كارتك

—كارتك اترفض تاني، مفيش رصيد كفاية.
​مريم أخدت كام ثانية عشان تستوعب الكلام اللي قالتهولها موظفة الاستقبال في النادي الرياضي. ورا الزجاج، كان فيه كذا طفل بيلعبوا في البيسين بينما المدرب بيعلمهم يعوموا. جنبها، سليم، عنده أربع سنين، كان ضامم لصدره شنطته اللي عليها قرش أزرق.
​—ماما، هو إحنا مش هنعوم؟
​—استناني ثانية واحدة يا حبيبي.
​مريم بعدت شوية وفتحت أبلكيشن البنك على تليفونها. حست بإيديها بتتلج.
​الحساب كان فاضي، مفيش غير 286 جنيه.
​الصبح ده كان المفروض يكون فيه ما يقرب من 48 ألف جنيه، جمعتهم على مدار ست شهور شغل في وش الفجر. عملت ريفرش للشاشة مرتين. مفيش حاجة.
​بعدها فتحت كشف الحساب.
​أربع تحويلات.
​كلهم اتعملوا خلال الثلاث أيام اللي فاتوا.
​كلهم لنفس الاسم:
​نعمة عبد العزيز.
​حماتها.
​مريم حست بوجع في بطنها. نعمة مستحيل تدخل على حسابها، لا معاها الكارت ولا تعرف الباسورد.
​بس طارق، جوزها، يعرف رمز فتح التليفون.
​—ماما، مش هنزل المايوه؟
​مريم بصت لسليم وابتسمت بالعافية:
​—مش النهاردة يا قلب ماما، هنرجع يوم تاني.
​الولد نزل راسه في الأرض، بس خرج وهو ماسك إيدها وبيتكلم عن الأطفال التانيين اللي شافهم بينطوا في المية.
​مريم مكانتش سامعاه أصلاً.
​طارق بقاله ثمان شهور من غير شغل. في الأول كان بيروح إنترفيوهات، بعد كده بدأت الحجج: المُرتبات تعبانة، المواعيد تعجيزية، الشركات عاوزة تستغل الناس.
​مع الوقت مابقاش حتى بيطلع من البيت الصبح.
​—أنا ببعت سي في هات.. كان بيقولها وهو قاعد على الكنبة.
​في الوقت ده، مريم كانت وصلت لعميل قديم من مجلة محلية في القاهرة وبدأت تدقق وتراجع نصوص من البيت. كانت بتشتغل لما سليم ينام، أوقات للعمود الساعة اتنين بالليل.
​طارق كان متعود يتريق عليها:
​—إيه، بتعدلي الفواصل تاني؟ باين عليكِ بتلعبي شغلانات.
​بس لما كان الفلوس بتنقص عشان السوبر ماركت، أو عشان أنبوبة الغاز، أو علاج سليم، اللعب ده هو اللي كان بيدفع الفواتير.
​مريم بدأت تشيل جزء صغير من كل قرش يجيلها. كانت عاوزة تدفع اشتراك السباحة لابنها، تشتريله هدوم، وتخلي معاها قرشين للزنقة.
​طارق كان عارف بالظبط هي محوشة كام.
​لما وصلت البيت، لقته قاعد قدام التلفزيون.
​—طارق، الفلوس اللي في حسابي اختفت.
​حتى مبصش عليها:
​—فلوس إيه؟
​—اللي بقالي ست شهور بشيلها.
​سكوت.
​—اتحولت لمامتك.
​طارق وطى صوت التلفزيون:
​—أيوه، أنا اللي حولتها.
​مريم حست إن فيه حاجة جواها اتكسرت.
​—أنت أخدت تليفوني وأنا نايمة؟
​—ما أخدتوش، التليفون كان محطوط في البيت عادي.
​—وهي مامتك محتاجة ثمانية وأربعين ألف جنيه ليه؟
​—بتجدد المطبخ، وكان ناقصها فلوس.
​مريم بصتله وهي مش مصدقة:
​—ديتها تحويشة عمري عشان تعمل مطبخ؟
​—تحويشتنا! إحنا متجوزين.
​—أنا طالع عينيا ليالي بطولها عشان الفلوس دي.
​طارق ضحك ضحكة بايخة:
​—يعني كنتِ بتشيلي شوالات إسمنت؟
​سليم ظهر في الصالة:
​—بابا، أنا معُمتش عشان ماما مكنش معاها فلوس.
​طارق كشر:
​—أنت بتدخلي الولد ليه في الكلام؟
​مريم خلاص مقتدرتش تمسك نفسها:
​—عشان الفلوس دي كانت عشانه هو كمان!
