قصة ليلة الفرح حصرية روايات رولا
في فرح أختي، وقفت قدام الميكروفون وفضحتني قدام ٢٠٠ معزوم وقالت عليا: “واحدة مطلقة ومعاها عيل ومفيش راجل هيرضى بيها في يوم من الأيام”. وأمي بدل ما تسكتها، رفعت كاسها وقالت عليا “بضاعة مستعملة”! القاعة كلها فجرت ضحك وتريقة.. لحد ما العريس وقف، شد الميكروفون من إيد أختي، وقال كلمتين خلوا القاعة كلها تتصدم وتخرس تمامًا!
أختي قالت عليا الكلمتين دول في ليلة عمرها، وقدام كل الناس. وأمي كملت عليها وزودت الطين بلة، وبصت للناس وهي مبتسمة وقالت إني “بضاعة مستعملة”.
والكل كان بيضحك.
الفرح كان في قاعة فندق فاخر جدًا في الزمالك، حاجة كدة شبه المجلات الكبيرة؛ تربيزات مليانة ورد أبيض، نجف كريستال بيلمع، ومعازيم لادسين هدوم ماركات وبراندات غالية وكأنهم في عرض أزياء.
أنا بقى كنت قاعدة في تربيزة رقم ٢٣، متدارية ورا خالص جنب باب المطبخ، حيث خبط الأطباق وحركة الويترز والعمال مش بتبطّل. وجنبي ابني “ياسين” عنده ٥ سنين، كان ماسك في إيدي جامد وخايف.
وشوشني وقال لي: “ماما، هو إحنا ليه قاعدين ورا أوي كدة؟”
ابتسمت بالعافية وضغطت على إيده براحة: “عشان نعرف نشوف كل حاجة كويس من هنا يا حبيبي”.
دي كانت كذبة بيضا.. الأمهات السنجل دايماً بيجملوا الحقيقة عشان يحموا ولادهم من قسوة الكبار.
الحكاية من الأول
أنا اسمي “مريم”، عندي ٣٢ سنة، شغالة ممرضة طوارئ في مستشفى حكومي في القصر العيني بطحن نفسي في الشغل، وكنت لابسة فستان رمادي بسيط ونازل عليه خصم.
قبل الفرح بأسبوعين، أختي الصغيرة “ولاء” كلمتني تديني الأوامر: “مش عايزة منظرة ولا فستان يلفت النظر ماشي؟ ده يومي ومش عايزة حد يفتكر إنك بتسرقي الأضواء مني”. وكمان قالت لي ماجيبش “ياسين” معايا: “الأطفال بيعملوا دوشة، والناس هتقعد تسأل أبوه فين”.
بس أنا مكنش عندي حد يسيبه معاه.
أبو ياسين فص ملح وداخ واختفى من حياتنا لما الولد كان عنده ١٤ شهر بس، بعد ما قفشته بيخونني. وأمي ساعتها بدل ما تواسيني، كسرت بخاطري بكلمة عمري ما هنساها: “أنا طول عمري كنت قلقانة إنك مابتفهميش إزاي تحافظي على راجل!”
في عيلتنا، دايماً كان فيه بنتين: “ولاء” الأميرة اللي بتاخد كل حاجة؛ مدارس خاصة، فسح وسفر، لبس ماركات، ودلوقتي الفرح الأسطوري ده. وأنا.. البنت “الجدعة الشغالة”، الكلمة اللي بيقولوها عشان يداروا بيها إنهم باخعين حقي ومطنشين تعبي، وفي الآخر يحسوا إنهم عيلة مثالية.
ليلة الفرح والصدمة
”ولاء” دخلت القاعة بفستان تفصيل، كانت منورة وكأنها اتولدت عشان الناس تسقفلها. أبويا كان ماشي بيها وفخور، وأمي بتعيط في أول صف وكأنها بتجوز ملكة.
“أحمد” العريس، كان واقف مستنيها عند الكوشة. هو محامي بيدافع عن حقوق الأطفال، إنسان هادي وبيلاحظ كل حاجة. أول مرة شاف فيها “ياسين” ابني، نزل على ركبه وقعد يتكلم معاه ١٠ دقائق كاملة عن الديناصورات. مفيش مخلوق في عيلتي فكر يدّي ابني الاحترام ده قبل كده.
بعد كتب الكتاب، جه وقت صور العيلة. وقفت وأنا ماسكة إيد “ياسين” ونفسي نطلع معاهم في الصور ولو لمرة واحدة. بس أمي وقفت في وشنا قبل ما نوصل للكوشة.
قالت لي بصوت واطي: “العيلة القريبة وبس يا مريم”.
رديت عليها وأنا مذهولة: “ما أنا أختها!”
قالت لي: “ماتبوظيش ليها يومها.. ارجعي مكانك”.
رجعت لتربيزة ٢٣ وأنا مكسورة. ياسين بصلي وهو متلخبط وزعلان: “ماما.. هو إحنا مش عيلتهم؟”
قلبي اتعصر من الوجع، بس جمدت نفسي وقلت له: “طبعاً إحنا عيلة يا حبيبي.. أنا وأنت، إحنا عيلة لوحدنا”
الإهانة علني
بعد شوية، المزيكا هديت والمذيع أعلن إن العروسة عايزة تقول كلمة. “ولاء” مسكت الميكروفون بابتسامة مرسومة صح.
وقالت: “عايزة أتكلم عن العيلة.. وعن الدروس اللي بنتعلمها من أخطاء غيرنا”.
بطني وجعتني وحسيت إن فيه حاجة غلط.
عينيها جت في عيني من آخر القاعة وقالت: “مريم.. اقفي، عايزة كل الناس تشوفك”.
القاعة كلها لفت وبصت عليا. كنت قاعدة متجمدة، وياسين لزق في رجلي من الخوف.
كملت ولاء: “أختي الكبيرة علمتني كتير أوي.. ورتني إيه اللي بيحصل لما الست تاخد قرارات غلط، وتنهي حياتها لوحدها، ومعاها طفل مكنش حد عاوزه!”
فيه ضحكات خبيثة ومحرجة بدأت تطلع من المعازيم.
ابتسامة ولاء وسعت وقالت: “مريم أم سينجل، جوزها سابها ومشي. بصراحة كدة.. مين الراجل اللي هيرضى يشيل شيلة حد غيره وبضاعة قديمة؟”
الضحك زاد وبقى عالي في القاعة.
وشي سخن من كتر الكسوف وإيديا تلجت. ياسين كان بيبصلي وهو مرعوب، مش فاهم ليه كل الكبار دول بيضحكوا على مامته!
هنا بقى، أمي رفعت كاسها من على تربيزة العرسان وقالت بصوت عالي: “ده لأن بنتي الكبيرة أصلاً بضاعة مستعملة!”
القاعة كلها انفجرت ضحك وتريقة.
ياسين بدأ يعيط ووشوشني وهو بيترعش: “ماما.. هما بيضحكوا عليكي ليه؟”
مكنش عندي رد أقولهوله.
على المسرح، ولاء رفعت كاسها وكأنها قالت أحلى كلمة في الفرح: “شربات مريم.. المثالي الحي لكل حاجة المفروض الست ما تبقاش زيها!”
كنت فاكرة إن دي أوطى نقطة في حياتي.. فاكرة إنهم أخدوا مني كل حاجة وكسروني للآخر..
لحد ما “أحمد” (العريس) قام من مكانه.
اللحظة اللي قلبت الترابيزة
مشى بكل هدوء ناحية ولاء والناس لسه بتضحك. ومن غير ولا كلمة، شد الميكروفون براحة من إيدها.
القاعة كلها خرست صه.
ضحكة ولاء اختفت تمامًا.
أحمد بص ليها، وبعدين بص لأمي، وفى الآخر بص عليا أنا وابني اللي دموعه مغرقة وشه.
الكلام اللي قاله بعد كده مش بس بوّظ الفرح.. ده فضح الحقيقة القذرة اللي العيلة دي كانت بتداريها ورا المظاهر لسنين وسنين..
واللي حصل بعد كدة ساب الـ ٢٠٠ معزوم في صدمة وعقلهم واقف!
