قصة حصرية روايات رولا

في الليلة اللي شاهندة الهواري مابقتش فيها مرات شريف الهواري، ما صرختش، ولا ضربته بالقلم، ولا حتى رمت كاس العصير اللي عشيقتة كانت بتشرب منه.
​هي كل اللي عملته إنها بصت للست اللي كانت مأنتخة على كنبتها ولابسة قميص جوزها، وبصت للراجل اللي افتكر سكوتها دا ضعف، وخدت قرار في منتهى الهدوء… قرار ما حدش في الأوضة فهم إنه هيدمرهم كلهم.
​برة، المطر كان بيرزع في التجمع الخامس بغل، كأن عنده تار بايت.
شاهندة كانت واقفة عند باب الصالة المقوس، وعبايتها الشتوية السودة بتقطر مية على الأرض الرخام. كانت راجعة بدري من اجتماع جمعية خيرية في مصر الجديدة لأن العاصفة لغت عشا المتبرعين الأخير. وطول الطريق الطويل وهي سايقة على الدائري، كانت بتفكر في حاجات عادية جداً؛ الطباخ محتاج زيت زيتون بالروزماري… دولاب الفوط اللي فوق محتاج فوط جديدة للضيوف… شريف عنده عشا عمل مع مستثمرين الأسبوع الجاي ومابيُطقش البيت تكون ريحته ورد زيادة عن اللزوم.
​كانت بتفكر إزاي تريحه وتسهل عليه عيشته.
بس أول ما فتحت الباب، سمعت ضحك.
​ومش أي ضحك… مش ضحك مجاملة، ولا ضحك شغل. ضحك “خاص” قوي.
من النوع اللي مابيكونش غير بين اتنين فاكرين إن مافيش حد في الدنيا يهمهم غير نفسهم.
​شريف كان قاعد على الكنبة الرمادي الفاتح اللي هي قعدت تلات أسابيع تلف عليها في محلات التجمع ومصر الجديدة عشان عايزة الفيلات بتاعته تحسسه بدفا البيت ومتبقاش شبه المتاحف. كان مشمر كمامه، وياقة قميصه مفتوحة، وفارد دراعه على ضهر الكنبة وكأنه مش بس صاحب البيت، لأ، كأنه يملك حتى النفس اللي بيتنفذوه جواه.
​ونيلي علام كانت ساندة عليه، تانية رجليها الحافية تحتها، ولابسة قميص شريف الكشمير الرمادي.
شاهندة عرفت القميص في ثانية؛ هي اللي كانت شارياه لشريف من براند غالي في دبي بمناسبة عيد ميلاده من سنتين. نقت الخامة دي بالذات لأنها عارفة إنه بيكره أي حاجة تخشن على جلده.
​على ترابيزة القهوة، كانت محطوطة قزازة شربات العناب المعتّق اللي شاهندة كانت شايلاها لعيد جوازهم العاشر. هما يا دوب مكملين خمس سنين جواز، بس هي كانت شايلاها من بدري لأنها وقتها كانت لسه بتصدق إن في حاجات بتعيش لو حافظنا عليها بجد.
​نيلي هي أول واحدة رفعت عينيها.
وما بانش عليها أي كسوف!
ودي الحاجة اللي شاهندة هتفضل فاكراها بعدين؛ مش القميص، ولا القزازة، ولا حتى وش شريف. هتفضل فاكرة ابتسامة نيلي الهادية الباردة، كأن شاهندة هي اللي دخلت شقة مش شقتها بالغلط.
​شريف دار وشه.
ولأقل من ثانية، الصدمة ظهرت على ملامحه.
وبعدين اختفت تماماً.
​قال بنبرة باردة: “أنتِ جيتي بدري.”
شاهندة ما ردتش.
​صوت المطر كان عالي وهو بيخبط في الواجهات الإزاز الطويلة اللي وراهم، والمزيكا كانت شغالة واطية من سماعات المكتبة… مزيكا عمر خيرت اللي شريف بيعمل نفسه بيعشقها عشان يبان مثقف وابن ناس أكتر من حقيقته.
​نيلي مدت إيدها، خدت الكاس، وشربت بوق صغير.
شاهندة عينيها جت على علامة الروج الأحمر وهي بتعلم على حافة الكاس تاني.
​شريف قال بصوت ناعم، موزون، وكأنه زهقان: “أنا كنت هكلمك… لما ييجي الوقت المناسب.”
شاهندة بصت له وقالت: “تكلمني عن عشيقتك؟”
​ابتسامة نيلي اتمسحت.
شريف اتنهد، كأن شاهندة خيبت أمله لما سمت الحاجات بأساميها الحقيقية من غير لف ودوران.
​وقال: “بلاش دراما… أنتِ أعقل من كده.”
​”أنا دخلت بيتي لقيت ست تانية قاعدة في صالوني ولابسة قميص جوزي.”
شريف صلح لها الكلمة وقال: “صالوننا.”
​في اللحظة دي، في حاجة جوا شاهندة سكنت تماماً.