​—متأفوريهاش، الفلوس لسه جوه العيلة.
​—وهي مامتك هترجعهم بكرة؟
​طارق بص الناحية التانية:
​—هي دفعت العربون خلاص للمطبخ.
​—يبقى أنت اللي هترجعهم.
​—منين يعني؟
​—دي مش مشكلتي.
​قام وقف وهو متنرفز:
​—أنتِ بتعملي دراما من ولا حاجة!
​مريم أخدت نفس بشويش:
​—أنا هكلم بابا.
​طارق وقف مكانه:
​—أنتِ هتدخلي أبولك في جوازنا؟
​—أبويا بقاله شهور بيجيبلي الخضار والحاجة وأنت قاعد بتدور على شغل من على الكنبة، أظن هو متداخل بالزيادة أصلاً.
​بعد ثلث ساعة، عم صلاح دخل الشقة. مريم ورّته التحويلات.
​الراجل بص لجوز بنته:
​—أنت عملت كده؟
​—دي أمور شخصية بيني وبين مراتي.
​صلاح حط المفاتيح على الترابيزة:
​—تمام، يبقى نتكلم بالمرة في موضوع الشقة.
​طارق ابتسم بسخرية:
​—وهي الشقة مالها ومال الموضوع؟
​مريم راحت جابت فولدر وحطت قدامه عقد الشقة:
​—بابا اشترالي الشقة دي في التجمع وكتبها باسمي قبل ما نتجوز بسنتين.
​ابتسامة طارق اختفت:
​—أنا عايش هنا، ودي بيتي أنا كمان.
​مريم بصت في عينيه بثبات:
​—النهاردة تنام عند مامتك.
​—أنتِ بتطرديني؟
​—أيوه.
​وهنا طارق قال الجملة اللي حولت الخيانة المالية لحاجة أوحش بكثير:
​—لو طردتيني، أنا هأخد سليم معايا.. ونشوف مين اللي هيعيط في الآخر لما نتخانق عليه في المحاكم.
​مريم حست إن دمها اتجمد في عروقها.
​لحد اللحظة دي كانت فاكرة إنها بتتخانق مع جوزها.
​وفجأة فهمت إنها قدام شخص مستعد يستغل حتى ابنه عشان يرعبها.
​واللي عملته مريم تاني يوم كان حاجة لا طارق ولا أمه كانوا يتخيلوا أبداً إن هيجيلها الشجاعة تعملها.
​عايز تعرف إيه اللي حصل بعد كده؟
طارق مشي في الليلة دي وهو جاب آخره وأخد شنطة هدومه معاه. وقبل ما يقفل الباب، اتريق كعادته وقال:
—يومين بالظبط وهتتصلي بيا تترجيني أرجع.
​مريم ماردتش.
​تاني يوم الصبح بدري، غيرت كل الباسوردات: أبلكيشن البنك، التليفون، والإيميل. وأخدت سكرين شوتس لكل التحويلات، ونزلت كشف حساب كامل، وراحت تقابل محامية شاطرة دلها عليها أبوها.
​الأستاذة صفاء مراد اتفرجت على الورق بهدوء:
—بالنسبة للشقة، العقد باسمك قبل الجواز وواضح جداً إنها ملكك الشخصي. أما بالنسبة لسليم، متتاخديش باندفاع.. طارق أبوه وله حق يشوفه، بس مش من حقه يأخذه ويخطفه لمجرد إنه هددك في خناقة.
​مريم هزت رأسها:
—اللي حارق دمي وأهم حاجة عندي هي الفلوس.
​الاستاذة صفاء ردت:
—وثقي كل حاجة. بالذات هو وصل للحساب إزاي، وإن التحويلات دي تمت من وراكي ومن غير علمك.
​وهي طالعة من مكتب المحامية، مريم اتصلت بنعمة حماتها:
—أنا محتاجة الفلوس ترجعلي.
​نعمة نفخت بضيق:
—اتكلمي مع جوزك!
​—طارق اعترف إنه هو اللي حولهالك.
​—طب ما هو ابني! ومن حقه يساعد أمه.
​—حضرتك كنتِ عارفة إني ما وافقتش على التحويل ده؟
​السكوت خيم كام ثانية.. وبعدها نعمة قالت جملة غيرت كل حاجة:
—بصي يا مريم، أنا بقالي شهر بقول لطارق: “هات الفلوس دي قبل ما تروح تصرفها في كلام فارغ”.
​مريم وقفت مكانها في الشارع مذهولة:
—بقالك شهر؟!
​نعمة أدركت اللخبطة اللي وقفت فيها متأخرة:
—ما تقولينش كلام ما قلتهوش!

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *