كارتك
—يعني أنتوا الاتنين بقالكم أسابيع بتخططوا لتحويشتي وبتتكلموا فيها؟
—أنتِ هتحققي معايا ولا إيه؟!
وقطعت الخط في وشها.
بعدها بثواني، طارق اتصل وهو بيزعق:
—أنتِ ليه بتبايخي على أمي وتضايقيها؟!
—عشان لسه قايلا لي حالا إنكم متفقين على الموضوع ده بقالكم شهر!
—هي كبرت ودماغها اتلخبطت!
—وهي كانت تعرف منين أصلاً أنا معايا كام؟
طارق سكت خالص.. ومريم أخدت الإجابة اللي كانت محتاجاها.
على بعد الظهر، راحت هي وأبوها على شقة نعمة في مصر الجديدة. كان فيه كراتين سيراميك مركونة في الصالة وشكاير اسمنت في المطبخ.
—أدي فلوسك أهي! —نعمة قالتها وهي بتشاور على التوضيبات— ما كلتهاش في بطني!
مريم لمحت إيصال متعلق بمغناطيس على الثلاجة. المبلغ المكتوب كان أقل بكثير جداً من الثمانية والأربعين ألف جنيه!
—فين باقي الفلوس؟
نعمة شدت منها الإيصال بسرعة:
—حاجة ما تخصكيش!
—لا تخصني ونص.
—الباقي لسه في حسابي عشان فاضل دفعات للعمال.
السكوت نزل على المطبخ، ونعمة حطت إيدها على بقها.. كانت غُلطت للمرة الثانية.
مريم أخدت شنطتها وقالتبثبات:
—يبقى لسه تقدري ترجعيهم.
—أنا مش هبطل توضيب في مطبخي!
—أنا ما طلبتش منك تبطليه، وضبي مطبخك من قرشك.
—وأنتِ ناوي تعملي إيه يعني؟
مريم فتحت باب الشقة:
—هثبت القانون ياخد مجراه في الفلوس دي أخدتوها إزاي.
بعد ساعتين، طارق وأمه كانوا قاعدين في قسم الشرطة بيترد عليهم وبيتقدم فيهم بلاغ رسمي بتحويل أموال بدون وجه حق. الثقة والفرعنة اللي كانت عندهم في البيت تلاشت تماماً.
لما نعمة خرجت، بصت لمريم بوش أصفر ومهزوز:
—عايزة كام عشان تخلصي الموضوع ده ونتنازل؟
—كل مليم دخل حسابك.
—أنا صرفت جزء منه!
—رجعي اللي فاضل دلوقتي فوراً.
نعمة بصت لابنها بغل:
—أنت مش قلت لي إنها مش هتوصل للشرطة والمحاكم أبداً؟!
طارق عض على شفايفه وقال بصوت واطي:
—ياما.. حولي الفلوس.
بعد دقائق، جه إشعار تحويل على تليفون مريم. بس المبلغ كان ناقص يجي ثلثه.
—ده اللي اتصرف —نعمة قالتها بقلة حيلة.
مريم فضلت واقفة مكانها وما اتحركتش:
—الفلوس ناقصة.
نعمة فتحت أبلكيشن بنك تاني بتوتر:
—دي تحويشتي أنا! بقالي سنة بجمع فيها!
مريم بصت في عينها مباشرة:
—وأنا كمان قعدت شهور أطلع فيهم عيني عشان أجمعهم.
نعمة سكتت خالص، وفي الآخر عملت التحويل الثاني.
مريم راجعت المبلغ.. كل مليم رجع لحسابها بالتمام والكمال.
طارق أخد نفس راحة:
—تمام كده، الفلوس ورجعت، تنازلي بقى ونرجع بيتنا.
مريم شالت التليفون في شنطتها برود:
—لا.
—يعني إيه لا؟!
—الفلوس رجعت.. بس الثقة مش هترجع.
طارق وشه اتخطف وبقى شبه الج/ثة:
—أنتِ بتقولي إيه؟
مريم ردت بنبرة هادية بس قاطعة:
—بكرة المحامية بتاعتي هتقدم طلب الطلاق في المحكمة.
ولأول مرة من يوم ما المشكلة بدأت، طارق استوعب إن مريم مكانتش بتلوي دراعه ولا بتعلمه درس.. هي كانت بتنهي الجوازة دي فعلاً.
واللي مكانش يتخيله.. إن خسارته للشقة ورجوعه يدور على شغل مش هيلاقيه، كانت مجرد بداية للثمن اللي هيدفعه على كل اللي عمله.
PARTE 3
في اليوم التالي، توجهت مريم إلى مكتب المحامية الأستاذة صفاء لإتمام إجراءات رفع دعوى الخلع ورسم حدود الحضانة. لم تكن المسألة مجرد إنهاء عقد زواج، بل كانت استرداداً لكرامتها وحماية لمستقبل ابنها سليم.
في المقابل، كان طارق يظن أن تحويل الفلوس سيُغلق الملف تماماً. لكنه عندما تلقى إعلان المحكمة بالدعوى المقامَة ضدّه، جن جنونه.
اتصل بمريم عشرات المرات، وعندما وجد خطوطها مغلقة، توجه إلى شقة التجمع التي كان يظن أنه يملكها لمجرد أنه عاش فيها. حاول فتح الباب بمفتاحه، لكنه فوجئ بأن مريم قد غيرت كالون الباب بالكامل.
بدأ يطرق الباب بقوة وهو يصرخ في الممر:
—افتحي يا مريم! مش هسيبك تاخدي الشقة وابني مني! أنتِ فاكرة نفسك مين؟
خرج الجيران على صوته، وهنا ظهر والد مريم، عم صلاح، من المصعد ومعه حارس العمارة. وقف بثبات وقال له:
—يا طارق، الشقة دي مكتوبة باسم مريم بعقد مسجل من قبل ما تدنسها برجلك. لو ما مشيتش حالا، الشكوى اللي أثبتناها في القسم والتحويلات اللي معاها هتوصل لنيابة الأموال والتعدي على ملكية غيرك.
بدأ طارق يدرك أن مواقفه الضعيفة لم تعد تجدي، وأن سنده الوحيد—والدته—أصبحت تخشى من أي تبعات قانونية قد تطال حساباتها البنكية مجدداً.
مرت الأسابيع، وحاولت نعمة، حماتها السابقة، التوسل لمريم عن طريق معارف مشتركة. كانت ترسل لها رسائل تقول فيها: “عشان خاطر سليم، بلاش تفضحي أبوه وعيلته.. طارق طايش بس بيحبك”. لكن مريم كانت تكتفي بالرد: “اللي يخون أمانة مراته وياخد لقمة ابنه ما يعرفش يعني إيه حب”.
في المحكمة، حاول محامي طارق المماطلة وادعاء أن طارق يمر بأزمة نفسية وبأنه كان يسعى لرعاية أسرته، لكن الأوراق وكشوف الحسابات والتسجيلات كانت واضحة كالشمس. حكمت المحكمة بإنهاء عقد الزواج، وبثبوت حضانة الطفل سليم لأمه، مع تحديد نفقة شهرية للطفل، وإلزامه بإخلائه التام للقسم الخاص به من أي مطالبات بالشقة.
لم تنتهِ القصة عند هذا الحد.
طارق، الذي رفض العمل لسنوات بدعوى أن الوظائف “لا تليق بمستواه”، وجد نفسه بلا مأوى مستقل، بلا سيارة، وبلا أي تدفق مالي من مريم. اضطر تحت ضغط الديون ومصاريف النفقة الواجبة عليه قانوناً إلى قبول وظيفة بسيطة براتب محدد في إحدى الشركات الصغيرة، ليبدأ لأول مرة في حياته بفهْم معنى أن يتعب الإنسان ليحصل على قوته.
أما مريم، فقد استعادت حسابها البنكي بالكامل وأضافت عليه. بدأت بتكثيف عملها في تدقيق النصوص والترجمة، وأنشأت مكتباً صغيراً للخدمات اللغوية من بيتها.
وفي يوم دافئ من أيام الصيف، كانت مريم تجلس على مقعد في النادي الرياضي بالقاهرة، تشرب قهوتها وهي تشاهد سليم، بملابس السباحة الجديدة وحقيبة القرش الأزرق، يبتسم ويقفز بثقة داخل البيسين تحت إشراف مدربه.
أمسكت تليفونها، فتحت تطبيق البنك، ونظرت إلى الرصيد. لم تكن الشاشة تعكس مجرد رقم، بل كانت تعكس حريتها، وعزيمتها، ودرسها الأكبر: أن الأمان لا يمنحه لك أحد، بل تبنيه بيدك.
تمت القصة.