حنان 8

الفصل 22

​تركها آدم وخرج، فإنهارت وهي بتبص للغرفة الفاضية بعقل فاضي، بكت دموعها حسرة على الحياة اللي لطالما حلمت بيها بس مالحقتش تعيشها.
​نظراته النهاردة كانت مختلفة، كان فيها تأنيب ضمير.. لما لجأت له زمان ظن وقتها إن ده الأفضل ليها، بس دلوقتي بيعيد كل حساباته.. كل ما يراقب ذعرها وعمرها اللي بيضيع، يعنف نفسه إن جارى كلامها المستفز والمندفع لرجولته.. ربما كان الكلام والمواجهة وقتها أفضل بكثير من الاستخفاء والهروب.
​الخوف ما بيمنعش القدر بخيره أو بشره، بس بيمنعنا نعيش أو نستمتع بالحياة.. الرعب اللي عايشة فيه ساب آثاره على ملامحها الجميلة، فحولها لزهرة باهتة فقدت بريقها، بتذبل تدريجياً رغم جمالها الظاهري، لكن الحزن اندفن في الأعماق وكان بيظهر مع كل نفس تخرجه.
​المشهد الثاني
حكمة قالتها لي جدتي زمان: “يا بنيتي سيظل الصراع بين الضعف والقوة داخل الإنسان طالما بقيت أنفاسه ككفتى ميزان، نظهر الضعف خضوعاً وبكاءً، نظهر القوة عزة وهيبة، أو نظهر الضعف وقلوبنا تضج بالقوة.. ليبقى إظهار ضعفنا قوة هو أقسى صراع يُحطم دواخلنا.”
​هي دلوقتي على وشك الانصياع لسيل مشاعر غلفتها بفعل الخوف والذنب بغلاف من البرود، بس هي دلوقتي على وشك فقدانه.. أيعقل إن مخاوفها تحقق وتفقده بعد ما كانت مستنية وتحاول تمنع ده؟ دلوقتي بتحاول تدفعه عن قلبها، بس جابت منين القوة دي؟ خارت قواها قدام أكبر امتحان ليها كزوجة وكعاشقة والأهم كأنثى.. لا.. ليس بعد ما عانته وخسرته في دروب العشق ده إنها تستسلم وتترك آدمها لإمرأة أخرى، مش بعد كل اللي مرت بيه!
​تخشى إضاعة الفرصة ولن تجني في النهاية إلا الندم.
​في الوقت ده، كان آدم بيذرع الصالة ذهاباً وإياداً، بيجاهد يخفي رغبته العارمة في إن يضم حياة بين أضلاعه ويسمع صوتها.. يجهل إنها ما بتخافش غير إن شعورها يطوف على سطح عينيها الجميلتين فيفضحه.. العناد ده مش غريب على صغيرته وطفلته اللي رباها على إيديه. هل انتهت الزوبعة دي؟ أم ستبدأ التوابع؟ المشاعر دي ما بتجيش غير مرة واحدة في العمر، بس هل هينضطر كل واحد فيهم يدفن مشاعره اللي اتولدت في قبر النسيان؟ مين قال إن القبور بتتحفر في باطن الأرض بس؟ جوانا قبر بندفن فيه روح كل عزیز راحل، بنكفنه بدموعنا وندعي له بآهات أشواقنا حتى لو كان على قيد الحياة.
​طمعت نفسه في لقاء ثاني، وهل يُصنع الحب إلا بنكهة الطمع؟ فأي محب ده اللي مش بيطمع في امتلاك محبوبه؟ الطمع هو السكر اللي بيتحط في فنجان الحب الدافئ عشان يمتع قلوبنا.. طالما زواجهم بقى أمر واقع، فليه ما يعيشوش زي أي زوجين طبيعيين؟
​المشهد الثالث
الحب كلمة من حرفين، والحزن والندم كل منهما من ثلاثة أحرف.. والتلاتة بيشتركوا في دوامة الحيرة، إما تطلع بحب كبير أو ب ندم أكبر.
​آدم.. هل حقاً ممكن قلبك ينبض لغيري وتضمها وتغني لها وتلقي لها أشعار نزارية؟ كيف قدرت تنطقها حتى لو كذب؟ كيف هان عليك حبنا حتى لو في خيالك؟ ألم أقسم لك إن اليوم اللي تفكر فيه في إمرأة غيري هيكون بمثابة شهادة وفاتي؟
​تذبذبت بين قلبها الذبيح وعقلها اللي رافض يصدق إن آدم ممكن يعمل كده.. حاولت تخدعه ومثلت النوم أول ما دخل الغرفة.. اتأملها بشك وحيرة: هل دي حياة؟ ما ثارتش ولا صرخت ولا عملت مشكلة؟ اتمدد على الفراش جنبها، لاحظ تكورها زي الجنين، ما حاولش يضايقها وسابها براحتها وفضّل الصمت، فهو أدرى الناس بيها، هدوئها ده هو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
​اتعدلت حياة وتسحبت من الغرفة بالراحة، دخلت الحمام وأخدت منه غرض وخرجت وهي بتلتفت حولها بذكاء عشان ما تعملش صوت ويستيقظ آدم.. “لو تعرف مقدار حبي لك ما كنت جرحتني ولا أذيتني كده.. متى تعرف إنك السند اللي بتسند عليه وإنك بالنسبة لي الكون كله؟ أرى الدنيا بعينيك أنت.. أنت آدمي.”
​حياة بسرعة قربت من الباب بقلب بينبض بعنف وعقل بيروح وييجي، وصعدت لسطح العمارة.. المكان المليان بذكرياتهم وأول شرارة عشق.. المكان اللي توج بأجمل لحظاتهم. أغمضت عينيها تتذكر اللي حصل لحد ما وصلت لهنا.. محطتها الأخيرة قبل ساعات لما اتخذت قرارها بالرحيل وللأبد، وإنه مهما حصل مش هتتراجع. صوته اللي داخل ثنايا روحها مش بيقارقها، بث بقلبها الضعف والندم، وعاودت شلالات دموعها تغمر خديها بلا سبب..
​ماذا تفعل بعشقها وقلبها البائس اللي مش بيحن ولا يخضع إلا له؟
​ارتفع صوت شهقاتها وبكت بحرقة، وشرعت تضرب بقبضة ايدها على موضع قلبها بعنف.. ومن بين شهقاتها كانت بتتمتم بألم، وأخدت تنهل من نسيم الليل وهي بتقطع شرايينها وعيونها بتتجول في المكان وكأنها بتتشرب منه أجمل ما كان فيه قبل ما تغمض عينها إلى الأبد.
​المشهد الرابع
مهما انهارت الجسور وتعرجت الطرقات وسدت الأبواب، اللي عايزك بحق هيعرف إزاي يوصل لك.. هيبني الجسور ويعبر الطرقات ويفتح الأبواب عشان بس يقول لك “أحبك”. أما الأعذار فما هي إلا بطاقة انسحاب تُرسل مع كل وعد كاذب وحلم ضائع وسراب خادع.. تتمنى أعيننا المغمضة ألا تقرأ حروفها، ومهما تأخرنا في قراءتها هترغمنا يوماً بكرامة ممزقة وقلب معذب.
​مع كل التفافة ليها، كان فيه نداء خفي بيطالب بيه، وهو وينتفض قلبه ملبياً النداء المستغيث، وإن طلبت الكون كله مستعد يحطه تحت قدميها.
​هل تكون مبالغة لو اتسجل التاريخ ده عشان يحتفل بيه كذكرى طلبها الأول لما قربته منها بإيديها المرتعشتين، كل ذرة فيها بتطالبه ينالها وتكون له؟
​تكاثفت مشاعره وغرق في بحور السعادة عشان ينسى إجابتها اللي قرأها في عينيها وأنفاسها.. قرب منها بحنان لا يخلو من شوق عارم، وده جعلها تتراجع عن طلبها لتسأله أولاً: “هل أنت متفرغ؟”
رد عليها: “وإن لم أكن، تؤجل جميع الأعمال حتى ألبي كل طلباتك.. أخبريني أيتها الحلوى القشدية، إيه اللي بيسلبك راحة بالك ويجعلك مش حاضرة معايا بكل حواسك؟”
​لامست إيديها إيديه لتشعر بإحساس اتمنته كتير في أحلامها، الأحلام اللي بينسجها خيال الفتيات حول الرجل اللي خطف قلبها. اتمنت تفضل إيديها في إيديه عمراً، اتمنت ألا تنطفئ الشرارة دي. رفعت رأسها لترى اللي أسرى الرعشة دي في بدنها.. كان طويلاً مهيباً، خمري البشرة، أسود الشعر، له عينان سوداوان، جاذبيته شديدة، وتضيء وجهه ابتسامة هادئة ما يسبق عاصفة العشق والرغبة. وما قدرش يزيح عينيه عن عينيها، مال عليها بقامته وحملها بين إيديه كبلورة بيخاف عليها من الكسر.. كانت مغيبة كالمسحورة بين إيديه، ورغبة واحدة سيطرت عليها وهي الاستمتاع بكل لحظة من العاطفة دي.
​وبنبرة متوسلة همست له وهي بتجذبه ليها: “أدهم.. لا تتركني.. لا تتخلى عني..”
وضع إيده على فمها وقال: “أبداً.. سأموت قبل أن أفعل.” وشدد من ضمها إليه وكأنه بيزرعها جوا أعضائه، وهو بيراقب مشاعرها.. وكأن باستسلامها بين إيديه محا كل أوجاع الماضي بمرارته وذكرى إنها كانت يوماً خطيبة شقيقه الوحيد. عشق خالص شق صدره من الصغر، آياز طغى سحرها ومارست كل الطقوس اللي طالبت بعشق أبدي.. هي نسمة باردة في صحراء قلبه، وده معنى اسمها. وبألم ومرارة قال: “كنت أتمنى الموت على ألا أراكِ هكذا يا لؤلؤة القلب.” أغمضت عينها ودفنت شفتيها في عنقه لتفح لهيب أنفاسها، معلنة بدء أول ليلة لهما كزوج وزوجة.
​المشهد الخامس
الحب سر الأسرار الأعظم: “إن أحببنا من لم يُحبنا نشقى شوقاً، وإن أحبنا من لم نحبه نشقى أسفاً، وإن أحببنا من يحبنا نشقى غيرة وعناد وفرقة.” وكأن الحب والشقاء اجتمعا في قلب الإنسان يضخهما معاً ليصنعا الحياة.
​بعد ما أنهكه التفكير في حياته وحبه الوحيد، غفي آدم وهو قاعد على الكرسي في الصالون.. تململ حرك عنقه بألم، وتنهد لما لاحت صورتها الجميلة قدام عينيه.. جعلته يوقن إنها الملجأ الوحيد. ما لقاش مفر من الذهاب ليها، يرغب بشدة في سماع صوتها الموبخ له.. معاها حق، أثقل عليها بالكلام وما كانش يقصد إيلامها، لكن كان داخله بيتراقص من السعادة وهو شايف نظرة الغيرة المستعرة في عينيها.
​قام واثباً وهو يتمنى يشوف عروقها النابضة بجوار فيروزتيها اللي بيعشقهم كل ما زاد انفعالها عليه. دخل الغرفة بدون تفكير وما نظرش للساعة.. كل اللي يهمه إنه يضمها لقلبه. جاب الغرفة بعينيه وما لقاش حياته، التفت نحو الصالة واتجه للحمام وخبط على الباب عدة خبطات وهو ينادي باسمها، بس ما فيش مجيب. فتح الباب وما لقاهيش، جاب الشقة كلها وصدره يعلو ويهبط وقلبه في حالة فزع.. مسك مفتاح الشقة ونزل درجات السلم ركضاً لحد ما وصل لباب العمارة الكبير، ولاحظ إنه مقفول من جوة بالمزلاج الكبير، يعني مستحيل تكون خرجت برة وتعدل المزلاج من جوة!
​تذكر آياز، فطلع الدرج بسرعة لشقته أخوه وطرق الباب عدة طرقات وهو بيحاول يهدى من وجيب قلبه..
​فتح أدهم الباب وهو مش لابس غير بنطال منزلي بس، ونظر لهيئة أخوه اللي ما تبشرش بخير.. قبل ما يسأله آدم عن حياة، رد أدهم إنها ما جاتش عندهم.
صرخ آدم وهو بيلوح بإيديه بصوت مختنق: “أين تكون؟ اختفت؟ هل انشقت الأرض وابتلعتها؟”
رد أدهم: “ربما تكون ذهبت لبيت عمي يا آدم.. يعني أين ستذهب في هذا الوقت؟”
آدم: “لا يا أدهم، أنا تأكدت إن ما حدش خرج من باب العمارة، فهو موصد من الداخل.. مستحيل تكون خرجت إلا لو حد ساعدها وقفل الباب بعدها.”
أدهم فهم يلمح لإيه، بس قال: “آياز لم تفارقني لحظة منذ جئت من العمل أمس يا أخي.. اهدأ قليلاً وفكر، أين المكان الذي يمكن تختبئ فيه حياة هنا؟ هل كان لها مكان تلجأ إليه زمان؟”
سرح آدم وقال: “سطح البناء!” والتهم الدرج بسرعة جنونية.