أحمد أخد الميكروفون، ووقف في نص المسرح، وبص لـ “ولاء” بنظرة صدمة وقرف عمري ما شفتها في عينه قبل كده. القاعة كلها كانت ساكتة لدرجة إن لو إبرة وقعت كانت هترن.
أحمد اتنحنح وقال في الميكروفون بصوت قوي وهادي هز القاعة:
“أنا طبعًا بشكركم كلكم إنكم جيتوا النهاردة.. بس أنا حابب أصلح كذا معلومة قيلت حالا على المسرح ده، لأن الظاهر العروسة وأمها ناسيين الحقيقة، أو بيحاولوا يتناسوا.”
بص لـ “ولاء” وقالها:
“مريم اللي أنتوا بتتريقوا عليها وبتقولوا عليها بضاعة مستعملة، هي السبب الوحيد اللي خلاكي تقفي في الفرح ده وتتجوزي في فندق في الزمالك. مريم هي اللي سحبت قرض باسمها وشغالة شفتات ليل مع نهار في طوارئ القصر العيني عشان تدفعلك مصاريف جامعتك الخاصة بعد ما أبوكي أعلن إفلاسه من ٣ سنين! مريم هي اللي بتصرف على البيت ده من ألفه لياءه بينما أنتي بتصرفي فلوسك على الفساتين والمظاهر.”
المعازيم كلهم بدأوا يوشوشوا، والصدمة بدأت تظهر على وشوش الناس. ولاء وشها بقى أزرق وأمي لسانها اتمسح.
أحمد مسبش الميكروفون، كمل وبص لأمي وقالها:
“وحضرتك يا طنط.. بتقولي على بنتك الكبيرة بضاعة مستعملة عشان اتطلقت من راجل خاين؟ طب ما تقولي للمعازيم مين اللي دفع وصلات الأمانة اللي كانت هتحبس جوز حضرتك من سنة؟ مش مريم برضه اللي باعت دهبها وحوش شقاها عشان تحمي اسم العيلة اللي أنتوا جايين تتبروا منها النهاردة؟”
هنا بقى، ولاء بدأت تعيط من الكسوف وقالت بصوت واطي ومبحوح: “أحمد.. أرجوك بس، الناس بتفرّج علينا..”
أحمد رد عليها في الميكروفون وقالها: “أنتي اللي فرّجتي الناس على أختك وصنتِ جميلها بالندالة! أنتي مريضة وعيلتك عيلة مريضة بالمظاهر والغل.”
لف أحمد وبصلي أنا وياسين من بعيد، وقال بأعلى صوته في الميكروفون:
“مريم.. أنتي أشرف وأنضف واحدة في القاعة دي. وياسين ده بطل، وأنا يشرفني ويسعدني إني أكون في ضهركم دايماً.”
وبعدين التفت لـ “ولاء” وقالها بكل برود:
“أنا أسف.. أنا كنت فاكر إني بتجوز إنسانة، بس أنا مستحيل أربط اسمي وحياتي بـ واحدة بالغل والسواد ده.. الفرح ده ملغي، ودبلتك عندك أهي.”
قلع الدبلة ورماها على التربيزة، ومشى بكل ثقة وسط ذهول الـ ٢٠٠ معزوم اللي واقفين مش مصدقين إن العريس ساب العروسة في ليلة الدخلة وفضحهم علني!
أحمد وهو خارج، عدى على تربيزة ٢٣، نزل لمستوى ياسين وابسم له وقال له: “يلا يا بطل نمشي من هنا؟” شال ياسين على كتفه، ومد إيده ليا وقال لي: “يلا يا مريم، مكانكم مش هنا وسط الناس دي.”
خرجنا إحنا التلاتة من الفندق، وسبنا ورايا قاعة مقلوبة، وأختي وأمي في نص فضيحة العمر اللي عملوها بنفسهم ولنفسهم. ومن يومها وأنا وعيلتي الصغيرة “أنا وياسين” بدأنا حياة جديدة، وعرفنا إن ربنا دايماً بيبعت الحق في وقته!