بقيلها خمس سنين بتظبط تكييف الأوض عشان يحس بالراحة من قبل ما يشتكي. خمس سنين حافظة عنده حساسية من إيه، وأسامي ولاد رجال الأعمال والوزراء اللي بيتعامل معاهم، وقهوته المظبوطة، والمطاعم اللي بيكرهها، وأعياد ميلاد أعضاء مجلس إدارة شركته. خمس سنين بتستحمل قعدات عشا فيها رجالة صوتهم جهوري بيقاطعوها في الكلام، وكانت بتبتسم عشان برستيج شريف واسمه يفضلوا فوق.
​خمس سنين كانت بتخلي حياته جميلة، وهو افتكر إن الجمال دا معناه إنه امتلكها.
​نيلي حطت الكاس وقالت: “يمكن المفروض أسيبكم لوحدكم دقيقة؟”
شريف قال من غير ما يبص لها: “لأ… خليكِ.”
​الكلمة نزلت على شاهندة زي السكينة.
“خليكِ.”
قال للست دي الكلمة اللي عمره ما قالها لشاهندة لما كانت بتبقى محتاجة تسمعها.
​شريف وقف، مش عشان حاسس بالذنب، لأ، عشان عايز يحس إنه أعلى. شريف بيعشق الطول والمظاهر. كان طوله فوق الـ 180 سم، كتافه عريضة، شعر جنبيه مبيض بوقار، وسيم بالظبط بالطريقة اللي الفلوس والشركات بتخلي بيها الراجل مقنع أكتر مِمّا يستحق. وهو في سنه الـ 52، لسه بيدخل أي مكان وكأن المكان مديون له بالتحية والتعظيم كمان.
​قال بصوت حنين ومصطنع: “شاهندة… أنتِ عشتِ هنا حياة جميلة جداً.”
كانت هتضحك من كتر السخرية.
بس فضلت مستنية.
​كمل كلامه وقال: “أنتِ جيتي من مفيش… أنا مش بقول كده عشان أجرحك، دي الحقيقة. أنتِ كنتِ شغالّة كاشير في مطعم صغير في الإسكندرية لما قابلتك. أنا اللي نشلتك من كل ده واديتك العز ده كله.”
​حرك إيده في الهواء وهو بيشاور على الأرض الرخام، واللوحات، والدفاية، والمنظر برة… على الإمبراطورية والمعارض بتاعته كلها.
والإشارة دي كانت كأنها بتمنّ عليها بوجودها نفسه.
​نيلي كانت قاعدة بتتفرج في صمت وبكل استمتاع.
شاهندة سألته ببرود يخوف: “أنت فاكر إن هو ده الحب؟”
شريف سكت لثانية، كأن السؤال فاجئه، بس سرعان ما رجع لبروده المعتاد وقال بابتسامة ثقة: “الحب ده للعيال الصغيرة يا شاهندة. إحنا هنا بنتكلم عن الأصول، والمقام، واللي أنا عملته عشانك.”
​شاهندة ما ردتش بكلمة زيادة. لفت ضهرها بكل هدوء وطلعت السلم الرخام. شريف اتنفس براحة وبص لنيلي وقالها: “قولتلك.. آخرها شوية زعل وهترجع لعقلها، دي مالهاش مكان تاني تروحه.”
​فوق في الأوضة، شاهندة ما عيطتش. فتحت الدولاب وطلعت شنطة سفر واحدة من القماش، شنطة عادية جداً. ما خادتش معاها الفساتين السواريه، ولا الألماظ اللي شريف كان بيشتريهولها عشان تتمنظر بيه في الحفلات، ولا حتى قزازة برفيوم واحدة من اللي هو اختارهم.
​خدت بس لبسها البسيط اللي كانت بتلبسه زمان، وبطاقتها الشخصية، ودفتر مذكرات صغير قديم، وفلاشة ميموري صغيرة كانت شايلاها في قاع درج مكتبها.
​نزلت السلم بعد ربع ساعة، الشنطة في إيدها، والهدوء لسه لاففها زي الضباب.
شريف كان رجع يقعد جنب نيلي، ولما شاف الشنطة، ضحك بسخرية وقال: “رايحة فين بالشنطة دي؟ فاكرة نفسك هتلوحي دراعي؟ لو خرجتِ من الباب ده، حاسبك في البنك هيتقفل، والعربيات هتتسحب، وهترجعي للإسكندرية بشنطة هدومك دي بس.”
​شاهندة وقفت عند الباب، وبصت له لآخر مرة. نظرة مافيهاش غضب، فيها شفقة.
وقالت بصوت واطي وواضح: “أنا خارجة بشنطة هدومي فعلاً يا شريف.. بس افتكر كويس إنك أنت اللي اختارت تنهي الموضوع كده.”
​فتحت الباب وخرجت في المطر، ركبت عربية أوبر كانت طلبتها، وما بصتش وراها ولا مرة.
​الصدمة في اليوم التالي
​الصبح الساعة 9، شريف كان قاعد في مكتبه الفخم في مقر شركته “الهواري للمقاولات والاستثمار”، بيشرب قهوته وبيمضي أوراق روتينية. كان لسه مقتنع إن شاهندة يومين وهتتصل تعتذر.
​فجأة، الباب اتفتح بعنف. دخل وائل، المحامي المستشار بتاع الشركة، وشه كان أصفر زي الليمونة، وبينفث ورا بعضه من التوتر.
​شريف رفع عينه بضيق: “في إيه يا وائل؟ حد يدخل كدة؟”
وائل حط لاب توب وملف أسود قدام شريف وقال بصوت مرعوش: “شريف بيه.. إحنا بنفلس. حرفياً بنتهي.”
​شريف ضحك: “أنت اتجننت؟ بنفلس إيه؟ أنا لسه بايع أسهم ومأمن السيولة في البنك غير الأصول والعقارات.”
​وائل بلع ريقه وقال: “الأسهم اللي بعتها.. والشركات العقارية الصورية اللي بنغطي بيها القروض.. والشركاء الأجانب.. كلهم طلعوا ممسوكين من جهة واحدة. في صندوق استثماري دولي اشترى 51% من ديون شركتنا من البنوك في آخر 48 ساعة، وحالياً بيطالب بالسداد الفوري، وإلا الحجز التنفيذي على كل أصول “الهواري” هيتنفذ خلال ساعات.”
​شريف وقف، الدموية هربت من وشه: “مين الصندوق ده؟ ومين ابن المجدعة اللي وراه اللي يقدر يغطي المبالغ دي كلها في يومين؟”
​وائل فتح اللاب توب، وشاور على اسم المالك الرئيسي والمفوض العام للصندوق الاستثماري.
​الشاشة كان مكتوب عليها اسم واحد، بالبنط العريض:
شاهندة عبد الرحمن الهواري
​الحقيقة التي ظهرت متأخرة جداً
​شريف قعد على الكرسي كأنه اضرِب بالقلم. “شاهندة؟ شاهندة الجرسونة؟ أنت أكيد غبي أو الأوراق دي مزورة!”
​وائل قال بأسى: “لأ مش مزورة يا فندم. شاهندة هانم مش جرسونة.. شاهندة تبقى الحفيدة الوحيدة والوريثة الشرعية لـ ‘عبد الرحمن باشا الهواري’، اللي كان من أكبر تجار وملاك الأراضي في مصر زمان، واللي عيلته هاجرت برة من تمانينيات القرن اللي فات وسابوا استثمارات بمليارات في أوروبا. هي لما رجعت مصر من خمس سنين، كانت بتجرب تعيش حياة عادية بعيد عن تحكم عيلتها، واشتغلت فترة بدافع الفضول.. لحد ما قابلتك.”
​شريف بدأ يفتكر.. يفتكر الهدوء بتاعها، يفتكر لما كانت بتقعد مع أكبر مستثمرين والوزراء في بيته وكانت بتدير الحوار بذكاء رهيب وهو كان فاكرها بتقلده.. يفتكر دفتر المذكرات الصغير اللي كانت دايماً بتكتب فيه.
​وائل كمل: “شاهندة هانم ما كانتش بتصلح تكييف الأوض عشان راحتك يا شريف بيه.. دي كانت بتدرس ثغراتك. الفلاشة اللي خدتها معا امبارح، عليها كل ملفات التهرب الضريبي، والشركات الوهمية اللي أنت عملتها، وهي سلمتها للرقابة المالية من ساعتين.”
​تليفون شريف رن في اللحظة دي. بص على الشاشة، كان رقم شاهندة.
مسك التليفون وإيده بتترعش، وفتح الخط: “شاهندة.. أنتِ بتعملي إيه؟ أنا جوزك!”
​جاءه صوتها عبر السماعة، هادي، بارد، زي صوت المطر بتاع امبارح:
“كنت جوزي يا شريف. أنت قولتلي امبارح إنك أنت اللي اديتني كل العز ده.. وكنت فاكر إن الفلوس بتخلي الراجل مقنع. أنا بس حبيت أثبتلك إن فلوسك كلها ما تجيش تمن القميص الكشمير اللي عشيقتك كانت لابساه.”
​شريف صوته طلع مخنوق: “عايزة إيه يا شاهندة؟ نتفاهم.. أنا أسف.”
​سمع صوت ضحكة خفيفة، ضحكة واثقة، وأنهت الكلام بجملة واحدة قبل ما تقفل السكة لـلأبد:
“مش عايزة حاجة يا شريف.. أنا بس اشتريت كل حاجة أنت تملكها، وعرضت الفيلا للبيع.. والكلبين اللي عندك في الجنينة، أنا نقلت ملكيتهم ليا.. عشان هما الوحيدين في البيت ده اللي عرفوا يعني إيه وفاء.”
​انتهى الخط، وبدأت أصوات سراين عربيات الشرطة تسمع من تحت مبنى الشركة.
القناة قفلت والقصة خلصت ! النهاية جت سريعة وصادمة زي ما شريف يستاهل بالظبط.
​شاهندة جابت عاليه واطيها، أخدت حقها تالت ومتلت، وسابته للشرطة والبوليس وهو مش فاهم حاجة من الصدمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *