جو الفرن والبخار
جوة التاكسي اتصلت بـ داليا.
— بعته خلاص.
— موقع؟
— أه. وكتب كمان إن تحويل الفلوس لابن عمه كان بقرار منه هو وبس.
داليا ضحكت ضحكة قصيرة من قلبها:
— يبقى كدة وفر علينا مواجهة كبيرة أوي! تعالي لي على المكتب فوراً. النهاردة هنقدم طلب الإجراءات التحفظية عشان ما يلمسش عربون الشقة ولا يحرك قرش من اللي فاضل في الحسابات.
بعد ساعة كنت قاعدة قدامها، ولسة ريحة الأكل والدخان ماسكة في شعري، وأنا بمضي على أوراق قريتها كلمة كلمة بنفسي. داليا كانت مجهزة دعوى الطلاق، وحصر الممتلكات، وكشوف الحسابات، وطلب إجراءات تحفظية عاجلة عشان نحافظ على الشقة والفلوس لحد ما تتصفى التركة والأنصبة. وبعتت كمان إخطار رسمي لصاحب العمارة عشان ما يسلمش عربون الشقة لـ شريف لوحده.
— من هنا وجاي ما ترديش على أي مكالمة منه — داليا قالتها لي بوضوح — لو عايز يتكلم، يبقى مكاتبة أو عن طريقي أنا.
على الساعة سبعة بالليل كنت راكبة الطيارة لـ أسوان. نقلي في الشغل كان هيبدأ بعد الإجازات، والشركة كانت حجزة لي سكن مؤقت لمدة شهر. قفلت الموبايل قبل ما الطيارة تطير.
في الوقت ده، شريف كان لسة في السويس بيكلم اتنين من زمايله ويتنطط عليهم وإنه “أخيراً عرف يربط بيته ويوريني العين الحمرا”. الضحكة اختفت من على وشه أول ما جاتله رسالة إشعار من البنك: الحساب المشترك عليه تقييد مؤقت بناءً على إجراءات قضائية أسارية، وأي حركة حساب لازم تترصد وتتسجل.
في الأول افتكرها غلطة في السيستم. بعدين شاف المكالمات اللي جاية له من أمه. طلبها فوراً:
— إيه يا أمي في إيه؟
— مراتك اتجننت يا شريف! — أمي صرخت في التليفون — رمت المريلة، وسحبت شنطتها ومشيت! وسابت لنا العزومة في نصها!
— شنطة إيه؟
— أه والله! وقالت إنك أنت اللي طلب الطلاق!
شريف اتصل بيا اتناشر مرة ورا بعض. وبعدها بعت رسايل:
“عملتي إيه في الحساب؟”
“ردي عليا!”
“موضوع الطلاق ده أنا كنت ببعته عشان تفوقي لنفسك بس!”
“ممكن نتكلم ونحل الموضوع.”
“قولي للمحامية بتاعتك تشيل التقييد ده فوراً!”
ما ردتش بكلمة.
في ليلتها ركب عربيته وطلع على القاهرة. وصل الشقة على نص الليل وفتح بالمفتاح. ولع نور الصالة… مكتبي ما كانش موجود. كتبي اختفت. الدولاب نصي الخاص بيه كان فاضي تماماً. في الحمام ما فاضلش غير مكنة الحلاقة بتاعته، برفانه، وفوطة قديمة. وعلى بار المطبخ كان في طقم المفاتيح وظرف متقفل للراجل صاحب العمارة فيه إيصالات الفواتير والخدمات المدفوعة بالكامل.
شريف اتصل بصاحب العمارة وهو هيتجنن:
— هي مراتي فين؟
— ما اعرفش يا أستاذ شريف — الراجل رد عليه — بس هي بلغتني من فترة إنكم مش هتجددوا العقد. سلمت نصيبها من الشقة ووثقت كل حاجة. وغير كدة جالي إخطار رسمي إن العربون ما يتصرفش لحد ما النزاع اللي بينكم يخلص.
— من فترة؟ امتة يعني؟
— من يجي شهر تقريباً.
شريف لسانه اتلجم وماردش.
تاني يوم الصبح راح على مقر شغلي في القاهرة. مديرة الموارد البشرية (HR) ما سمحتلوش حتى يعدي بوابة الأمن:
— الأستاذة فريدة خلاص ما بقتش تابعة للفرع ده.
— أمال هي فين دلوقتي؟
— دي معلومات تخص الشركة وما ينفعش تفصح عنها.
شريف بدأ يعلي صوته لحد ما الأمن قرب منه. المديرة بصت له ببرود وقالت:
— اللي أقدر أقولهولك بس إن طلب نقلها اتقدم من تلات شهور فاتوا واتوافق عليه من أسابيع.
تلات شهور… نفس الأسبوع اللي سحب فيه الـ 480,000 جنيه!
لأول مرة يستوعب إني ما هربتش في لحظة غضب أو اندفاع… أنا كنت بجهز لخروجي خطوة بخطوة وهو لسة فاكرني “الست الكئيبة”، وسايبلي قمصانه أغسلها ومقتنع إن سكاتي ده قلة حيلة وطاعة.
بعد الضهر جاتله رسالة ثانية، المرة دي من داليا المحامية:
“الأستاذ شريف: بداية من اللحظة دي، أي تواصل يخص الطلاق، الممتلكات، أو الحسابات يكون عن طريق المكتب ده فقط.”
ومعاها المرفق بتاع إعلان المحكمة. شريف قرى السطر الأخير مرتين… تحويل الفلوس لابن عمه بقا متسجل رسمياً كقضية تبديد ونزاع مالی.
ولأول مرة… بطل يشتم أو يتنطط. وبدأ يترجى إننا نتكلم.
انتِ بقى.. لو مكانها ولقيتي إنهم بيستغلوكي وبيضيعوا شقاكي ويسرقوا تحويشة عمرك، كنتِ هتعملي إيه؟