​أدهم رجع غرفته ولقى آياز قدامه وأسئلة كتير في بالها.. حاول يهدئها وقال: “أرجوكِ اهدئي، حياة بخير، بس دعيني أصعد لآدم أولاً.” أخد تيشرته وارتداه وصعد وراء أخوه للسطح.
​وصل آدم وهو يلهث من التوتر، وأخد يمشط المكان بعينه لحد ما ظهر جسد حياة المسجى على الكنبة الخشبية غارقة في دمائها.. ركض ليها آدم وقد توقف قلبه عن النبض، حملها بين ذراعيه وهو يهتف بلوعة: “حياة.. لا تتركيني.. حياتي بالله عليكِ لا تتركيني أموت بدونك..” بس ما فيش مجيب!
​اندفع آدم بعربيته عكس السير دون وجهة محددة، حاسس إنه بيركض مغمض العينين داخل ممر مالوش نهاية، وحياة انتزعت من روحه.. يكاد يختنق خوفاً وحزناً، وعقله مش مستوعب اللي حصل.
​المشهد السادس
(عودة بالزمن عدة ساعات..)
في وسط الحديث هو ابتسم وأنا نسيت ما أقول.. تجتاحني رغبة عارمة في الحديث إليك، وإن لم يكن لدي ما أقوله.. فقط أريد إخبارك أنني بطريقة ما لا أخلو منك أبداً.
​ضل ينظر إليها وهي نايمة براحة على صدره، مش مصدق إنها معاه على فراش واحد وأصبحت زوجته فعلاً وقولاً.. يتطلع للعلامات اللي سابها على جسدها، معلناً صك ملكية على عشق الطفولة اللي تحقق.. عيناه ترمقها بشغف لا ينتهي.
​تململت آياز وهي بتفتح عينيها ببطء، وأهدته ابتسامة صافية وهي بتمسح على وجهه براحة ايدها، وهمست بصوت مليان عاطفة: “أحبك أدهم.. لا تتركني أرجوك.”
دمعت عينا أدهم وهو بيضمها بقوة وقال: “وأنا أحبكِ يا قرة عيني، ولن أترككِ أبداً إلا بموتي يا قلب أدهم وروحه.”
وضعت ايدها على شفتيه وهي بتبص له بلوم: “لا تذكر الموت بيننا مرة أخرى.. أتعرف يا أدهم، كل ما مر عليّ قبلك ما هو إلا كذبة، وأنا لأسف صدقتها بسذاجة لما رضيت بما خططه لي غيري واغتصبوا حقي في اختيار شريك حياتي.. لكني أصبحت ممنونة بشكل ما لأن لولاه ما كنت معك الآن، وما أدركت قيمة النصيب وإن الله جعل لكل شيء حكمة.. أتذكر لما كنت بعايرك بالبثور اللي كانت تملأ وجهك وأنت بتعايرني بسمنتي؟ أتعلم إني كنت بغار عليك لما بتلعب مع بنت غيري؟ كنت أختبئ منك وأتظاهر إني دخلت شقتنا، ولما أتأكد إنك دخلت شقتكم، أتسحب وأخرج وأروح للبنت اللي لعبت معاك وأشبعها ضرب عشان تحرم تلعب معاك تاني!”
​زفرت بشدة وكأن الماضي شريط سينمائي بيمر قدامها وهي بتضحك بسخرية على سذاجتها، وأكملت: “أتعرف إنني كنت بشاهد آدم وهو بيشبع الصبية اللي لعبوا مع حياة ضرب ويحذرهم؟”
عبس أدهم أول ما جابت سيرة آدم، بس هي اتعدلت وقربت منه ووضعت جبهتها على جبهته وقالت بعيون مليانة دموع: “كم كنت غبية! كل شيء من حولي كان إشارة لي لأفهم إن آدم يعشق حياة منذ نعومة أظافرها.. حتى إنه كان بيهتم بيها أكثر منك ومن نفسه، وحياة كانت بتتفس الحب ده.. بس أهلنا حاولوا تغيير مسار التيار فأغرقونا جميعاً في دوامة النصيب عشان نعلم إن لا سلطان لنا على قلوبنا، فالقلوب مسيرة وليست مخيرة. والآن كل الموازين تسير في مكانها الطبيعي، وها أنا بين يديك الآن وأعترف أنني لم أعرف الحب الحقيقي إلا معك يا ابن العم.”
​قبل ما تكمل جملتها، ابتلعها أدهم في جوفه بصدر يعلو ويهبط، ليعلن بدء حياة لزوجين صبرا حتى نالا السعادة. وبمكر شاغبها: “أعجبني أداؤك معي الليلة الماضية.. ما رأيك نعيد المباراة فأن أعشق اللعب؟”
أومأت بعفوية قبل ما تطبع قبلة حنونة على وجنته.. ليهمس لها بعبث: “يبدو أنكِ نسيتِ مكان القبلة وتحتاجين لدروس مكثفة لتنعش ذاكرتكِ.”
ضحكت بخجل ليضع قبلته في مكانها الصحيح، ولأول مرة تبادره بقبلة شغوفة وهي تهمس: “الآن فقط رُدّت روحي إليّ.”
​وتشاركا القبلات والنبضات، وغرقا في غمامة عشق وردية.. بس كانت دقات ايد آدم على باب الشقة أقوى من أي شيء، كان بيدق بكلتا يديه وكأنه بيصارع الزمن.
​قام أدهم فزعاً وهو مرتبك، ونظر لآياز اللي اختبأت تحت الغطاء.. أدهم كان لابس بنطاله البيتي وققز لحد الباب وفتحه، وهو بيحدق في شقيقه اللي ارتعب من منظره غير المهندم وآثار النوم على وجهه.
​المشهد السابع
“اللهم عونك إذا بات كل شيء ثقيل.. سأمنحك حباً يمنعك من التخلي عني.. وكأن شمس نهارك تشرق من داخلي ل تغرب في أيسر صدرك.. حياة.. افتحي عينيكِ حبيبتي.. حياة لا تتركيني.. حيااااااة!”
​كان آدم بيكلمها بيحاول أفاقتها علها تستجيب، بس هي فقدت وعيها وسبته معذب خايف من فقدانها بعد ما وجدها أخيراً وأصبحت زوجته.
​بعد فترة بالمستشفى..
قاعد أرضاً قدام غرفة العمليات مستني حد يطمنه على حياته، ورغم كل محاولات أدهم وأبوه إنه يقعد في مكان الانتظار، ما ردش على حد وظل مراقب الداخل والخارج وقلبه بينتفض كل ما يتفتح الباب.. لحد ما خرج الطبيب.
هرع له أدهم بيسأله عن حالة حياة..
رد الطبيب: “لقد فعلت كل ما استطعت فعله، ولكنها فقدت الكثير من الدم ودخلت في غيبوبة.. وما زاد الخطورة عليها أنها حامل في ستة أسابيع.. والأيام القادمة ستحدد إذا كان هناك مضاعفات أو لا.” قال ده وطبطب على كتف آدم بتعاطف ومشى.
​”رباه.. أنا عبدك الضعيف أقف بين يديك ذليل عاجز، أرجو رحمتك.. لا تختبرني فيها وفي طفلي، لا تحرمني منهما.. إذا أردت أن أكفر عن ذنبي خذ حياتي أنا مقابل حياتهما يا الله، احمِهما وعافهما ليس من أجل عبدك الخطاء ولكن من أجل طفلها وأبيها وشقيقتها.. فهم عانوا كثيراً بسببها، لا تجعلنا نعاني لوعة الفراق.. احمِها لي يا الله.”
وجثا على ركبتيه وظل يبكي حتى بلل لحيته.. وهناك صرخت آياز وظلت تكرر بصوت غير مفهوم: “بابا.. أريد بابا..”
​أدهم كان تايه بينهم، مش عارف يواسي مين ولا يترك مين.. فاللي حصل أكبر من احتمالهم جميعاً، فحياة كانت شعلة متحركة ومصدر حب للجميع.
سأل آدم بقلق: “أدهم؟ ستكون بخير أليس كذلك؟”
أومأ أدهم يحاول طمأنته: “أجل إن شاء الله.”
آه يا حياة الآدم، لو تعلمي كم من ليالٍ أضناني الشوق إليكِ كل دقيقة وساعة في بعدك!
​المشهد الثامن
“آه.. آه.. سأموت يا ناس.. أغيثوني!”
صرخ أحمد منتفضاً أعلى فراشه في منتصف الليل ممسكاً ببطنه في ألم يعصرها، لتنتفض إلهام النائمة جنبه بفزع وتسأله بخضة: “ماذا يحدث؟ ما بك يا أحمد؟”
صرخ أحمد يعتصر بطنه بشدة والعرق يتفصد من جبهته، يسكت شوية ويرجع يصرخ بصوت أعلى هز أركان البيت.. لتسمع إلهام خبط قاطِع ومُلح على الباب. بصت له بتوتر وراحت تفتح، لتجد حماها وحماتها بوجوه فزعة. هتفت حماتها وهي داخلة لغرفة النوم: “أحمد ما به يا إلهام؟ ولدي ما به؟”
​ما لقتش إلهام رد، فالقلق كان بيأكلها وصراخ أحمد بيرعبها.. راحت وراهم وهي محاوطة بطنها المنتفخة بذراعيها. دخلت نجية والدة أحمد للغرفة، ينخلع قلبها برؤية ابنها بيصرخ ومتمسك بأطراف الفراش بأعين زائغة.. هطلت دموعها: “ما بك يا حبيبي؟ ما بك يا ضنا أمك وقلبها؟”
بص لها أحمد بعينين أرهقهما المرض ووجه مصفَرّ باهت، وقال بصوت واهن: “أنجديني يا ماما سأموت..” وأعقبها بصرخة قوية صمت أذان إلهام، بينما وضعت نجية ايدها على بقها ملتاعة. وفجأة شعر أحمد بعصارة معدته بتتراجع لأعلى، لينقلب فوق الفراش متقيئاً ما بجوفه.. فابتعدت إلهام بتقزز، في حين بكت نجية حال ابنها.. ووقف الأب حائراً تدمع عيناه، لتصرخ فيه زوجته: “اذهب اتصل بالإسعاف! ابني يضيع مني سأفقده!”
​خرج الأب بأطراف مرتعشة يبحث عن هاتف ليجد نجدة، واصطدم بإلهام الجالسة على الكرسي بتحاول تمنع حالة قيء إنتابتها.. سألها بلهفة عن الهاتف، فأشارت له نحو سفرة الطعام، فذهب بسرعة وضغط أزرار الهاتف ببدن مرتعش.. بينما بالداخل تولول زوجته: “عين وأصابتك يا حبيب أمك! أغثنا يا رب!”
احتضنته من ظهره وهو تنتابه نوبات قيء أشد، ولكن آخر نوبة جعلت عيني والدته تجحظان رعباً لرؤية السائل الأحمر اللزج يخرج متدفِقاً من فمه! صرخت والدته: “يا مصيبتي! ألحقنا يا أبو أحمد!”
​ساب والده الهاتف وهرع للغرفة وخلفه إلهام، ليفجعهم رؤية الدماء المتدفقة من فم أحمد.. هرعت إلهام للحمام تتقيأ، بينما والده تجمدت أطرافه وتوقف عقله ينظر بقلة حيلة.. في حين أحمد ثقلت جفونه واستسلم لغيبوبة سقطت معها رأسه لجانبه مسيلاً خيط دم ممتزج بمخاط المعدة، لتطلق نجية صرخة قوية: “ولدي!”
​وبعد أقل من نصف ساعة، كان أحمد الشاحب المبتل بالعرَق يحمله المسعفون لسيارة الإسعاف، وركب معاه والداه.. في حين اكتفت إلهام بمتابعة انطلاق السيارة بسرعة عالية بصوتها المميز في الشوارع الخالية. الأم تصرخ وتندب، وتتشخص عين الوالد رعباً، بينما المسعف يقيس الضغط المنخفض ويجري الإسعافات الأولية.
​وما إن وصلت السيارة لمستشفى حكومي متهالك، هبط المسعفون بسرعة ناقلين إياه لقسم الطوارئ.. وركض والداه خلفهم، لكنهم اصطدموا بالواقع المرير: أين الطبيب؟ لم يكن هناك طبيب! أخذ والداه يسألان، فردت ممرضة بعجرفة: “الطبيب زمانه قادم.. لا تقلقوا، قمنا باللازم إلى أن يأتي لمعاينته.”
صاح والد أحمد: “ماذا يعني قمتم باللازم؟ وسيادته سيشرف متى؟ عندما ابني يضيع ويذهب من بين إيديا؟” وبنبرة آمرة صرخ: “اتصلي به واعرفي أين هو ليأتي بسرعة وإلا سأقدم فيكم بلاغاً!”
أشاحت الممرضة بإيدها بلا مبالاة: “أستاذ، إن لم يعجبك تفضل اذهب لترى مشرفاً آخر.. الطبيب ذهب لينام ساعتين وأنا لا يمكن أصحيه من أجل ابنك الذي يتقيأ!”
​وعندما كانت على وشك المغادرة، جذبتها ايد قوية من زيها الطبي.. ولم تكن سوى ايد نجية، فزمجرت بعينين مرعبتين وهي تكز على أسنانها: “أنتِ ستتصلي به ليأتي الآن وإلا اتصلت لكي بعزرائيل ليخلصنا منكِ!”
ارتعش بدن الممرضة أمام الثائرة، ورفعت هاتفها وهي ترمش عدة مرات.. ولم تتركها نجية حتى أتمت المكالمة وأبلغت الطبيب أنها حالة طارئة. وما إن أنهت المكالمة حتى هتفت: “الطبيب سيأتي خلال عشر دقائق.. ممكن تتركيني رجاءً؟”
حدجتها نجية بنظرات نارية ثم أرخت ايدها وصاحت بتهديد: “على الله لا يأتي خلال هذه المدة.. لن يكفيني ذبحك!”
​هرولت الممرضة، والتفتت نجية لغرفة وحيدها بقلب أم نهشه القلق.. دعت رب الرحمة الشافي أن يعافي وحيدها. توجهت مع زوجها لغرفته المنبعثة منها رائحة العفن والمرض، وجلست أمام فراشه المتهالك خائرة القوى.. رفعت كفه المغروز بها إبرة المحاليل، واصطدمت ببرودتها فأخذت تفركها بلهفة ودموعها تتساقط فوق كفه. يضع زوجها كفاً حانية مواسية على كتفها..
​ومرت الربع ساعة والأب يحاول الاتصال بكل من يعرفهم من أطباء وأقارب، ولكن باءت المحاولات بالفشل. وعندما أوشك على دخول الغرفة، وجد رجلاً طويلاً نحيلاً يرتدي رداءً طبياً ويضع نظارة.. دخل خلفه بلهفة. نهضت نجية، وسأل الطبيب بملل وضجر: “ما به؟ مما يعاني؟”
ردت نجية بنبرة حادة: “ألست أنت الطبيب؟!”
رفع الطبيب نظره بحدة: “نعم أنا الطبيب.. ولكن هو مما يشتكي؟”
وضع سماعته على قلب أحمد ثم فتح جفني عينيه ليظهر البؤبؤ، وسمع والده يقول: “كان يتقيأ..”
قاطعها الطبيب مستنكراً: “وأنتم أتيتم لهذا السبب؟” وصاح بحدة ينادي: “أنتِ يا نسمة!”
أشاحت نجية بفرط غضب: “أليست هذه مهنتك التي تتقاضى عليها راتبك؟ ما بك؟ ابني يتقيأ طوال الليل دماً وحضرتك كل ما يهمك منامك؟”
أمسكها زوجها وهدأها: “يكفي يا نجية.. المهم نطمئن على أحمد الآن.”
حدجها الطبيب بنظرة أخرى وأكمل فحص مريضه، وما إن انتهى حتى نزع السماعة وهتف: “لا بد من عمل أشعة وبعض التحاليل..”
وبلهفة متسائلة غمغمت نجية: “لماذا؟ ماذا به يا دكتور؟”
نظر لساعته وكأنه يحسب الوقت الهادر، ثم قال: “سأشخص الحالة بعد الأشعة والتحاليل.”
تركهم ولم يعقب بحرف، فانهارت نجية فوق كرسيها باكية.. بقلب أم تشعر أن المصاب جلل، بينما زوجها انعقد لسانه.
​وفي قسم الأشعة، تفاجأ الأب بعدم وجود الفني، وكذلك وجد المعمل مغلقاً.. ليصدمه واقع انتظاره لثلاث ساعات حتى يبدأ دوامهم! وبقلة حيلة عاد لغرفة ابنه ينتظر مع زوجته أطول ثلاث ساعات في حياتهما.. تجلس منتظرة النتيجة وعيناها لا تفارق وجه فلذة كبدها، وتدعو بين الحين والآخر لرب العباد أن يرأف بحالها وحال ابنها.. وكم نسيت حينها أن قلبها لم يعرف للرحمة طعماً عندما تعلق الأمر بزوجته السابقة، وكم تجبرت وكانت قاسية عندما تذللت زوجته لها وطلبت منها أن ترحمها!
​المشهد التاسع
دخل القطار لمحطته الأخيرة ليهبط ركابه سريعاً.. وما إن وقف يوسف على رصيف المحطة، حتى سارع لإخراج هاتفه وضغط بعض الأرقام على أزراره المتهالكة الممسوحة ليعتمد على ذاكرته.. وما إن جاءه الرد حتى قال بلهفة: “آه يا حسن يا ابني.. كيف حالكم؟ أنا وصلت الآن وبعد ربع ساعة سأكون عندكم.”
رد حسن ببسمة: “توصل بالسلامة يا حاج، اشتقنالك والله.”
رد يوسف: “وأنتم أيضاً.. تمام، بعد قليل أكون عندكم.”
​أنهى المكالمة ليعيد الاتصال برقم آخر.. وبينما هو ممسك بالهاتف، اصطدم به شيء ما! التفت ليجد تلك المخبولة ترفع حقيبة سفرها أعلى كتفها ليعمى مجال رؤيتها وتسير كالعمياء مصطدمة به، فصاح بها: “انتبهي يا ست!”
أدارت غمزة حقيبتها لترى الرجل وهتفت معترضة: “خير يا سيدي.. ماذا تريد؟”
زاد غليله منها فهتف بعصبية: “أنا الذي أريد! أولاً أن تعتذري لأنكِ من صدمتيني بحقيبتك.”
صاحت غمزة في وجهه وقد شعرت بانقباض قلبها: “اسمع، لا تخرف وتتجنى عليّ!”
ضرب الرجل كفاً بكف ووجد أن الحديث معها لن يجدي، فهتف وهو يرى نظرات متطفلة: “توكلي على الله يا ست.. الله يهديكي، لست في مزاج يسمح بالمهاترات.”
كزت غمزة على أسنانها، لكن طبيعتها الجبانة حثتها على الابتعاد، فهي في بلدة غريبة وتخشى الاحتكاك بأحد.. فتركته مغادرة دون أن تنطق حرفاً.
​بينما هو أعاد اتصاله ورفعه فوق أذنه ليسمع صوت رنين، ثم سمع صوت من اتصل به مرحباً بمرح: “ياه يا رجل يا طيب، لقد كنت نسيتك تماماً!”
ابتسم يوسف بعفوية: “عمر بيه.. والله لو عرفت ظروفي ستعذرني..”
سأله عمر: “خير إن شاء الله.. هل حدث شيء لابنتك؟”
رد يوسف بحزن: “لا ليست ابنتي.. ولكن أمها حدث لها حادث واضطررت أجلس بها، فلا تؤاخذني وسامحني..”
رد عمر بسرعة: “عيب عليك لا تقول هذا الكلام.. ألف سلامة عليها، وكيف حالها الآن؟ ولماذا لم تهاتفني وتخبرني؟”
يوسف: “الحمد لله هي بخير الآن.. وأيضاً لا أريد أشغلك وأتعبك معي، بارك الله فيك.”
عمر: “ومن متى ونحن بيننا هذا الكلام يا يوسف؟ المهم ماذا حدث لها؟”
أردف يوسف وهو ينظر نحو الأرض بأسى: “أصابها عدة كسور، ولكن الحمد لله أصبحت أفضل وعن قريب ستفك الجبس.”
رد عمر: “شافاها الله وعافاها.. ولا تشغل بالك بما طلبته منك، انتهى الموضوع ولم يعد مهماً.” قالها ونظر من نافذة مكتبه نحو أمل اللاهية مع الطفلين بالرمال تبني قصراً بالقرب من الشاطئ، فتعلو بسمة وجهه.. بينما يسمع يوسف يهتف: “ولكن أنا ذهبت وسألت وعملت كل الذي طلبته مني والذي لازم تعرفه!”
هتف عمر مقاطعاً وهو يفكر أن الأمر لم يعد يهمه، فهو يشك في وجود ما يعيبها، فهي من أعادت البسمة لشفاهه وعشقها طفله.. ولكنه وجدها وسيلة ليساعد ذلك الرجل الطيب الرافض لأي شفقة، لذا هتف بهدوء: “لا عليك يا يوسف، سأنتظرك غداً على الظهر.”
​المشهد العاشر
“واشتقت لكِ.. اشتقت يا أمل!”
هتفت بها غمزة وهي تحتضن أمل بالقرب من باب الفيلا الداخلي، تعاود احتضانها وتقبيلها.. مر حوالي العام لم ترَ خلاله شقيقتها. هتفت أمل مبتسمة: “وأنا أيضاً اشتقت لكِ يا غمزتي.. تعالي ادخلي.”
​دلفت غمزة خلفها وهي تنظر حولها وتهتف: “يا ما شاء الله! ما هذه الحلاوة يا أمل!”
ابتسمت أمل وهي تشير نحو الدرج: “تعالي استريحي أولاً من السفر.”
وصعدت خلفها غمزة منبهرة عيناها مما ترى.. ودخلتا إحدى الغرف.. وضعت أمل حقيبة شقيقتها بالقرب من الفراش، وجلست غمزة قافزة أعلى الفراش سعيدة بتنجيده المريح، واستلقت بظهرها لتزداد ابتسامة أمل اتساعاً وهتفت وهي تجلس بجانبها: “الجو هنا سيعجبك جداً.”
عادت غمزة تستقيم بسرعة: “أين ريري؟”
ردت أمل بهدوء: “ريري ومازن نائمان.. إلى أن تأخذي حماماً وتغيري ملابسك سيكونان قد استيقظا.. المشوار أتعبك وأرهقك.”
فركت غمزة جسدها: “جداً تعب، ولكن أفضل من وجودي هناك.”
تنهدت أمل في حزن، بينما عادت غمزة تسأل: “أين زوجك؟”
أمل: “ذهب لجلب طلبات وهو في الطريق الآن.. المهم طمئنيني، أمي كيف حالها هي وأخوكِ وأولاده؟”
غمزة: “جميعهم بخير والحمد لله.. يونس ما صدق أني مشيت، فرح جداً وكأني قلت له كسبت اليناصيب!”
ردت أمل مدافعة: “لا تأخذي على خاطرك منه يا غمزة.. حمله ثقيل.”
ورغم أنها تكره وجودها عالة على شقيقتها وزوجها، وآلمها عدم اهتمام شقيقها بما سيؤول إليه موقفها، إلا أنها أشاحت بذراعها دلالة أن الموضوع لا يهمها، وعادت تهتف مازحة لتغيير الحديث: “زوجك بصراحة يبدو رجلاً زي العسل، أرسل لي سائقاً يقول لي يا هانم وتحت أمرك!”
ردت أمل: “أنا بحمد الله كل يوم أنه رزقني به.. أنا بحبه جداً يا غمزة.”
ابتسمت غمزة لسعادة شقيقتها وهتفت مازحة: “الله الله! وماذا أيضاً؟”
ضربتها أمل بخفة على كتفها: “هيا يا فتاة قومي تحممي واجهزي إلى أن أنتهي من تحضير الطعام.”
غمغمت غمزة وهي تعوج فمها: “هذا البيت الطويل العريض ولا يوجد خادمة؟”
ردت أمل وهي تنهض: “يوجد.. ولكنها في عطلة وغداً ستعود بإذن الله.”
أومأت غمزة برأسها موافقة، بينما خرجت أمل لترى زوجها من موقعها أعلى الدرج يدخل من باب الفيلا الداخلي عابراً للصالة، فهبطت نحوه.. وعندما وقع بصره عليها زينت الابتسامة وجهه. ذهبت نحوه تحتضنه وقبلها على كلا خديها وسألها بهدوء: “أختك وصلت؟”
ردت أمل وهي تأخذ بعض الأكياس من يده: “نعم منذ قليل.. ما هذا؟”
عمر: “بعض المستلزمات لعملي، أقلام معينة وورق..”
أومأت أمل برأسها، وما إن تحركت نحو مكتبه حتى طرق الباب.. فرفع عمر حاجبيه لأعلى واستدار ليفتح ليجد…
​المشهد الحادي عشر
“لن تتوقف الأشياء عن كسرك ما دمت تحبها بإفراط.. لا أريد أن أضيء كنجمة لكي ألفت انتباهك.. أريد أن تراني في أقصى حالات انطفائي وتحبني.. هذا هو أقصى أمنياتي معك. من غرائب البشر: كيف لقريب أن يكون غريباً؟ وكيف لبعيد أن يكون أقرب من أنفسنا؟ كيف لغائب لا موعد للقائه ولا أمل يذكر أن نحيا على ذكراه كل يوم؟ كيف لإنسان لم نحتضنه منذ وقت طويل أن يذبحنا الشوق إليه ونشعر بحرارته فينا كلما ذُكر اسمه؟ وكيف لهذا القريب جداً أن يكون أبعد من ذلك البعيد؟ من المسؤول عن ترتيبهم داخلنا؟ ومن يغذي تلك المشاعر فينا دام حبل الود قد جف؟”
​أشرأبت موشجان برقبتها لترى.. ما زالت ترتجف لرؤيته وكأنه لم يغب عنها يوماً، وكأنها لم تذبل كل يوم من شوقها له، وكأنها لم تذرف الكثير من الدموع لأجله، وكأنها لم تضع زجاجة عطره داخل منضدتها تستنشقها في اليوم آلاف المرات.. لقد عاشت به، تغرق به وسادتها كل يوم وكل ليلة لتشعر أنها بين يديه.. لم تنسَه ثانية من الزمن.. اللعنة عليكِ وعلى عشقكِ يا موشجان!
​أيهم بوجهه الساهد لم يعد كما كان بحيويته وإقباله على الحياة.. إنطفأ في عينيه نجم أضاء طويلاً، يشعر باليتم كطفل انتزعوه من والديه. يا لذاك التعلق الذي يأسرنا ويأسر دواخلنا! ماذا سيخبره؟ وأي حياة تلك التي تخلو من أسرار؟ الرمل إن لم يوجد بجانب البحر فلن يوجد إلا في صحراء العطش والجوع.. وهذه البشرى التي تعلق بها، أين سيذهب ظله بعدها ومن يتابع؟ سيعيش رجلاً بلا ظل. لم يتوقع وجود موشجان لذلك الوقت المتأخر، مهما حاول تفادي مواجهة لا يتمناها في تلك الأيام التي يحاول تجاوزها بكل ما يحمل من ضعف وألم يحمله من جنبات الماضي.. يكفيه ما هو فيه، يكفيه عمر منسكب وأمل ضائع وقلب ذُبح هناك أمام عينيها بكل ضعف.. إنه العشق في أبهى صوره.
​كل هذا يطفو على سطح وجهه فيثير في نفس موشجان أملاً.. هبت تستقبله وهي تبحث عن شعاع أمل يدفئ قلبها المتجمد ويطمئن روحها الشاردة، بينما هو لم يكلف نفسه حتى النظر إليها!
​الحب من طرف واحد هو المهلكة الحقيقية التي يلقي أحدنا بقلبه إليها.. الموت الحي الذي يختطف الروح والوجدان ويبقينا أجساداً خاوية من أي معنى للحياة. ولكن محكمة العشق حكمت عليه بعشق لم يكن يوماً يظن أو يتخيل حتى لو في الأحلام أنها ستكون له، وأنه سيأسرها كل هذا العشق ضارباً بكل شيء عرض الحائط منذ نالها.. وهو يتحسر من داخله أنه لم يكن أول من نالها، أول من لمسها، أول من عرفته كرجل لها، أول من نادت باسمه.. آه.. آه!
​كل هذا يدور في ذهنه وهو غافل عن موشجان التي تسترجى نظرة منه.. عذراً يا إمرأة، فمهما بلغت بنا العلاقة لا يوجد أفضل من الصدق فيها.. وربما صدقي ومصارحتي ستؤلمانكِ، ولكن موتة صغيرة أو جرح صغير أفضل من الموت كل يوم بالحياة، وأفضل من حياة لن تكون نتاجها سوى جراح وحسرات على عمر ستقضينه مع رجل وهب قلبه وحياته لإمرأة أخرى…
ال23
بتطول ساعات الليل بينا، فبتُغرق بعضنا أحلامه وبعضنا تقيده كوابيسه.. البعض ما بتعرفش عيونه للنوم طعم، بيقضي ليله ساهد لكلٍ على اختلاف أسبابه: البعض حبًا والبعض شوقًا وآخرون خوفًا.. والبعض بيقر عينًا، بينام هنيئاً خالي البال كأن ما فيش شيء في العالم ده يستحق. لكن ساعات الليل على اختلاف ألوانها بتمر، فلا الأحلام ولا الأرق ولا الكوابيس بتبقى.. الليل ينقضي وعتمته ينتهي بيها المطاف حيث تشرق الشمس محملة بأمل في يوم جديد.. أمل تشرق الشمس فتلقيه لنا بذراعين مفتوحتين تخبرنا إن الحياة لم تنتهِ بعد، وإن الأمل يولد مع كل صباح فلا تيأسوا.
​المشهد الثاني
جحظت عينيها وترقرقت بدموع حارقة، أهدابها ترمش بطريقة هستيرية كالحالة اللي انتابتها، بتحاول تنفض عن عينيها الصورة دي اللي أنارت هاتف زوجها، ومزيلة برسالة من إمرأة غريبة على ما يبدو من الإشارات دي اللي أرسلها عقلها ترجمة للي شافته. زوجها اللي سلمت له نفسها منذ سويعات قليلة، وابن عمها في ذات الوقت، على علاقة بإمرأة غيرها! ومش بس كده، بل علاقة حميمة جداً؛ فالإمرأة ما استحتش في إرسال صورة ليهم وهما في الفراش معاً عارية بين أحضانه!
​دارت برأسها في أرجاء الممر الطويل بعجز، عيناها تطرفها دموع المهانة اللي اختبرتها معاه.. مشاعر متضاربة متعاقبة، كل اللي بيحصل لنا بنعيشه تحت شعار.. قدرنا!! كلمته بتردد صداها بدوي هادر في عقلها، لتصب في ثنايا روحها فتطعنها طعنة نجلاء في منتصف صدرها.. قدرهم! قدرهم! نظرت له بتيه وهي ينتشلها من دوامتها.. وصوت والدها بيصدح في الأرجاء: بين الحلم والحقيقة بنعيش على مقصلة الحياة، بنشحذ منها السعادة وراحة البال…
​المشهد الثالث
“ليتني عانقتك كثيراً عناقاً يكفيني لهذه الأيام التي تخلو منك.. لكني معك لم أهتم بخط سير الأمور، ولم أحفل بأن أفعل الصواب، إنما كنت أنا، أنا وحسب.. بكامل عفويتي وعاطفتي، وده اللي أزاح القواعد كلها وتركني أذوب في اللحظة. اذكريني ونحن نصارع الزمن ونتحدى الأقدار، نقاوم بكل ما أوتينا من أسباب.. مستقبل مرعب غامض حتى نتخلص من ماضينا، ولكن ما خُط لنا منذ مولدنا يتحقق بأسوأ الكوابيس فتتمثل أمامنا بأبشع صورة، فلا نملك إلا الاعتراف بأن الأقدار هي من صنع الخالق وحده، ولا نملك السلطة يوماً للنجاة بتحديها..”
​كان قاعداً القرفصاء قدام باب غرفة العناية المركزة اللي توارت بيها “حياة” فور دخوله المستشفى بيحملها بين ذراعيه.. وصرح بكلمات مختصرة حول وضعها لبعض الأطباء اللي اتلفوا حوله، فأمروه بوضعها على الفور فوق سرير طبي متحرك، وأخذوها راكضين إلى الداخل ومعاهم قلبه وعقله.
​رفع ايده اللي ما زال آثار دمائها بتخضبها ووضعها فوق رأسه ربما يمنع الضجيج ده اللي ما بيرحمش وبيخترق عقله.. إنه بيمر بحالة من التوهان وعدم الاتزان حتى إنه ما يعلمش كيف حملها أو مين قام بمرافقته ومساعدته للوصول لهنا.. ضجيج يتعالى بقلق مرعب بيشطره لنصفين، وما بيمنحوش أي ثبات انفعالي لتفكير منطقي لأمر واحد سليم.. ضجيج استطاع يتبين من صخبه رنين هاتفه اللي ما اتوقفش.
​حرر إحدى يديه اللي بتضم رأسه واستل هاتفه ببطء، ودون ما يشوف حتى المتصل اللحوح كان بيفتح الخط.. فآتاه صوت والده:
“أين أنت؟ كنت أحتاجك في أمر هام و…”
قاطعه آدم وهو بيقول بصوت مهتز دل على عذابه:
“أبي.. حياة تعرضت لحادث وأخذوها مني.. أبي، ولا أعرف حتى ما وضعها الآن!”
تبدلت نبرة والده للقلق سريعاً وسأله:
“أي حادث؟! أين أنتم الآن؟”
بتيه وضياع أجابه مختصراً:
“حاولت الانتحار.. أنا.. أنا في مشفى الآن..”
أغلق الخط بعدها مباشرة كأنه ما بيستطيعش يمنح المزيد.. عاد لوضعه السابق وعينيه ما فارقوش الباب قدامه بيستجدي أي خبر عنها إذا تبرع بيه أحد الممرضين.
​تكرار المشهد ده أضحى كالفلم السينمائي بيعيد نفسه مراراً وتكراراً قدام عينيه، وكلمات الطبيب صداها ما بيفرقش أذنيه.. حياته.. حياة قلبه في غيبوبة هربت منه ومن عالمه بعد ما جرحها. أراد إثارة غيرتها ولكن انقلب السحر على الساحر، وفلتت زمام الأمور عن نصابها ليضحى الوضع مأساوياً.. عض على شفته السفلية بندم شديد، وااا أسفاه حيث لا ينفع الندم! عودي يا حبيبتي كي تعود حياتي..
​كم أشتهي أن أرمم هذه الكأس المكسورة بالمستحيل وبإشراقات القلب اليتيمة.. أن أسلك هذا الطريق الصعب بدون أن ألتفت ورائي.. كل التفاتة هي عمر يمضي في الفراغ. كم أشتهي لهذا الشيء الحارق الذي يشتعل في القلب، الذي لا لون ولا طعم ولا دم له، كم أشتريه أن ينطفئ ويتركني أنا وظلي نركض وراء سحب الصيف الماضي الملونة ودفنها في صدري! كم أشتهي أن أقول لكِ: دعينا نلتقي بلا صوت للعائلة والعادات.. كم أشتهي فقط أن تعود بنا ذاكرة الأيام قليلاً لأضع معطفي الأسود حول عنقكِ وأنا آخذكِ في الطريق للمدرسة.. كم أشتهي فقط أن أقول لكِ: أحبكِ يا حياتي بلا خوف، وأمضي دون أن ألتفت ورائي هذه المرة، وما لي بهم وبالعالم أجمع مادمتِ معي…
​المشهد الرابع
“أعرف الوجع الذي تتركه الكلمات التي تقال، وأعرف الأشد وجعاً الذي تتركه الكلمات التي لا تقال.” (نزار قباني)
​كان مرعوباً بيقطع ممر المستشفى مهرولاً بخطوات مهزوزة مما سمعه وذكرى قديمة تنحر قلبه الدامي.. هل كان الشبح المرعب ده اللي جعله يضحي بيها صغيرة وأخرجه عن كل مبادئه ليغش “آدم” بزواجه منها كي يلقي عليه بحملها كأنه حق مكتسب وتعويض عن ما فعله أهله بآياز؟ كان سراباً والقدر الأسود المحتوم اللي خيم على كلٍ من قرتي عينيه بيتحقق دلوقتي ببساطة كده.. هل جميع مخاوفه المؤلمة بتحقق بوتيرة واحدة كأن الدنيا بتتحداه وتحقق أسوأ مخاوفه؟
​تعثر في جلبابه بعد ما هاتفه أدهم وهو خارج من المسجد بعد قضائه فريضة الفجر.. كان بيهرول بخطواته غير المحسوبة فتوقف يبتلع ريقه بأسى موجع نادم، وصفعة قاتلة لم يكن لها حساب أصابته في الصميم. حاول لملمة مشاعره وروحه المبعثرة.. توقف للحظة وهو بيخبره أدهم بما حدث ووضع حياة حالياً، فخرجت نبراته جريحة وهو على شفا انهيار، وابن أخيه بيكمل يشرح الخبر الحزين:
أومأ برأسه وهو بحزن وانكسار في ملامحه:
“لقد اتصلت بي آياز باكية منذ ساعتين لتخبرني أنها لن تستطيع أن تكمل معك أكثر وتريد الانفصال عنك.. لم أناقشها في شيء وانتظرت وصولي إلى المشفى.”
​توقف أدهم للحظات مصدوماً، وانهار على كرسيه زائغ العينين قبل ما يتدارك نفسه ويسيطر على ذاته، وهو بينظر لدي اللي اترمت في حضن والدها وأجهشت في البكاء…
​التفت أدهم وعقله مش مستوعب اللي قاله عمه له! آياز.. تريد الانفصال عنه؟!
​ضيق عينيه اللي كانت بتقذف شرراً، ووقف موضعه لثوانٍ بفكر شارد، ثم توجه صوبها ونزعها من أحضان أبيها، بيحاول سبر أغوارها.. بيجول في أعماق عقله، نابشاً عن خطأ ارتكبه في حقها: هل ندمت إنها سلمت نفسها له وأصبحت زوجته؟ أم إنها ما زالت عاشقة لشقيقه؟ أقسم: سأق*تلها بيدي ولن تكون لغيري، ولن أنفصل عنها إلا بالموت فقط!

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *