نوران 2

لفترة، مفيش حد في مطعم بيلاذر روم اتحرك.

​إيد كريم مسكت في ظهر أقرب كرسي، ضمت عليه زي راجل بيمسك في حاجة عشان ما يقعدش بقوة.

​«تلات سنين،» كررها.

​«أيوه يا فندم.»

​«دورت عليها،» صوته كان واطي وفيه خشونة في أطرافه. «لسنين، خليت ناس يدوروا. ست اسمها ماجي، كانت بتشتغل في مطبخ خيري في شارع ريفينجتون سنة 1979. مكنش فيه اسم أخير في أي سجل. ولا عنوان تاني. هي ببساطة—»

​«اختفت،» كملت أنا.

​«أيوه.»

​«هي ما اختفتش،» قلت. «اتتجوزت. بركات كان اسم جدي.»

​وليد قرب خطوة، وبقى يبصلي بحاجة قريبة من عدم التصديق.

​«هي عمرها ما حكت لأي حد إيه اللي حصل في الملجأ ده،» قلت. «ولا حتى ليّا. أنا كبرت بتعلم العربي منها — لهجات، جمل، تعبيرات، أكتر ما أي حد من أصحابي كان بيقدر ينطقها — وعمري ما سألتها ليه كانت عارفة كتير كده. كنت فاكراها مجرد حاجة بتحبها.»

​«دي ما كانتش حاجة بتحبها،» كريم قال بهدوء. «دي كانت حاجة عاشت وهي بتقدمها.»

​ليلا أخيرًا خطت خطوة قدام، وحطت إيدها على دراع جوزها. مش عشان توقفه. عشان تثبته.

​«يا كريم،» قالت بلطف. «اقعد.»

​مقعدش.

​«سبعين مليون دولار،» قالها وكأنه بيكمن نفسه. «كنت مستعد أضيع سبعين مليون دولار الليلة دي بدل ما أسيب المبنى ده يتدمر. وحفيدة الست اللي انقذت حياتي واقفة قدامي بلبس موحد، بتخدم مقبلات لناس ما تعرفش حتى اسمها.»

​وش تامر مر بتلات درجات مختلفة من اللون الأبيض.

​«مستر رحال،» حاول تاني، «لو كنت أعرف—»

​«هي دي المشكلة بالأساس.» كريم لف عليه ببرود خلى حتى أحمد الوجيه ينكمش. «إنت ما كنتش محتاج تعرف هي تقرب لمين. إنت كنت محتاج تعاملها كبني آدم بغض النظر عن أي حاجة.»

​«طبعا. أكيد.»

​«إنت قلت عليها مش مؤهلة،» صوت كريم فضل هادي، وده خلى الموضوع أسوأ. «قدام العاملين بتوعك. بسبب غلطة في المطبخ ما كانتش غلطتها.»

​عيني تامر نطت ناحيتي، مرعوبة، بتدور على حليف مش موجود.

​«يمكن كنت… قاسي شوية.»

​«إنت كنت قاسي وبس،» كريم قال. «وكنت هتخسر صاحب الشغل بتاعك سبعين مليون دولار عشان كدة.»

​أحمد دخل بسرعة، وحاسس باتجاه الهوا رايح فين.

​«يا تامر، يمكن أحسن إنك تبعد عن الصالة لبقية الليلة.»

​«يا أحمد، باحترام، أنا كنت بس بحافظ على المعايير—»

​«ابعد،» أحمد قال، بصوت حاد دلوقتي، «ولا برّه خالص.»

​تامر بص لي نظرة أخيرة. مكنش فيه اعتذار فيها. بس كان فيه الغضب الخاص براجل بيشوف عالمه بينهار قدام عينه.

​مشى ناحية الورا، كتافه ناشفة، وما بصش ورا تاني.

​كان المفروض أحس إني منتصرة.

​بس غالباً، كنت حاسة إني واقفة على حرف حاجة أكبر بكتير من ليلة سيئة في الشغل.

​كريم شاور ناحية الترابيزة اللي شلته مجموعته من دقايق.

​«من فضلك. اقعدي معانا.»

​«يا فندم، أنا لسه في الشغل—»

​«مش الليلة دي،» أحمد قال بسرعة، وهو بيسحب كرسي بنفسه، كأن قعدتي شخصياً ممكن تصلح شوية من اللي اتكسر. «من فضلك يا آنسة بركات. أيا كان اللي تحتاجيه.»

​بصيت لكريم.

​«أنا ما أعرفش أي حاجة تاني،» اعترفت. «هي ولا مرة اتكلمت عن الملجأ. ولا مرة في ست وعشرين سنة.»

​«يبقي هنفتكر سوا،» قال. «لو تسمحيلي.»

​قعدت.

​حسيت بإحساس غريب وأنا بنزل نفسي في الكرسي اللي عادةً ما كنتش ببحره غير لناس تانيين. قدامي، ليلا كانت بتدرس وشي بفضول واضح، زي ما بتدرس صورة بتشبه حد كنت بتحبه.

​«عندك عيونها،» قالت بهدوء. «كريم وصفهالي مرة من سنين. كنت دايماً فاكراه بيبالغ.»

​«ما كانش بيبالغ،» وليد قال، وصوته مشدود بحاجة مش مفهومة.

​التفت له.

​«إنت كمان كنت تعرفها؟»

​وليد تردد. وبص لكقريم، كأنه بيستأذن لفتح باب ما فتحهوش من عقود.

​كريم هز رأسه مرة واحدة.

​«كنت هناك،» وليد قال. «في الحارة. أنا كنت ابن عم كريم — أكبر منه بتلات سنين. أنا اللي لقيته الأول، بينزف، وجريت أجيب مساعدة لأني ما كنتش عارف أعمل إيه تاني.»

​«إنت عمرك ما حكيت لي الحتة دي،» كريم قال بهدوء.

​«إنت كنت فاقد الوعي نص الوقت ده. فيه حاجات كتير مش فاكرها.»

​الجرسونة اللي جوايا — الجزء اللي اتدرب يقرا التوتر على أي ترابيزة — لاحظت حاجة في الطريقة اللي وليد قال بيها الكلمة دي. مش مجرد حنين للماضي. حاجة أقرب للذنب، متحوطة بحرص شديد.

​«إيه تاني مش فاكره؟» كريم سأل.

​فك وليد اتشد.

​«مش الليلة دي،» قال. «سيبيها تاخد ليلتها دي من غير حمل زيادة عليها.»

​كريم درس صاحبه القديم لفترة طويلة، وواضح إنه سجل الكلام ده لعدين. وبعدين لف ليا تاني، وبدا يلين.

​«احكي لي عنها،» قال. «مارجريت. بقت إنسانة عاملة إزاي؟»

​فتكرت تيتا وهي قاعدة على ترابيزة المطبخ، بتصلح نطقي بصبر واحد اتعلم من زمان إن الناس تستاهل تتسمع بعناية.

​«كانت عنيدة،» قلت. «ودمها خفيف. اشتغلت شغلتين معظم حياتها وما اشتكتش مرة واحدة من أي واحدة فيهم. علمتني سبع لهجات عربي قبل ما أتم الستاشر سنة ومن غير ما تشرح أبداً ليه كان مهم قوي بالنسبة لها إني أتعلمهم صح.»

​كريم قفل عينه لفترة قصيرة.

​«كانت بتعلمك تشيلي حاجة،» قال. «حتى لو ما قالتكيش هي إيه.»

​«أشيل إيه؟»

​«القدرة على إنك تتسمعي،» قال. «لما ما يكونش عندك أي حاجة — لا فلوس، لا ورق، ولا أهل في بلد غريبة — الحاجة الوحيدة اللي بتنقذك هي حد مستعد يفهم كلامك. هي ادتني ده. وشكلي كده ادتهولك إنتي كمان، من غير ما تحسي بقيمته حتى.»

​صدري انقبض بطريقة ما كنتش عارفة أعبر عنها.

​«يا فندم،» قلت بحذر، «ليه ملجأ السلام مهم قوي كدة لدرجة إنك تخسر سبعين مليون دولار عشانه؟»

​ملامح كريم اغمقت.

​«علشان من تلات أسابيع،» قال، «عرفت إن شركة أحمد ناويين يهدوا مش بس المبنى — لكن اللوحة اللي على المدخل. اللي مكتوب فيها أسماء كل الناس اللي نزلوا هناك بين 1975 و1990.»

​حسيت بحاجة بارعة بتنزل على ضهري.

​«ليه ده مهم؟»

​كريم بصلي بتركيز خلى المطعم كله يبان كأنه بيبعد عنا.

​«علشان اسم جدتك مكتوب عليها،» قال. «مارجريت بركات. موظفة، من 1977 لـ 1981. شفته بنفسي، من تلاتين سنة، لما رجعت أدور عليها وما لقيتش غير اسمها محفور على الحيطة.»

​نفسي اتقطع بين ضلوعي.

​«تقصد تقول لي،» قلت ببطء، «إن الصفقة اللي كادت تدمر سبعين مليون دولار عشانها — هي نفس المبنى اللي اسم جدتي مكتوب عليه على حيطة إنت كنت بتحاول تحميها من تلاتين سنة؟»

​«أيوه.»

​«وأحمد ما كانش عارف ده؟»

​«أحمد،» كريم قال وهو بيبص ناحية الراجل اللي سكت خالص في آخر الترابيزة، «كان عارف كويس قوي إيه اللي في المدخل. أنا اتأكدت من ده بنفسي لما راجعت العرض.»

​تماسك أحمد انكسر أخيراً.

​«يا كريم، اللوحة دي — دي مجرد جبس قديم، ملهاش قيمة حقيقية—»

​«قول كلمة ‘قيمة’ دي تاني،» كريم قال بهدوء، «وأنا بوعدك هتندم.»

​أحمد قفل بوقه.

​قعدت هناك، محاطة بنوع الثروة والخطورة اللي كنت بقرا عنها بس، وماسكة قلادة عمري ما فهمت معناها، وأنا مدركة إن ليالي جدتي الهادية في المطبخ الخيري قدرت بطريقة ما توصل عبر أربع عقود للترابيزة دي بالذات.

​بس حتى والقطع بترسى في مكانها، في حاجة ما كانتش راكبة.

​لو كريم كان عارف عن اللوحة من تلاتين سنة — لو كان حاميها، ومدافع عنها، وباني علاقته كلها بمبنى ملجأ السلام حوالين اسم جدتي على الحيطة دي—

​ليه فريق أحمد كمل في مقترح الهدد أصلاً، وهو عارف إن كريم هيشوفه؟

​إلا لو كان حد جوة الصفقة عايز يخليه يمشي وهو غضبان لدرجة إنه ما يبصش بتركيز أكتر.

​بصيت لأحمد. وبعدين للكرسي الفاضي اللي كان تامر واقف جنبه من دقايق.

​في حاجة الليلة دي كانت مترتبة.

​وأنا لسه باقي لي أبقى الشخص الوحيد اللي مفيش حد توقع إنه ينجو منها.

​ما قلتش ده بصوت عالي. مش دلوقتي.

​بس الفكرة فضلت قاعدة في صدري زي حجر مرمي في مية ساكنة، وبتعمل دوائر طالعة في كل اتجاه.

​«مستر أحمد،» كريم قال، وصوته هادي بشكل مخادع، «مشيني خطوة بخطوة في الجدول الزمني للعرض ده. من البداية.»

​ابتسامة أحمد اترسمت بصعوبة على جنبات بوقه. «يا كريم، بجد، الليلة مش وقت لـ—»

​«الليلة هي الوقت بالظبط.» كريم ما عليش صوته. عمره ما احتاج يعمل كدة. «كان معاك تلاتين يوم عشان تعمل لي إحاطة بعملية الاستحواذ دي. ليه بند اللوحة ما ظهرش غير في النسخة النهائية، اللي اتسلمت قبل العشاء بأربع ساعات؟»

​المطعم هدي خالص تاني. حتى صوت المطعم البعيد — خبط الكاسات البعيدة، اعتذار الجرسون الهادي على ترابيزة بعيدة — كأنه اختفى.

​عينين أحمد اتحركت بسرعة، بتدور على مخرج مش موجود.

​«كان فيه… تعديلات داخلية،» قال. «الشؤون القانونية كانت عايزة صياغة الكلام تتشد قبل التوقيع.»

​«تتشد،» كريم كررها. «ولا تتدارى؟»

​«أنا مش شايف الفرق اللي بتقصده.»

​«الفرق،» كريم قال، هو إن فيه حد في فريقك كان عارف بالظبط اللوحة دي بتعني لي إيه، وقرر إن أسهل طريقة عشان يتهدم المبنى هي التأكد إني ما أبصش بتركيز يكفي عشان أعترض.»

​صوت جديد دخل النقاش — أوطي، متردد، شايل التوتر المعين لواحد ما كانش مخطط يتكلم أصلاً.

​«أنا أقدر أقولكم مين عدلها.»

​كل الرؤوس لفت.

​پريا أناند كانت واقفة جنب مدخل المطبخ، الصينية لسه متوازنة على جنبها، ولبسها الموحد مايل شوية من الشفت المزدوج. كانت رابع أسبوع ليها، حادة النظر، النوع من الجرسونات اللي بلاحظ كل حاجة وما بتقولش تقريباً أي حاجة — وده اللي خلي رغبتها المفاجئة في الكلام تقطع أعمق بكتير.

​«پريا،» قلت باستغراب. «مش لازم—»

​«لازم، في الواقع.» حطت الصينية على أقرب محطة للجرسونات، وإيديها كانت بتترعش شوية، مع إن صوتها ما كانش بيترعش. «اتطلب مني أعمل نسخ للعقد النهائي بعد ظهر اليوم ده. تامر قال لي أشيل الصفحة رقم أربعطاشر قبل ما أبعتها للطباعة عشان حزمة العشاء.»

​فك أحمد اتشد. «دي لوجستيات ضيافة، مش مؤامرة.»

​«الصفحة رقم أربعطاشر كانت بند حماية اللوحة،» پريا قالت. «البند اللي كان هيطلب إشعار كتابي لأي موظف باقي من عمال الملجأ قبل الهدد.»

​الصمت اللي جه بعد كدة كان ليه وزن حقيقي.

​كريم لفت ببطء ناحية أحمد.

​«إنت شلت البند الوحيد،» قال، «اللي كان هيطلب من حد إنه يبلغني قبل ما المبنى ده يختفي.»

​«كنت بحافظ على الجدول الزمني،» أحمد قال، بسرعة أكتر من اللازم. «مش أكتر. الملجأ قفل سنة 1990. مفيش موظفين على كشف المرتبات من خمسة وثلاثين سنة. كنت متوقع أبلغ مين بالظبط؟»

​«هي،» كريم قال، وشاور ناحيتي من غير ما يشيل عينه من على أحمد. «في النهاية. كان فيه حد هيلاقي حفيدة مارجريت بركات، وإنت كنت عارف ده. إنت ما كنتش عايز حد ليه صلة شخصية يبطئ تاريخ الإغلاق بتاعك.»

​تماسك أحمد اتهد للآخر أخيراً.

​«الصفقة دي شغالة بقالها أربع عشر شهر،» قال بعصبية. «أنا مش هأسيب حيطة جبس وجرسونة يبوظوها عشان شوية مشاعر.»

​كلمة «جرسونة» نزلت في القاعة زي كاس اتكسر.

​كريم ما اتهزش. بص لأحمد بالطريقة اللي بتبص بيها لحاجة خلصت تقييمها أخيراً.

​«تامر،» كريم قال، وعلي صوته شوية عشان يوصل لآخر المطعم، حيث كان تامر واقف قريب من أبواب المطبخ، متظاهر إنه مش سامع. «تعال هنا.»

​تامر قرب ببطء، واللون بطلع في رقبته.

​«إنت قلت لپريا تشيل البند ده،» كريم قال. ما كانتش سؤال.

​«كنت بنفذ تعليمات الإدارة،» تامر قال، وعينيه نطت لأحمد.

​«تعليمات مين؟»

​تامر تردد.

​«تعليماتي،» أحمد قال ببرود، قبل ما تامر يقرر إذا كان الولاء لسه يستاهل السعر ده. «أنا قلت له يبسط الحزمة. ما سالش ليه. دي حدود مشاركته.»

​كانت، زي ما اكتشفت، أول حاجة صادقة قالها أحمد طول الليلة — وطلعت على حساب تامر، مش حسابه هو.

​وش تامر عدى عليه حاجة معقدة. راحة، يمكن، إنه ما كانش المهندس بتاع الخدعة. وبعدين حاجة أقرب للإهانة، لما فهم تماماً قد إيه كان قطعة صغيرة في لعبة أكبر بكتير.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *