كريم

“وصلت متأخرة على العشاء… فسمعت خطيبي يقول: مش عايز أتجوزها!”

وصلت متأخرة على العشاء، وكنت لسه بخلع المعطف، والموبايل في إيدي، ودماغي مشغولة بمكالمة شغل خلصتها حالًا… لما سمعت صوته من ورا البارافان الخشب اللي بيفصل مدخل القاعة الخاصة:

“أنا مش ناوي أتجوزها.”

اتجمدت مكاني.

الصوت كان صوت كريم… خطيبي.

العشا كان في مطعم فخم في القاهرة الجديدة، المكان اللي كريم بيحبه عشان كل حاجة فيه بتصرخ “نجاح”: إضاءة هادية، كاسات غالية، خدمة راقية، والناس بتتكلم بصوت واطي كأنهم مستنيين حد يسمعهم.

برا كان الجو برد خفيف من برد نوفمبر الغريب في القاهرة… وجوا ريحة أكل فاخر وعطور تقيلة.

كنت ماشية ناحيتهم… لما سمعته تاني:

“بصراحة، بقيت بشفق عليها. مرهقة جدًا… طول الوقت شغل، دايمًا متأخرة… حتى مش عارفة تبقى ست طبيعية. مين يستحمل واحدة كده؟”

الضحك كان أقسى من كلامه.

عرفت صوت أحمد صاحبه، وياسمين بنت خالته… اللي دايمًا تضحك في وشي وتبصلي من فوق لتحت بنظرة تقيم.

لكن اللي كسرني بجد… كان صوت والدته، مدام نادية، وهي بتقول وهي بتضحك:

“أنا قلتلك يا ابني… البنت دي مش تنفع تبني بيت.”

ماقدرتش أخد خطوة واحدة.

أنا عندي 34 سنة… وقضيت أكتر من عشر سنين بشتغل في إنقاذ الشركات اللي على وشك الإفلاس. شغلي إني أدخل في أماكن كلها على حافة الانهيار… وأعرف إيه اللي لسه شايل السقف قبل ما يقع.

وفي اللحظة دي… وأنا واقفة ورا البارافان… فهمت حاجة وجعتني أكتر من أي إهانة:

أنا مش باردة… ولا سخيفة…

بس بقيت غير مرئية بالنسبة للرجل اللي كنت ناوية أتجوزه.

أخدت نفس عميق… حطيت الموبايل في الشنطة… ولفّيت.

أول واحدة شافتني كانت ياسمين… الضحكة اختفت من على وشها فورًا.

وبعدين كريم بصلي… وفي أقل من ثانيتين شفت في عينيه الخضة، والذنب… وبعدين القناع المعتاد بتاعه… قناع الراجل اللبق اللي بيعرف يهرب من أي موقف.

ما اديتوش فرصة يتكلم.

قلعت الدبلة بهدوء.

كانت كبيرة زيادة عن اللزوم… من النوع اللي بيتجاب عشان الناس تسأل بكام، مش عشان معناه.

حطيتها على الترابيزة… جنب كوباية الويسكي بتاعته.

الصوت كان خفيف… بس في الصمت ده، حسيت كأنه انفجار.

بصيت له في عينه وقلت بهدوء:

“تمام… مش لازم تتجوزني.”

ولثانية… شفت في وشه حاجة عمري ما كنت أتوقعها:

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *