جو الفرن والبخار
سكت شريف لثواني والورقة في إيده بتترعش. الحقيقة ضربته في وشه زي القلم: أنا مش الست الضعيفة اللي كان فاكر إنه يقدر يكسرها بكلمة أو يهددها بـ “ورقة طلاق”. أنا كنت صاحية ومفتحة وعارفة باخد حقي إزاي، ومن غير ما أعمل هيصة ولا أصرخ.
خرج من الشقة وهو مش شايف قدامه، وركب عربيته وطلع على طنطا لأمه. أول ما دخل عليهم وشافوه، أمه جريت عليه:
— إيه يا شريف؟ عملت إيه مع العقربة دي؟ جرة إيه للبيت والفلوس؟
شريف قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه، وصوته طالع مكسور لأول مرة:
— فريدة ما سابتش حاجة يا أمي.. فريدة نقلت شغلها لأسوان من تلات شهور، وحطت حجز على الحسابات في البنك، والـ 480 ألف اللي اديتهم لأيمن بقوا دين عليا أنا رسمي أمام القضاء بفضل إقراري اللي بعتهولها!
المطبخ كله سكت. حماتي أيديها اتجمدت وهي ماسكة حلة المحشي، والعمة سمر بصلته بذهول:
— يعني إيه؟ والفلوس اللي عند أيمن؟
— أيمن مش هيعرف يرد قرش، والبنك واقفلي حساباتي، ولو ما دفعتش نصيبها في تحويشة العمر ممكن أتسجن بسببه!
في الوقت ده، أنا كنت قاعدة في بلكونة السكن المؤقت في أسوان، ببهدلة النيل والشمس الدافية بتداعب وشي. ماسكة كوباية شاي بالنعناع، وببص على المراكب وهي ماشية في المية بهدوء. كان بقالي سنين ما حسيتش بالراحة دي.. راحة إن محدش بيستغلني، محدش بيقلل مني، ومحدش بيعتبر وجودي مجرد خدامة في المطبخ.
تليفوني رن، كانت داليا.
— أهلاً يا داليا، إيه الأخبار؟
— فريدة، محامي شريف اتصل بيا. طالعين يجروا ورايا وبيدوروا على أي حل ودي! معروض علينا يرجعلك الـ 240 ألف بتوعك كاش، مع تنازله الكامل عن أي حقوق، مقابل إننا نسحب قضية التبديد وما نعملوش مشاكل في شغله.
ابتسمت وقولت لها:
— والـ 480 ألف كلهم؟
— هيتدفعوا.. هيدفع نصيبك كاش، وهو يتصرف مع ابن عمه أيمن براحتهم بقى، ياخد منه كمبيالات أو يرفع عليه قضية، ده موضوعهم هم.
— تمام يا داليا.. كملي الإجراءات. أنا مش عايزة منه غير حقي بالمليم، والورقة الرسمية اللي تقطع أي صلة بيني وبينه للأبد.
بعد شهرين..
كنت واقفة قدام محكمة الأسرة، لأول مرة أشوف شريف من يوم ليلة رأس السنة. كان باين عليه التعب، خاسس وشكله متبهدل، عيونه مفيهاش نقطة من الغرور ولا التناكة اللي كان بيكلمني بيها.
بصلي ونطق بصوت واطي:
— فريدة.. ما كانش فيه داعي لكل ده.. كنا ممكن نتكلم.
رديت عليه بابتسامة هادية جداً:
— أصل أنا “ست كئيبة وعجوزة” يا شريف.. والستات الكبار ما بيلعبوش.
مضى على كل الأوراق، ورجعلي كل جنيه اتسرق مني ومن عرق جبيني، وخرجت من المحكمة وأنا شايالة حريتي وكرامتي في إيدي.
النهاردة، بقالي سنة في أسوان. مسكت إدارة الفرع بالكامل، اشتريت شقة صغيرة على النيل بديكور أنا اللي اختارته كل حتة فيه. أوقات وأنا بلف المحشي لنفسي في يوم إجازتي، بفتكر ليلة طنطا والبخار اللي كان بيلسع وشي.. وببتسم لأن اللسعة دي هي اللي فوقتني ورجعتلي حياتي من جديد.
النهاية.