمل إيه في مجموعة السنوركلينج بتاعة يوم الخميس؟”
​”مين اللي هيخلي باله من العيال الصغيرين؟”
​واحد تاني من القرايب بعت:
​”إحنا كده ناقصين اتنين كبار يشرفوا على العيال بكره في الأكوا بارك.”
​وبعدين رسالة تانية:
​”مش هيدخلوا المجموعة من غير عدد الكبار المكتمل.”
​وبعد دقيقة:
​”والحجوزات دي عربونها ما بيرجعش!”
​طارق بص لي والتليفون في إيده مش راضي يبطل زن وتهزير.
​في الآخر، شيرين بعتت رسالة تانية:
​”انتوا بجد بوظتوا الرحلة كلها وشقلبتوا الدنيا.”
​طارق قرا الرسالة مرتين.
​وبعدين ضحك بصوت واطي وبسخرية.
​علشان لما نيرة خسرت حاجة كانت مستنياها بقالها أسابيع، الكل كان متوقع منها إنها “تعدي وتتقبل”.
​كان مفروض تكون متفهمة.
​كان مفروض تكون عاقلة.
​كان مفروض تتقبل إن فيه عيل تاني عايز مكانها أكثر منها.
​بس أول ما غيابنا إحنا ضايقهم وعطل مصلحتهم، فجأة بقت مصيبة وكارثة!
​الحقيقة كانت بسيطة جداً.
​أنا وطارق طول عمرنا من الكبار اللي العيلة بتعتمد عليهم في كل حاجة.
​إحنا اللي بننظم الفسح والرحلات.
​نخلص حجز الأوراق والأنشطة.
​نخلي بالنا من الصغيرين.
​ونسد أي خانة فاضية لما حد يحتاج مساعدة.
​المرة دي.. إحنا ما كناش متاحين ولا فاضيين لسد خانات حد.
​التاني يوم الصبح، وفي الوقت اللي الكل كان محتار وبيلف حوالين نفسه عشان يعيد تنظيم خططه، إحنا التلاتة طلعنا رحلة السنوركلينج الخاصة باللنش اللي طارق حجزها.
​نيرة صورت صور تحت المية.
​وكانت بتشور لطارق على السمك الملون.
​وضحت في الكام ساعة دول أكتر ما ضحكت في الإجازة كلها.
​ولأول مرة، محدش طلب منها تتنازل عن حقها.
​محدش قالها كوني العاقلة.
​محدش اتوقع منها تصغر نفسها عشان غيرها ياخد اللي هو عايزه.
​على بعد الظهر كده، شيرين بدأت تبعت رسايل تاني:
​”لازم ترجعوا.”
​وبعدين:
​”الناس رحلاتها بتضيع بسببكم.”
​وبعدين:
​”على الأقل تعالوا ساعدونا نظبط المواعيد.”
​ما دخلناش في مجادلة ولا أخد ورد.
​طارق ببساطة حط التليفون في جيبه.
​ونيرة سألت لو ينفع نجيب غزل بنات وجلاني.
​فرواحنا جبنا.
​بعد ما الإجازة خلصت ورجعنا القاهرة، شيرين بعتت لنا إيميل طويل عريض.
​على كلامها، إحنا أفرورنا وكبرنا الموضوع على الفاضي.
​قعدت ترص لي كل المشاكل والتأخيرات اللي خروجنا سببها.
​وفكرتنا بالأنشطة اللي اتلغت أو اتغيرت.
​وحتى اقترحت إننا ندفع ونعوض العيلة عن الفلوس اللي اتخسرت!
​بعدها أمي بعتت لي رسالة:
​”ادفعوا نصيبكم وخلي الموضوع يعدي والنفوس تروق.”
​وبعدها بدقايق، بعتت رسالة تانية:
​”فكروا في العيال الصغيرين.”
​قعدت باصة للكلمات دي فترة طويلة.
​إحنا بالفعل كنا بنفكر في عيل.
​بنتنا إحنا.
​مع الوقت، شيرين بدأت تحكي للقرايب والعمات حكايتها وهي بتلوي الكلام.
​على كلامها، موضوع إن نيرة تفقد مكانها في الرحلة ده كان مجرد “لخبطة مواعيد مش أكتر”.
​وقالت إن طارق وأنا أخدنا سوء فهم بسيط وعملنا منه حوار ودراما مالهاش لازمة.
​لفترة، إحنا ما رديناش خالص.
​لحد ما طارق في الآخر بعت رسالة واحدة على الجروب:
​”إحنا مشينا مش عشان رحلة واحدة. إحنا مشينا عشان نيرة اتعودتوا إنها دايماً المطالبة تتنازل لمجرد إنها ما بتعملش دوشة وما بتشتكيش. مكانها المحجوز اتأخد واتعطى لغيرها من غير ما حد يستأذنها أو يستأذنا. إحنا كنا واعدينها إن أول ما مشاعرها تتركن على جنب عشان راحة حد تاني، إحنا هنمشي. وإحنا وفين بـ وعدنا.”
​بس كده.
​من غير شتيمة.
​من غير زعيق.
​من غير اتهامات.
​الحقيقة وبس.
​وبالراحة كده، قرايب تانيين بدأوا يتكلموا.
​وحدة اعترفت إنها شافت نيرة قاعدة لوحدها الصبح.
​واحد تاني افتكر إنه سمع أسر وهو بيحكي بفرحة إنه أخد مكانها.
​وأم تانية قالت إن بنتها سألتها هي ليه نيرة دايماً هي اللي بيتطلب منها تتنازل؟
​بعدين الناس بدأت تفتكر مواقف تانية.
​لمة عيلة قديمة لما نيرة قامت من الكرسي اللي اختارته عشان عيل تاني قعد يعيط.
​وسفرية زمان لما غيرت الأوضة بتاعتها عشان حد تاني كان عايزها.
​وعيد ميلاد لما اتقال لها تاني:
​”انتِ الكبيرة.. عادي فوتيها.”
​في الآخر، واحدة من قرايبنا قالت جملة ملخصة كل حاجة:
​”إحنا اتعودنا زيادة عن اللزوم إن نيرة هي الطيبة السهلة اللي بتعدي.”
​بالظبط كده.
​عمرها ما كانت عشان رحلة واحدة.
​نيرة كانت هادية.
​صبورة.
​وذوق.
​وفي السكة كده، الكبار اللي حواليها بدأوا يتعاملوا مع الصفات الحلوة دي على إنها كارت بلانش يخليهم دايماً يحطوها في الآخر.
​فضلت حبة قرايب شايفين إننا أفرنا.
​وناس تانية اعتذرت.
​وكان فيه حتى كذا حد من ولاد العم اتصلوا بنيرة مخصوص:
​”أنا آسف.”
​”يا رب تكوني كويسة دلوقتي.”
​”تيجي نخرج مع بعض في مرة؟”
​في الآخر، بطلنا نحاول نقنع الناس اللي رافضة تفهم.
​وبداله، أنا وطارق سألنا نيرة سؤال:
​”لو ينفع تختاري مين من ولاد عمك وعمتك تقضي معاهم الويك إند في الصيف، هتنقي مين؟”
​عينها وسعت من الفرحة:
​”أنا اللي أنقي؟”
​”أيوة.”
​اختارت أربعة.
​الأربعة كانوا من القرايب اللي كلموها وسألوا عليها بعد اللي حصل.
​فخططنا لسفرية صغيرة سوا في الساحل.
​من غير جدول زحمة.
​من غير خناق على مين يستاهل إيه.
​ومن غير كبار يقرروا إن العيل الهادي هو اللي لازم يضحي الأول.
​مجرد ناس حابة تكون مع بعض بجد.
​وعلى مدار الشهور اللي بعد كده، في حاجة اتغيرت في نيرة.
​بقت جريئة وأكتر راحة إنها تتكلم وترد.
​اتعلمت تقول:
​”لا، أنا اللي كنت هنا الأول.”
​أو:
​”أنا كمان عايزة دي.”
​اتعلمت إن الذوق والطيبة مش معناه إنك توسع للكل وتيجي على نفسك.
​وأنا وطارق اتعلمنا حاجة إحنا كمان.
​إنك تعلم العيال المشاركة والتنازل ده شيء مهم.
​لكن إنك تعلم عيل واحد إنه دايماً هو اللي لازم يتنازل.. ده موضوع تاني خالص ومؤذي.
​نيرة لسه فاكرة سفرية الغردقة دي.
​فاكرة قعدتها على المارينا والفوطة على كتافها ونظارة البحر في إيدها.
​فاكرة لما استوعبت إن الكل مشي وسابها.
​بس أكتر حاجة فاكراها، هي لما بصت لنا وسألتنا:
​”انتوا هتعملوا اللي وعدتوني بيه؟”
​وفاكرة ردنا:
​”أيوة.”
​إحنا ما مشيناش عشان ننتقم.
​ولا مشينا عشان نبوظ إجازة حد.
​إحنا مشينا عشان ساعات، إنك توفي بـ وعدك لابنك أو بنتك أهم بكتير من إنك تسيب بقية العيلة مأنتخة ومرتاحة.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *