الشغالة
راح ل الشغالة الجديدة بيتها عشان يطردها.. بس اللي شافه على تربيزة مطبخها هد الإمبراطورية اللي كان فاكر إنها متتهدش!
“ياسين غانم” بنى حياته زي ناطحة سحاب من الكريستال؛ بتلمع، دقيقة، ومستحيل تنكسر. وهو عنده 42 سنة، كان واقف على قمة واحدة من أكبر شركات التطوير العقاري في البلد. صباحه بيبدأ بمنظر البحر، وفنجان قهوة معمول بالمسطرة، وكرافتة براند تمنها أغلى من إيجار شقة أي حد لمدة شهر. اسمه لوحده نفوذ، والأبواب بتتفتح قدامه من قبل ما يوصل لها، وأي مشكلة بتتحل بمجرد ما يديها اهتمامه.
عشان كدة، لما واحدة من عاملات النظافة غابت، اعتبر ده “إهانة شخصية” ليه.
“نادية” كانت مسؤولة عن تنضيف الدور التنفيذي بقالها 3 سنين. كانت هادية، دقيقة، وكأنها خيال.. وده بالظبط اللي المديرين بيحبوه في الموظفين اللي تحت إيديهم. عمرها ما غابت ولا يوم.. لحد دلوقتي.
يوم الغياب بقى اتنين.. وبعدين تلاتة.
كل مرة، قسم الموارد البشرية (HR) يديله نفس الرد: “ظروف عائلية طارئة”.
ياسين كان بيرفض الكلام ده فوراً. في عالمه، “الظروف الطارئة” بتتحل بالفلوس والنفوذ، مش بالأعذار. بالنسبة له، الغياب معناه “قلة احترام”، ومعاييره مفيهاش استثناءات.
لما السكرتيرة حاولت تفكره بسجل نادية اللي ملوش غلطة، تجاهلها تماماً، وملامح وشه اتحولت للنظرة الباردة اللي بيطلعها لما حد يخيب ظنه وقرر:
“ابعتيلي عنوانها حالاً.”
في ثواني العنوان بقى على موبايله: 847 شارع “عزبة الصعايدة”.
كان متأكد
إنه هيلاقي بيت بسيط، ومجموعة من الأعذار والدراما اللي ملهاش لازمة. أقنع نفسه إن الزيارة دي عشان يفرض “الانضباط” مش أكتر. ومع ذلك، كان فيه انقباضة بسيطة في صدره قرر إنه يتجاهلها.
عربيته الـ “مرسيدس” السوداء انتقلت من وسط ناطحات السحاب للشوارع المكسرة بسهولة. المنطقة اتغيرت بسرعة؛ الشوارع بقت أضيق، والحيطان شكلها قديم ومقشر، والعيال بيجروا حافيين على الرصيف. الجيران كانوا بيبصوا لعربيته الفخمة وكأنها دخلت مكان غلط.. وهي فعلاً كانت غلط.
لما وقف قدام بيت أزرق متهالك، النرفزة بدأت تسيطر عليه. هو ده المكان اللي فاكر إنه يقدر يضيع وقته؟
خبط على الباب بكل قوة وحزم.
وبعد لحظة طويلة، الباب اتفتح ببطء شديد…
فتحت الباب طفلة صغيرة، عندها حوالي 7 سنين، عينيها واسعة ومليانة حزن أكبر من سنها. بصت لـ “ياسين” وبدلتها الغالية بمنتهى البراءة وسألته بصوت واطي: “حضرتك الدكتور اللي ماما مستنياه؟”
ياسين اتلجم، النرفزة اللي كانت جواه اتبخرت وحل مكانها ارتباك غريب. “لا يا شاطرة، أنا.. أنا ياسين، مدير نادية في الشغل. هي فين؟”
الطفلة شاورت لجوه البيت ببرود: “ماما في المطبخ، مش قادرة تقوم.”
دخل ياسين البيت، والريحة كانت مزيج من المطهرات القوية وريحة “عرق” وتعب. البيت كان نضيف جداً رغم فقره، وكأن نادية حتى وهي بتموت، مابطلتش تمارس مهنتها في بيتها. وصل للمطبخ، وهناك وقف مكانه وكأن صاعقة ضربته.
نادية كانت قاعدة على كرسي خشب قديم، سانده راسها على التربيزة، وإيدها بتترعش وهي بتحاول ترتب مجموعة أوراق وصور قديمة.
### اللحظة اللي “هدمت” الإمبراطورية
ياسين مكنش باصص لنادية، عينه كانت مسمرة على “تربيزة المطبخ”.
على التربيزة، كان فيه صورة قديمة، باهتة، محطوطة في برواز مكسور. الصورة كانت لراجل شاب ببدلة عسكرية، واقف جنب ست شابة شايلة طفل رضيع.. والراجل ده كان “أبو ياسين” اللي مات في الحرب وهو لسه طفل.
وبجانب الصورة، كانت فيه “وثيقة ملكية” أصلية، مختومة بختم قديم جداً، بتقول إن الأرض اللي مبني عليها “برج غانم” – المقر الرئيسي لإمبراطورية ياسين العقارية – هي في الأصل ملك لعيلة “نادية”، وإن جده انتزع الأرض دي منهم بـ “عقود مزورة” وتهديد بالسجن من 40 سنة!
نادية رفعت راسها ببطء، وشفايها كانت زرقاء من التعب، وقالت بصوت مبحوح:
“كنت عارفة إنك هتيجي يا ياسين بيه.. الدم بيحن، حتى لو كان دم (ظالم).”
### المواجهة المرعبة
ياسين مسك الوثيقة وإيده بتترعش: “إيه ده؟ الورق ده جه منين؟ وأنتي مين بالظبط؟”
نادية ابتسمت بمرارة: **”أنا نادية (غانم).. بنت عمك اللي أبوك وجدك أنكروا وجودها عشان يورثوا الأرض لوحدهم. أنا اللي كنت بمسح مكاتبكم تلات سنين عشان أقدر أصرف على علاج بنتي، وكنت بشوف صوري وصور أبويا في عيونك كل يوم وأنت م بتشوفنيش.. كنت بشوف إمبراطوريتي اللي بتكبر من عرق أهلي وأنا بقبض منك ملاليم.”**
ياسين انهار على الكرسي اللي قدامها: “يعني.. يعني كل اللي بنيته ده.. مسروق؟”
نادية بصت له بقوة: **”أنا م غبتش عشان أتدلع يا ياسين.. أنا غبت عشان المحامي قالي إن الأوراق دي خلاص بقت قانونية، وإني أقدر أهد لك البرج ده بكلمة واحدة في المحكمة. بس أنا كنت مستنية أشوف.. هل هتيجي تسأل على (الشغالة) اللي خدمت بضمير؟ ولا هتيجي تكسرها وتطردها؟”**
### قرار “ياسين”
في اللحظة دي، ياسين شاف صورته في مراية المطبخ القديمة.. شاف راجل ناجح من بره، وحرامي من جوه. بص للطفلة الصغيرة اللي هي في الأصل “بنت عمه”، وبص لنادية اللي بتموت من السرطان وهي بتكافح عشان تعيش.
قال بصوت مهزوز: **”أنا مش هسيبك تموتي يا نادية.. والبرج ده، والشركة دي، من اللحظة دي هي (مجموعة غانم للورثة الشرعيين). أنا مش هصلح اللي فات، بس مش هسمح للظلم يكمل يوم واحد كمان.”**
### النهاية
ياسين م طردش نادية، هو نقلها لأكبر مستشفى في البلد، ونقل بنتها لأحسن مدرسة. وبدأت سلسلة تحقيقات هو اللي فتحها بنفسه عشان يرجع الحقوق لأصحابها، حتى لو ده معناه إن إمبراطوريته “تتهد” قانوناً عشان تتبني من جديد على “حق وأصل”.
نادية عاشت شهورها الأخيرة وهي شايفة بنتها بتكبر في عزها الحقيقي، وياسين عرف إن “الانضباط” الحقيقي مش في مواعيد الشغل، الانضباط في إنك تكون إنسان نضيف من جوه قبل ما تلبس بدلة غالية من بره.
**العبرة:** م تستهونش بحد بيمسح وراك، فربما يكون هو صاحب المكان الحقيقي اللي إنت بتتعالى فيه.. والفلوس اللي بتتبني على “ظلم” هي قصور من رمال، بتهدها الحقيقة في لحظة.
**تفتكروا ياسين كان ممكن يخبي الورق ده ويحرق الحقيقة؟** 🦋🦋✨