من تلت ايام
من تلات أيام بعد ما ولدت، كنت راجعة البيت ومستنية ألاقي أوضة ضلمة، وملايات نظيفة، وهدوء.
بدال كل ده، لقيت باب الشقة المصفح مفتوح على آخره، المزيكا مفرقعة في البيت وتهز الشبابيك، ونسايب جوزي وشهواتهم بياكلوا وبيشربوا ومستعدين يباتوا عندنا.
حمايا ابتسم لي بكل بؤرة عين وبجاحة كأنه عامل فيا جميل وقال لي: «أنتِ محتاجة عزوة وعيلة يا بنتي، مش قواعد ونظام!»
من كتر التعب والإرهاق، بقيت أشك في نفسي وبدأت أسأل هو أنا اللي مأفورة ومغلوطة ولا إيه؟ لحد ما مشيت ناحية الأوضة اللي كنت مجهزاها عشان أرتاح فيها.
أول حاجة سمعتها لما كريم فتح باب الشقة كانت كاريوكي.
مش تلفزيون شغّال عادي.
ولا ناس بتتكلم بالراحة في المطبخ.
كاريوكي عالي وبيجعّر!
صوت راجل كان بيبوظ أغنية «أماكن السهر» في حتة من البيت، وفي نفس الوقت حوالي عشرين واحد بيصرخوا ويدندنوا معاه في المذهب.
وقفت في الترسيحة بره الباب.
بنتنا “فريدة” كانت نايمة على صدري في الشالة بتاعتها.
عمرها كان تلات أيام بس في الدنيا.
كانوا لسه مخرجيني من مستشفى دار الفؤاد من أربعين دقيقة بعد قيصرية من غير ترتيب ولا تجهيز.
كل خطوة كنت بخطوها كانت غرز العملية بتشد عليا وتوجعني.
من يوم الثلاثاء ما نمتش، تقريباً، غير أربع ساعات على بعض.
وكان فيه يجي حدعشر عربية مركونين تحت العمارة وفي الشارع.
بصيت لجوزي.
«كريم!»
وشه كان اتغير خلاص.
دي أول حاجة لاحظتها.
مش صدمة ولا اندهاش.
ده كان رعب وذعر.
«بس… سيبيني أشرح لك بس والله!»
بصيت له بثبات وجمود.
باب الشقة كان مفتوح ومسنود بـ قصرية زرع من القشطة بتوعي الحلوين.
بلالين حمرا وفضي طايرة في الطرقة وفي المدخل.
وطاولة سفره بيت كبييييرة ومفرودة متغطية بصواني أكل وحلويات سادة نص الصالة.
وحد كان معلق يافطة كبيرة فوق الشاشة في الريسبشن.
!نوّرتي بيتك يا صغننونة يا فريدة!
حمايا ظهر فجأة من ناحية المطبخ وهو ماسك في إيده كوباية بلاستيك حمرا.
«أهو.. العروسة وصلت!»
حاج جابر كان عنده ستين سنة، كتافه عريضة، وصوته يرن في المكان، وبيبقى في قمة انبساطه لما يلّم القرايب والعيلة في أوضة واحدة بحيث محدش يعرف يكمل جملة على بعضها من كتر الزيطة.
فتح دراعاته الاثنين.
«أم البطل وصلت يا جدعان!»
كام واحد من الموجودين التفتوا.
وفجأة الكل بدأ يسقف بحرارة.
اتخضيت بجد وجسمي اترعش.
فريدة اتحركت وتململت.
«عشان خاطر ربنا»، قلتها بصوت مكسور.
صوتي طلع ضعيف ومخنوق: «عشان خاطر ربنا بلاش…»
حاج جابر ضحك بصوت عالي: «فكّي كده يا بنتي! البت هتاخد على الدوشة وتنام في أي هيصة لو عودتيها من صغرها!»
حماتي، الحجة زينب، جرت عليا بسرعة: «يا حبيبتي! هاتوا أشوفها!»
مدت إيدها ناحية الشالة.
مسكت الإيدين بتاعة الشالة جامد وقربتها مني.
«مش وقتها خالص دلوقتي يا طنط».
الحجة زينب وقفت.
تعبيرات وشها اتغيرت في نص ثانية.
بعدين ابتسمت باصطناع: «ماشي يا ستي براحتك».
بدال ما تاخدها، وِطت وقربت وشها منها أوي.
قريبة زيادة عن اللزوم.
رجعت خطوة لورا.
«معلش، ميكروبات المستشفى وكده. عاوزة بس أدخلها وأستقر جوه الأول».
حاج جابر شاور بإيده بفوقية: «كله غاسل إيده وزي الفل!»
بصيت حواليا في الصالة.
اتنين من ولاد العم واقفين جنب ترابيزة المشروبات.
ابن أخت حد فيهم مراهق طالع على السلم وشايل طبق مليان أجنحة فراخ وبطاطس.
وتلات أطفال نازلين جري وتنطيط في الطرقة.
وكان فيه سماعة كاريوكي كبيرة محطوطة جنب التلفزيون.
وبيابان التراس والمصيف مفتوحة على الآخر رغم إننا كنا في مارس والجو بره كان هوا وتلج وساقعة تقرس.
«مين كل الناس دي؟»
كريم رد بصوت واطي ومكسوف: «بابا عزَم شوية قرايب كده…»
«شوية؟!»
حاج جابر ضحك: «ما تعديش يا بنتي! العد بيقطع البركة واللمة تحلى!»
بصيت لـ كريم تاني: «فيه كام واحد هنا يا كريم؟»
هرش في قفاه وهو متوتر: «يعني… ممكن يكونوا اتنين وعشرين واحد كده».
حسيت إني سمعت غلط: «اتنين وعشرين؟!»
«مش كلهم هيباتوا يعني…»
بطني اتعصرت من المغص والزهق: «هيباتوا؟!»
كريم غمض عينيه لحظة.
وحاج جابر رد بداله بكل أريحية: «جماعة قرايبنا بتوع التل الكبير والشرقية جم عشان…»
كملت جملة حاج جابر ببرود يفرس: «جم من الصبح بدري ومسافة سكة، أصلهم مش كل يوم في القاهرة يعني، وهيناموا هنا النهاردة والصبايا في أوضة الأطفال!»
دماغي كانت بتلف. «يناموا فين؟! الشقة أوضتين وصالة يا عمي!»
حاج جابر شاور بإيده وهو بيضحك: «البيت بيتهم يا بنتي، الملايات المفروشة تقضي والأنتريه يشيل، والرجالة هيناموا في الصالة، إحنا عيلة واحدة وما بينناش ألقاب ولا رسميات!»
بصيت لـ كريم ودموعي خلاص معلقة في عيني، مستنية منه كلمة، موقف، أي تصرف يقول فيه «فاصل».
كريم بص للأرض وزغدني في كتفي بشويش وقال بصوت واطي يادوب سامعاه: «معلش يا هبة… عدّي اليوم ده على خير عشان خاطر بابا وماتعمليش مشكلة قدامهم، بكرة الصبح بدري هخليهم يمشوا كلهم والله».
«بكرة الصبح؟!» صوتي طلع منهار. «أنا لسه طالعة من أوضة العمليات يا كريم! جرح القيصرية بيموتني!»
قبل ما كريم يرد، حماتي الحجة زينب كانت قربت وسمعت كلمتي، حطت إيدها في وسطها وقالت بنبرة لائمة: «جرى إيه يا هبة؟ ما كلنا ولدنا قيصرية وطبيعي وقومنا وقفنا على حيلنا وشيلنا بيوت! أنتِ بتبالغي ليه كده؟ وبعدين القرايب جايين يباركوا ويفرخوا بالبت، بدل ما تشكريهم طالعة بوش غاضب؟»
حسيت إن الأكسجين بيتسحب من الصالة. الصوت كان عالي، أغنية «أماكن السهر» خلصت وبدأت أغنية شعبية تانية، والعيال الصغيرة كانت بتتنطط على الكنبة الجديدة برجليهم.
ما ردتش على حد. مشيت بخطوات بطيئة وتقيلة، كل خطوة بسك..ينة بتترشق في بطني، لغاية ما وصلت لأوضة نومي اللي كنت مجهزاها عشان أتحصن فيها أنا وفريدة.
مسكت أكرة الباب وفتحته…
ولقيت المصيبة الكبرى جوه الأوضة.
لقيت الملايات النظيفة اللي كنت مجهزاها بيدي ومظبطاها عشان أرجع ألاقيها معطرة ومريحة… مفروشة على الأرض ومتحولة لمراتب مؤقتة، وشنط هدم وقماش وملايات تانية غريبة مرمية في كل حتة على سريري.
وعلى السرير نفسه؟ اتنين من قرايبهم نايمين بدمهم وبدوم السفر ومتغطيين بالبطانية بتاعتي!
وقفت مكان في بؤرة الذهول، الدم جمد في عروقي. ما ينفعش.. ده مش مجرد عدم احترام، دي قلة ذوق وإهانة كاملة لأبسط حقوقي كواحدة لسه طالعة من غرفة العمليات!
كريم جرى ورايا وشاف منظر الأوضة، وشه جاب ألوان وحس بالكسوف.
«إيه ده؟! مين اللي دخل هنا وساب الأوضة كده؟!» كريم صرخ بصوت مكسور ومحرج.
واحدة من قرايبهم قامت وقعدت على السرير وهي بتمسح عينيها ببجاحة: «جرى إيه يا كريم؟ عمك جابر قالنا أدخلوا ارتاحوا في الأوضة جوه عقبال ما العشاء يجهز! هو إحنا أغراب ولا إيه؟»
في اللحظة دي، فيه حاجة جوايا اتكسرت، والوجع والضعف تحولوا لغضب عارم وجبار. كل وجع القيصرية وكل التعب اختفوا قصاد كرامتي وسلامة بنتي اللي عمرها تلات أيام.
بصيت لـ كريم بنظرة حادة زي الموس وقالت له بصوت قاطع وثابت يهد الحيطان:
«كريم… قدامك عشر دقايق بالظبط. قدامك عشر دقايق تفرّغ الشقة دي من كل بني آدم موجود فيها، أبوه وأمه وقرايبه ومزيكته وبلاويه.. يا إما أقسم بالله هطلب النجدة حالاً وأبلغ إن فيه اقتحام لشقتي، وهلم شنطتي وهاخد بنتي وأروح بيت أهلي، وورقة طلاقي تجيلي لحد هناك!»
كريم اتخض من النبرة: «هبة! استهدي بالله، ما ينفعش أطرد أهلي وقرايبي في الشارع!»
«الشارع أرحم بكتير من إنك تدوس على كرامتي وراحتنا! قرايبك عندهم بيوت وفنادق يروحوها، وأنا ليا بيت أتعافى فيه. العشر دقايق بدأت!»
طلعت من الأوضة ودخلت على الصالة، وقفت في نص الريسبشن وقصلت كابل السماعة بتاعت الكاريوكي، المزيكا اتفتست والمكان فجأة ساد فيه صمت قاتل.
الكل اتصدم وبصوا لي. حاج جابر وقف مستغرب: «فيه إيه يا بنتي؟ بتفصلي المزيكا ليه؟»