جو الفرن والبخار
جو الفرن والبخار الطالع من الحلة كان بيلسع وشي، وأنا قاعدة على كرسي بلاستيك صغير جنب البوتاجاز، بَلف صباع المحشي رقم مية وتلاتين ولا حاجة. بقالي أكتر من أربع ساعات في مطبخ حماتي، وما بقتش حاسة بأطراف صوابعي. برة في الصالة، الرجالة كان صوت ضحكهم طالع مع الماتش وهم بيفكوا أزايز الحتة، وجوة المطبخ، حماتي كانت واقفة فوق دماغي بتبص على كل ورقة كرنب كأنها بتفتش في خط إنتاج مصنع.
— ده طلع خفيف أوي يا فريدة.. شريف بيكره المحشي اللي خلطته قليلة.
أختها، العمة سمر، ضحكت بتهكم:
— خمس سنين متجوزة ولحد دالوقتِ محتاجة اللي يشرح لها إزاي تريح جوزها وتخدمه.
ما ردتش. حطيت معلقة خلطة ثانية، لفيت الورقة ورصيتها في الحلة. كان في بقعة صلصة على بلوزتي وشعري ملزق في رقبتي من الحرارة. من الساعة ستة الصبح كنت راكبة الميكروباص ورايحة من القاهرة لـ طنطا عشان أساعد في عزومة ليلة رأس السنة. شريف جوزي، على العكس، كان لسة في السويس، شغال هناك مهندس صيامة في مصنع.
— وبعدين افردي وشك شوية — حماتي قالتها بنفخة — كأنك جاية جنازة! ابني بيموت نفسه في الشغل وانتِ طول الوقت مبوزة كدة.
حسيت بفيبراتور الموبايل بيرهز جوة جيب المريلة. ما طلعتهوش في ساعتها. من تلات شهور فاتوا، صوت زي ده كان بيلخبطني ويجيب لي التوتر.. بس دلوقتي؟ بقالي أسابيع مستنية المسج دي بالذات.
الشاشة نورت باسم “شريف” ومعاه ملف PDF.
اتفاقية الطلاق. موقعة.
وتحتيه نزلوا أربع رسايل ورا بعض:
”أنا خلاص تعبت من العيشة مع واحدة تحسيها عمتي.”
”اقري الاتفاقية ومضي مطرح ما علمتلك.”
”أنا هشيل شيلة الفلوس اللي سلفنها لأيمن، قصاد إنك تنازلي عن عربون الشقة وأي كلام في تحويشة شقانا.”
”قدامك ربع ساعة.. ومش عايز هيصة ولا فضايح قدام أمي.”
فضلت بصة للشاشة.
حماتي خبطت بصوابعها على الترابيزة:
— هتفضلي متنحة للموبايل؟ فاضل الممبار والكفتة!
ما اعرفش شريف كان متوقع يشوف أنهي وش مني. يمكن تخيل إني هجري أتقفل على نفسي في الحمام وأترجاه. يمكن افتكر إن خوفي من لقب “المطلقة” قدام أهله هيخليني أوقع على أي حاجة ورجلي فوق رقبتي.
بدل ما أعيط.. ابتسمت.
فتحت الملف الكامل. توقيعه الإلكتروني كان موجود، وفي بند من البنود، كانت الجملة اللي المحامية بتاعتي تحايلت على ربنا عشان تلاقيها بقالها شهور: “التحويل الذي تم للسيد أيمن هو قرار شخصي بحت من السيد شريف، ويتحمل هو وحده كافة تبعاته المالية.”
الفلوس دي ما كانتش قرشين صغار.
كانوا 480,000 جنيه.
تحويشة تلات سنين، كنت بجمع فيها قرش على قرش من عرق جبيني. وفي ليلة، وأنا بفتح الأبلكيشن عشان أراجع الحساب ونجدد عقد الشقة، لقيت المبلغ تقريباً طار.
الفلوس راحت لـ أيمن، ابن عم شريف، عشان يسلك بيه مشروع قطع غيار كان غرقان في الديون أصلاً.
كلمته ليلتها:
— أنت إزاي تحول 480,000 جنيه من غير ما ترجع لي أو تستأذنني؟
شريف حتى ما كلفش نفسه يوطي صوته:
— عشان أنا الراجل وأنا اللي بفهم في الفلوس! وأيمن ده أخويا وعيلتي.
— نص الفلوس دي طالعة من مهيتي وشغلي!
— بلاش أوفرة! أنتِ قبضك كله على بعضه كلام فاضي بالنسبة لي. وبعدين طالما مراتي، يبقى اللي ليا بتاعك واللي ليكي بتاعي لما يعجبني، ولا إيه؟
وبعدين ضحك ببرود:
— بلاش دراما نكد الستات الكبار دي بقى.
كانت دي آخر مرة اتناقشت معاه فيها.
تاني يوم الصبح اتصلت بـ داليا، صاحبتي من أيام الجامعة وشغالة محامية أحوال شخصية.
لمدة تلات شهور مشيت على كلامها حرفياً: جمعت كشوفات حساب ورسايل، فصلت مرتبي في حساب لوحدي، طلبت نقل في شغلي لفرع أسوان، وبلغت صاحب العمارة إني مش هجدد العقد. كل أوراقي المهمة كانت عند داليا، وكراتين حاجتي شحنتها على أسوان قبل الكريسماس ورأس السنة.
شريف ما لاحظش أي حاجة.
كل ما كان ينزل القاهرة، كان يرمي هدومه الوسخة ويتحسبن إن شكل مهمل ومابقيتش بهتم بنفسي.
ودلوقتي.. ماسكة في إيدي أجدع هدية كان ممكن يقدمهالي.
توقيعه هو شخصياً.
بعتله سؤال واحد بس:
“أنت متأكد ومؤكد إنك عايز ننهي الطلاق بالورقة دي؟”
رد في أقل من دقيقة:
“أه.. وبلاش لف ودوران واعملي اللي بقولك عليه واخلصي.”
سجلت سكرين شوتس للمحادثة وبعتها فوراً لـ داليا.
بعدها فتحت العريضة اللي كانت مجهزاها لي، بصمت على الجزء الخاص برغبتي أنا كمان في الانفصال، وبعت لها الملف كامل. ما تنازلتش عن قرش من حقوقي؛ أنا بس أثبت رسمياً إني أنا كمان مش عايزة العيشة دي.
قلعت المريلة.
رميتها على الأرض، جنمب الشكارة بتاعة الخضار.
حماتي برقت عينيها:
— إيه ده؟ بتعملي إيه؟
— أنا خلصت.
— خلصتي إيه؟ فاضل الممبار والسلطات والتحمير!
وقفت على رجلي. حسيت بتنميل في رجلي من قعدة الساعات، بس ما اتهزيتش ولا خطوة.
— مش قصدي على الأكل.
مشيت ناحية صالة الدخول.
جنب الباب كانت الشنطة الزرقا اللي كنت مجهزاها من الصبح بدري.
— يا فريدة! — حماتي زعقت — رايحة فين بالشنطة دي؟
مسكت إيد الشنطة وبصيت لها لأخر مرة:
— شريف طلب مني الطلاق، وأنا وافقت. فدي هتبقى آخر سنة أطبخ فيها لعيلة عمرها ما اعتبرتني فرد منها.
الصالة كلها نزل عليها سكوت مفاجئ زي السكينة.
حمايا حط أزازة الحتة على الترابيزة.
العمة سمر خرجت من المطبخ وإيديها كلها عجين:
— طلاق إيه؟ أنتِ بتقولي إيه؟
فتحت الباب.
— كل سنة وأنتم طيبين.
وخرجت قبل ما حد فيهم يلحق يفتح بقه أو يؤمرني أرجع أقف قدام البوتاجاز تاني.