رواية حصرية روايات رولا
جريت على البار عشان أجهز المشروبات.
لما رجعت بالصينية، الجو كان اتقلب. الأصوات بقت أوطى، والوشوش بقت جادة أكتر. وزعت المشروبات في سكات، وأنا بحاول أكون اختفيت تماماً.
وأنا بحط السكوتش قدام الزعيم، تليفوني اتهز في جيب المريلة.
أنا عمري ما برد على تليفونات شخصية في الشغل. بس جدتي كانت في العناية المركزة في إيطاليا، وبقالي أسبوع سايبة التليفون معايا طول الوقت.
بعد ما حطيت آخر كاس، رجعت خطوتين لورا وسندت على الحيطة وطلعت التليفون براحة أشوف الشاشة.
كان رقم الممرضة بتاعتها.
قلبي سقط في رجلي.
كنت مستنية المكالمة دي.. ومرعوبة منها.
بصيت للترابيزة، الرجالة كانوا غرقانين في الكلام، والورق مفرود وسطهم. خدت خطوتين كمان ناحية الباب ورديت بصوت واطي جداً:
“برونتو..” (أهلاً)
الكلمة الإيطالي طلعت مني أوتوماتيك، زي ما دايماً بيحصل لما بكلم حد من البلد.
صوت الممرضة جه حزين ومليان أسف..
غمضت عيني، وإيدي الفاضية اتقفلت جامد لدرجة إن ضوافري علمت في إيدي. لما قفلت السكة، الدموع كانت حرقاني وواقفة في عيني.
ولما فتحت عيني.. لقيت الأوضة كلها ساكتة سكوت قاتل.
وكل الرجالة اللي على الترابيزة.. كانوا بيبصوا عليا!
يااااه.. اللحظة دي كانت مرعبة بجد.
محدش داري بالدنيا، وأنا لسه ماسكة الموبايل في إيدي، وصوت الممرضة لسه بيرن في ودني.. هادي ومؤلم، كأنه جاي من عالم تاني بعيد أوي:
“أنا آسفة يا آنسة.. جدتك توفت في سلام.”
في سلام؟
هو في موت بييجي في سلام للناس اللي بتتساب وتعيش بعده؟
هو الحزن ده إيه غير إيد بتطبق على الرقبة وتخنقك؟
نزلت الموبايل براحة.. وافsingle ثانية افتكرت أنا فين، ومع مين، وإيه اللي أنا لسه عملاه ده!
أنا اتكلمت إيطالي.
ومش أي إيطالي.. مش الكلام المتنقي بتاع السياح اللي حافظينه من كتيب، ولا اللغة النضيفة بتاعة كورسات اللغات ومنيوهات المطاعم. لأ.. أنا اتكلمت بلغة طفولتي، بسرعة ونفس مقطوع، باللكنة الناعمة بتاعة الجنوب، بنغمة أهل نابولي القديمة اللي جدتي كانت شايلاها معاها ومعدية بيها المحيط كأنها بضاعة متهربة.
اتكلمت زي واحدة مخبية سر كبير.
الوضة فجأة بقت سسسسسسكت تماماً.
ست رجالة بيبصوا عليا، بس عينين واحدة بس هي اللي كانت تفرق.
الراجل اللي قاعد على رأس التربيزة مش بيبربش حتى. نظرته الغامقة وثابتة على وشي ببرود يخوف أكتر من النرفزة.. نظرة دقيقة، بتفصّلك، كأنه شايف كل حاجة فيكي.