حصري روايات رولا
كانت نجفة الكريستال المتعلّقة فوق سُفرة الأكل—ودي كانت هدية جوازي من أبويا الله يرحمه—بتعكس إضاءة دافية ومكسورة في الصالة، بس الجو جوة البيت كان أبرد من التلج.
البيت ده عمره ما كان بالنسبة لي مجرد حتة أرض أو عقار وخلاص. ده كان قصر، حتة من الجنة مبنية عمولة وسط هدوء فيلات “مصر الجديدة” الراقية. كل سنتيمتر في الخشب الأرو بتاع الأبواب، كل بلاطة جرانيت في الجنينة المقفولة ورا البيت، أبويا وأمي نقّوها على الفرازة وبصبر. لما ماتوا في حادثة طريق مصر الإسكندرية الصحراوي البشعة من تلات سنين، الفيلا دي كانت الحاجة الوحيدة الباقية من ريحتهم في الدنيا. كانت حِصني وأماني.
بس وأنا قاعدة على رأس السُفرة الماهوجني الطويلة، أدركت إن حِصني اتمهدد.. البيت بقى موبوء.
”طنط ميرفت”، حماتي، مشّت ضفرها المتلّون بأحمر شفايف فاقع فوق الرخام المرمر بتاع ترابيزة المطبخ، بتفتّش بعينيها عن نقطة تراب، قبل ما تلتفت لي بنظرتها الصقر الحادة المشهورة بيها.
تنهّدت ميرفت وهي بتهز كاس العصير في إيدها وكأنها صاحبة المكان: “حاجة تقطع القلب والله يا ملك.. كل الوسع ده والحيطان الفاضية اللي بتصوّت دي، في حين إن الغلبانة ‘داليا’ أخت طارق قاعدة في شقة قد علبة الكبريت في وسط البلد! الأهل لازم يشيلوا بعض يا حبيبتي، ولا إنتي شايفة إن الأنانية حلوة، وإنك تكوشي على فيلا بتمن تمنتاشر مليون جنيه وأخت جوزك مش لاقية مكان تلم فيه عيالها؟”
ريقي نشف، واللقمة وقفت في زوري كأنها رماد. بصيت لـ “طارق” جوزي، اللي قاعد على يميني. بقالنا خمس سنين متجوزين، وكنت فاكرة إنه سندي. كنت مستنية إنه يتدخل، يدافع عن ذكرى أبويا وأمي، يفكر أمه إن جرحي لسه ملمش وإن البيت ده هو كل حياتي.
بدل كل ده، طارق حتى مارفعش عينه من على شاشة موبايله. أخد بوق من الحاجه الساقعة، وإيده عمالة تقلب في أخبار الماتشات على فيسبوك بلا مبالاة.
تمتم طارق ببرود ونبرة كسرتني: “ماما عندها حق يا ملك.. الفيلا دي واسعة علينا أوي إحنا الاتنين. ده غير مصاريف الصيانة والغاز والكهرباء اللي بتقطم الظهر. لازم نفكر في مصلحة العيلة كلها مش في أملاكك المنفصلة بس.. جه الوقت اللي ندمج فيه حاجتنا.”
على الناحية التانية من السُفرة، “داليا”—أخت طارق اللي عمرها ما اشتغلت في حتة والمشية على هواها دايماً—ابتسمت ابتسامة صفرا كلها سم. كانت عينيها بتلف في الصالة، بتعاين البوفيه الأنتيك والسجاد التبريزي الإيراني. كنت حاسة بوجع في بطني وأنا شايفة في عينيها إنها بتفرش عفشها الرخيص في صالوني.
قالت داليا بمسكنة وتسبيل عين: “يعني.. أنا مش عاوزة أتقل عليكم، بس العمارة اللي أنا فيها في وسط البلد بقت زحمة أوي والجيران متعبين وبخاف وأن راجعة بالليل. وإنتوا عندكم تلات أوض ضيوف مقفولين.. بالعقل كده، ده الصح.”
خوف تقيل كتم على نفسي. الناس دي مابتطلبش.. الناس دي بتخطط وتفرض أمر واقع. ماكنوش شايفيني زوجة أو واحدة بتمر بفترة حزن، كانوا شايفيني “سبوبة” وجاتلهم فرصة ينهبوها. ورث أبويا بالنسبة لهم كان ورقة يانصيب كسبانة ومن حقهم يصرفوها.
قلت ونبرة صوتي بتهتز رغم كل محاولاتي عشان أبان قوية: “الفيلا مش للإيجار يا داليا، وإحنا مش هننقل من هنا.. ده بيت أبويا وأمي.”
طارق رفع عينه أخيرًا من الموبايل، وعضلات وشه اتشنجت. الوش السمح اللي اضحك عليا بيه زمان اتقلب لوش مرعب ومليان غيظ: “بلاش دراما يا ملك، إحنا بنتكلم عادي. بلاش تحسسي أهلي إنهم أغراب في بيتنا!”
”بيتنا”.. ضغط على الكلمة دي أوي، وكأنه بيعيد كتابة الواقع وعقد الملكية اللي مفيش فيه غير اسمي أنا بس.
باقي العشا عدّى في توتر يخنق. كنت قايمة بدور المضيفة المؤدبة، بقدم الأكل اللي طبخته بإيدي، وبصب العصير، وهمّا قاعدين على كراسي أبويا وبيحسبوا بالمتر هياخدوا إيه من بيتي.
بعدين بالليل، بعد ما ميرفت وداليا مشيوا وريحة برفيومهم الرخيص لسه في المكان، كنت واقفة لوحدي في المطبخ بغسل المواعين. البيت كان هادي، بس هدوء يخوف.
جيت أشيل جاكيت بدلة طارق من على ضهر الكرسي عشان أعلقه. وأنا برفع الجاكيت، وقعت ورقة كرتون تقيلة من جيب الصدر على الأرض الباركيه.
نشّفت إيدي في الفوطة ووطيت أجيبها.
كانت كارت شخصي لمحامي مشهور جداً في قضايا التعويضات ومنازعات العقارات القوية، ومعروف عنه إنه بيمص دم الناس في قضايا الطلاق والتمكين. بس مش الاسم اللي على الكارت هو اللي خلّى الدم يهرب من عروقي..
اللي رعبني كان الكلام اللي مكتوب بخط إيد طارق ورا الكارت.. خمس كلمات وبس: “نقل ملكية – غصب عنها هتمضي”.
قلبي بقى يدق زي فرخة مدبوحة بتنازع. وهم الجوازة السعيدة اتمسح في ثانية على أرض المطبخ. هو مش بس بيجاري طمع أمه وأخته.. ده كان بيخطط بجد عشان يسرق أماني.
وقفت تحت إضاءة المطبخ الخافتة، مبحلقة في الحبر لحد ما الحروف زغللت في عيني.. وماكنتش أعرف إن الكابوس الحقيقي هيبدأ أول ما الشمس تطلع.
الفصل الثاني: عقد الإذعان
الهجوم جه بعد تلات أيام، وكان متخطط له زي كمين عسكري مقفول.
كنت قاعدة في مكتب أبويا الله يرحمه—المكتب المتغطي بالخشب الأرو—بقلّب في صور قديمة، بحاول أفتكر شكل الأيام لما كان في حد بيحبني بجد في الدنيا دي. فجأة، البابين الكبار بتوع المكتب اتفتحوا من غير ما حد يخبط.
دخل طارق، وشه خشب وعينيه ناشفة ومفيش فيها ريحة المودة. وراه عل طول، زي الغربان اللي ماشية ورا فريستها، دخلت ميرفت وداليا.. فتحوا الباب بمفتاحهم ودخلوا.
قبل ما ألحق أقف من على الكرسي، طارق رزق حزمة ورق قانوني تقيل في نص مكتب أبويا. الخبطة عملت صوت عالي هزت الكتب في الرفوف، وخلتني اتنفضت في مكاني.
قال طارق بصوت واطي ومليان تهديد: “امضي هنا يا ملك.”
بصيت على الورقة الأولى.. كان عقد بيع وشراء ابتدائي وتنازل.
وراه، داليا كانت ساندة على الباب وبمنتهى البجاحة بتقلب في كتالوج ألوان دهانات الحوائط على موبايلها. وميرفت واقفة ومربعة إيديها، وبتبص لي من فوق لتحت باحتقار أعمى.
سألتهم: “إيه ده؟” رغم إن كارت المحامي كان قايل لي كل حاجة من أيام.
طارق قرّب مني وضغط على المكتب: “ده الحل.. هتبيعي الفيلا لداليا. عشان تفضل في العيلة. جهزنا كل الورق، وحطينا السعر ربعمائة ألف جنيه. هناخد الفلوس دي من حسابنا المشترك في البنك عشان ندفع لها مقدم، وهي تكمل الباقي بعدين. وأنا وإنتي هناخد شقة صغيرة في التجمع. الموضوع منتهي.”
بحلق في الرقم اللي في الورق.. الدنيا لفت بيا.
قلت بصوت مخنوق من الصدمة: “ربعمائة ألف جنيه؟! طارق، الفيلا دي أقل تقييم ليها تمنتاشر مليون جنيه! إنت عاوزني أرمي شقى عمري وأبويا لمجرد إن أختك تاخدها؟ وعاوز تستخدم فلوس شغلي أنا اللي في الحساب المشترك عشان تشتري لها بيها؟”
ميرفت لوّت بوزها وقالت بنبرة مستفزة: “ربعمائة ألف كتير جداً وكرم مننا عشان الحاجة تفضل في العيلة.. بصراحة يا ملك، جشعك ده مقرف. طارق مستحمل نكدك واكتئابك بقاله سنين، ده أقل واجب تعمليه عشان تردي له جميله!”
بصيت للست دي، وحسيت بنار بتغلي في صدري، بس رجعت بصيت لجوزي.
قلت بصوت بدأ ينشف ويقوى: “أنا مش هقضي على نفسي يا طارق.. مش همضي. الفيلا دي أبويا كتبها ليا، وإنتوا بتسرقوني.”
وش طارق اسود، وقناع الجوز المحترم داب، وظهر وش تاني خالص.. وش مجرم وسيكوباتي. لف من ورا المكتب، ودخل في مساحتي الشخصية لدرجة إني رجعت بالكرسي لورا لحد ما خبطت في الحيطة. رفع صباعه في وشي وقال وهو بيجز على سنانه:
”قسمًا بالله لو ممضيتيش لأرميكي برة البيت ده بالهدوم اللي عليكي!” تفتوف من بوقه جه على خدي.
اتسمرت في مكاني من المفاجأة ومن العنف اللي في صوته.
همس في وشي وعينيه واسعة ومبرقة زي المجانين: “اسمعيني كويس أوي.. لو ممضيتيش على التنازل ده لأختي، هرفع عليكي قض..ية طلاق بكرة الصبح. وهسحب كل مليم في الحسابات المشتركة النهاردة. أنا معايا أكبر محامين في البلد جاهزين. هججرك في المحاكم لحد ما تغرقي في مصاريف القضايا. هطلب تعويض عن أضرار نفسية، وهصفي شقى عمرك كله في المحاكم، وهسيبك في الشارع مش لاقية تاكلي. مش هيبقالك أي حاجة في الدنيا.. فاهمة؟”
بصيت في عين الراجل اللي نمت جنبه خمس سنين. دورت على أي لقطة تراجع، على أي حتة من الراجل اللي حلف يحميني.. ملقيتش. كان زي الفيروس اللي مستني جسم عائله يموت عشان يعيش هو.
في اللحظة دي بالظبط.. في جزء من الثانية.. في حاجة جوة دماغي اتقطعت.
البنت الضعيفة اللي بتعيط على أبوها ماتت. والزوجة المطيعة اتمسحت. الخوف اختفى، وخلّ مكانه حالة من التفكير البارد والنقي عشان أنجو بنفسي. الحبل اللي كان رابطني بطارق اتقطع وبقى رماد. مابقتش أحبه.. ولا حتى كرهته. أنا بس صنفته كـ “خطر مميت” ولازم يترد عليه.
عرفت إني مش هقدر أواجهه وش لوش؛ هو معاه محامين حيتان، ومعاه الغل والعنف. لو حاربته في النور، هيصفيني في المحاكم سنين.
كان لازم أجره للمنطقة الضلمة بتاعتي.
وطيت راسي، وخليت كتافي تتهز كأني بعيط. طلعت شهقة مكسورة، بتمكن في دور الضحية اللي انكسرت تماماً، وبخبي وراها جبل التلج اللي اتكون في صدري.
همست وعيني مليانة دموع مزيفة: “ماشي.. ماشي يا طارق، إنت كسبت. أرجوك.. بلاش تسحب الفلوس من الحساب. سيبني بس كام يوم.. سيبني لحد يوم الجمعة الجاية أظبط أموري، وألم حاجة أبويا وأمي والأنتيكات.. هاجي يوم الجمعة الساعة 12 الظهر وهمضي.”
طارق ابتسم ابتسامة انتصار مقرفة كلها شماتة. عدل الياقة بتاعة قميصه ورجع لورا: “كنت عارف إنك هتعقلي يا ملك. الجمعة الساعة 12 الظهر.. وتكون الفيلا نضيفة، عشان داليا جايبة معاها مهندس الديكور.”
من غير ولا كلمة، لف وخرج من المكتب، وأمه وأخته وراه. بعد ثواني سمعت صوت ضحكهم العالي في المطبخ وهم بيفتحوا البيبسي وبيحتفلوا بالنصر.
قعدت في المكتب، سامعة ضحكهم.. قمت في هدوء، رحت عند الباب الخشب التقيل، وقفلته بالمفتاح من جوة.
مشيت لحد مكتبة الكتب الكبيرة اللي واصلة للسقف. من ورا غلاف كتاب قديم، طلعت موبايل صغير رخيص (بخط بدون اسم). ده كان هدية من خالي الله يرحمه، اللي قضى 30 سنة من عمره محامي جنائي كبير وبيتعامل مع ناس مالهومش وجود على الورق. كان قايل لي في عزا أبويا: “لو الدنيا ضاقت بيكي يا ملك، والقانون ملقيتيش فيه نجدة، كلمي الرقم ده.. بس متكلميهوش إلا لو مبقاش ليكي حاجة تخسريها.”
ضربت الـ 11 رقم، إيدي كانت ثابتة ومتعرفش الرعشة، وسمعت التليفون وهو بيرن في الضلمة.. كنت بجهز نفسي عشان أعزم وحش في بيتي.
== الفصل الثالث: مهندس الدمار
الجو جوة الأوضة الـ VIP في مكان سهر راقي وداري في “الزمالك” كان مليان بريحة السيجار الكوبي الفخم، والجلد الطبيعي، وفلوس الناس الواصلة المخيفة.
كنت قاعدة في ركن بعيد، بشرب بوق مياه، وحاسة إني غريبة بالبيلطو البيج الكلاسيك اللي أنا لابساه وسط الأجواء دي. قدامي كان قاعد راجل باين عليه إنه ابن الضلمة وصاحبها.
”المعلم عِمران”.. المشهور بـ “الغول”.
ده ماكنش مجرد بلطجي من بتوع الشوارع. كان لابس بدلة إيطالي تفصيل رمادي غامق لايقة جداً على جسمه الضخم وعضلاته. شعره الأسود متسرح لورا، فكه عريض، وعينيه كانت سودا كحل ومخيفة وماتعرفش الرحمة. الراجل ده كان بيشتغل في المناطق الرمادية.. تصليح عقارات، لِم ديون، وتخليص حوارات. لما القانون كان بيعجز، “الغول” كان بيخلص.
أخد نفس طويل من السيجار، وطلع دخان أزرق كثيف. زق شنطة دبلومات حديد تقيلة على الترابيزة الماهوجني، خبطت قدامي بصوت قوي.
قال الغول بصوت رخيم وخشن زي صوت الأرض وهي بتتزلزل: “مليون وستمائة ألف جنيه.. كاش، ورق بميات سليم ومش متسلسل.” وزق قصاد الشنطة عقد بيع مسجل في الشهر العقاري: “الفيلا اتنقلت رسمي.. من ساعة واحدة بس، وبطرقنا الخاصة ومن غير وجع دماغ الروتين، الفيلا بقت ملكي قانوناً وشرعاً يا مدام ملك.”
فتحت قفل الشنطة.. رزم الفلوس كانت باصة لي. كان رقم قليل جداً عن تمن الفيلا الحقيقي، بس البيعة دي عمرها ما كانت عشان الفلوس.
الغول قال وعينيه السودا بتقرا وشه بتدور على أي لقطة ندم: “إنتي سايبة فلوس كتير أوي على الترابيزة يا ملك.. فيلا تمنها تمنتاشر مليون تبيعيها بالمبلغ ده؟ ليه الاستعجال؟ وليه التنازل ده كله؟”
قفلت الشنطة، وصوت القفل الحديد عمل صدى صوت في الأوضة الهادية. وشي كان عبارة عن لوح تلج.
قلت وأنا بقرب منه تحت الإضاءة الخافتة: “عشان جوزي وأهله فاكرين إنهم فوق القانون وفوق البشر.. فاكرين إنهم يقدروا ياخدوا حاجتي بالدراع والتهديد. هددوني يرموني في الشارع مش لاقية آكل. يوم الجمعة الجاية الساعة 12 الظهر، هيدخلوا من باب الفيلا وهم مستنيين يلاقوا ست مكسورة ومستسلمة، ومعاها عقد ممضي.”
بصيت في عين الراجل اللي الكل بيخاف من اسمه، ماحستش بخوف، حسيت بس بإننا شبه بعض في القسوة في اللحظة دي.
وقلت بصوت واطي جداً: “أنا عاوزاهم يلاقوك إنت اللي قاعد مستنيهم.. أنا هسيب القاهرة كلها. عاوزاك تكون قاعد في صالوني لما يوصلوا. وعاوزاك تفهمهم بالراحة كده.. إيه اللي بيحصل للي بيفكر يسرق ناس غلط.”
الغول بحلق فيا لثواني طويلة.. صوت البيس العالي بتاع الأغاني من الصالة اللي تحت كان بيهز الأرض. بالراحة كده، شفايفه اترسمت عليها ابتسامة مرعبة.. ابتسامة إعجاب احترافي خالص.
ضحك الغول بصوت طالع من أعماق صدره: “أنا اشتريت عقارات وعمارات عليها مشاكل كتير يا ملك.. بس عمر المصيدة ما كانت حلوة كده. اعتبري درسهم ده هدية البيعة ومصاريف التسجيل.. أنا مابحبش قليلي الأدب.”
في الأيام الأربعة اللي بعد كده، الفرق بين واقعي وواقع جوزي كان يضحك.
في الفيلا، طارق كان ماشي وسط الأوض زي الملك اللي فتح بلد جديدة. داليا جابت كرتون وصناديق، وعمالة تشتكي من التعب اللي هتشوفه وهي بتغير دهان الصالة. وميرفت كانت بتكلم أصحابها في النادي بالـ Speaker في مطبخي، وبتتباهى بـ “اللقطة” والفيلا اللي ابنها العبقري جابها لأخته بتراب الفلوس.
كنت بهز راسي.. وببتسم.. ولميت كام حاجة من ريحة أبويا وأمي في كرتونة صغيرة، ومثلت دور الست اللي بتجهز نفسها للطرد والبهدلة.
ليلة الجمعة.. ليلة التنفيذ.. طارق دخل ينام بدري، كان تعبان من كتر الفرحة والغرور اللي مالي قلبه.
وقفت في ضلمة أوضة نومنا الرئيسية، سامعة صوت نفسه المنتظم وهو نايم. ماحستش بنقطة زعل واحدة.
شلت شنطة سودا صغيرة كنت لامة فيها هدومي المهمة وشنطة الفلوس الكاش. مشيت لحد الكومودينو بتاعه. خلعت دبلة جوازي الألماظ من صباعي وحطيتها بالراحة على قزاز الكومودينو. وجنب الدبلة، حطيت نسخة مطبوعة من عقد الملكية الجديد الموثق.. العقد اللي فيه إن الفيلا بقت ملك “شركة الغول للمقاولات والاستثمار العقاري”.
نزلت السلم، خطواتي ماكنش ليها صوت على الخشب.
قبل ما أخرج، سحبت كرسي وطلعت لفوق عند جهاز إنذار الحريق اللي في زاوية الصالة الكبيرة. وبكل هدوء وحرفية، زرعت كاميرا لاسلكية صغيرة جداً (Wyze) في الفتحة البلاستيك بتاعة الجهاز، وظبطت العدسة عشان تكشف الباب الرئيسي والكنب الجلد كله. كنت مركبة تلاتة غيرها في حتت تانية في الفيلا في الأسبوع ده.
خرجت من الباب الوراني، وخطيت في الهوا الساقع بتاع الفجر. الباب التقيل اتقفل ورايا، وسمعت صوت القفل وهو بيموت المكان على اللي جوه. اختفيت في الضلمة، وسبت المسرح جاهز تماماً للذ..بح.
الفصل الرابع: الوحش
الجمعة.. الساعة 12 الظهر بالدقيقة.
كنت قاعدة على كرسي جلد مريح في جناح فندق فخم في الإسكندرية باصص على البحر، على بعد إسكندرية كلها من بيتي اللي سبته. شنطة الفلوس كانت محطوطة في خزنة الأوضة الحديد بأمان.
اللاب توب بتاعي كان مفتوح على المكتب القزاز قدامي. على الشاشة، كان في أربع شاشات بث مباشر بجودة عالية من الكاميرات المخفية جوة الفيلا.
قلبي كان بيدق بانتظام وهدوء غريب. أخدت بوق من القهوة السادة، وعيني على الشاشة اللي مكتوب عليها “الصالون”.
باب الفيلا الرئيسي اتفتح.
دخل طارق، وميرفت، وداليا.. كانوا داخلين كأنهم جيش منتصر. طارق كان شايل في إيده دوسيه جلد—أكيد جواه العقد المزور اللي كان ناوي يغصبني أمضي عليه. داليا كانت شايلة في إيدها علبة شيكولاتة فخمة. وميرفت وراهم، لابس برنيطة شمس كبيرة ووشها مليان غطرسة تقرف.
طارق زعق بصوت عالي عمل صدى في الصالة الفاضية: “ملك! يا رب تكوني لميتي حاجتك كلها! بتوع النظافة جايين الساعة 2!”
دخلوا الصالون بكل ثقة، وملاحظوش الهدوء الغريب اللي في المكان.
فجأة.. اتسمروا في مكانهم. علبة الشيكولاتة وقعت من إيد داليا واتفرفتت على الأرض الباركيه.
من الكاميرا، كنت بشوف المشهد بوضوح ملوش مثيل.
في نص الصالون، وقاعد على الكنبة الجلد البيضاء اللي أبويا جابها عمولة.. كان قاعد المعلم عِمران (الغول).
كان شكله زي ملاك الموت. لابس قميص أسود تفصيل، مشمر كمامه ومبين دراعات ضخمة مليانة علامات جروح قديمة بتاعة خناقات تقيلة. كان بيشرب سيجار كوبي تخين في هدوء، وبيطلع الدخان للسقف العالي. وفي إيده التانية، كاس فيه عصير من الغالي اللي كان في بوفيه أبويا.
ماتهزش لما دخلوا. حتى مابصش عليهم في الأول.. أخد بوق تاني في هدوء تام.
ومن كتر الغرور والطبقية الأعمى اللي عيا عيون ميرفت وداليا، مافهموش هم واقفين قدام مين! ماشافوش الخطر.. شافوا بس حتة “عقبة” في طريقهم.
صوت ميرفت صوّت لدرجة إن المايك بتاع اللاب توب بتاعي صفر: “إيه القرف ده؟! مين البني آدم بيئة ده؟!” رمت شنطتها الماركة على الأرض وخطت تلات خطوات جوة الصالون.
الغول لف راسه بالراحة.. عينيه السودا الميتة كانت بتبص لها كأنها قناص بيحدد هدفه.
ميرفت زعقت وهي بتشاور بصابعها المتزين في وش الغول: “أنا مش عارفة ملك جابت مين من الشارع عشان يلم زبالتها، بس إنت لازم تحط الكاس ده وتطفي السيجار المقرف ده، وتشيل جزمتك الوسخة دي من على باركيه بنتي، وتغور برة البيت ده فوراً قبل ما أطلب لك البوليس يرميك في السجن!”
ابتسمت وأنا بشرب القهوة بتاعتي.. اتكلمي يا طنط ميرفت، احفري قبركم بإيدكم أكتر.
طارق، وهو بيحاول يعمل فيها راجل البيت والذكر المسيطر قدام أمه، خطى خطوة سريعة وقوية ناحية الراجل اللي قاعد: “سمعت ماما قالت إيه يا روح أمك؟ أنا معرفش إنت مين، بس إنت كده بتبلطج. برة.. حالا.. بدل ما أطلب لك النجدة تلمك.”
الغول ماتحركش ولا حركة. ساب الهدوء يطول، وساب تهديداتهم العبط دي تطير في الهوا وتموت.
بالراحة خالص، الغول مد إيده جوة جيب الجاكيت الداخلي. طارق اتنفض ورجع نص خطوة لورا غصب عنه، يمكن بدأ يفهم—متأخر—إن ولاد الشوارع مابيلبسوش بدل تفصيل غالية ولا بيطلع منهم الهيبة المرعبة دي.
الغول طلع ورقة قانونية متطبقة.
وهمس بصوت واطي جداً: “بيتك؟”
مازعقش.. اتكلم بصوت واطي لدرجة إن طارق اضطر يقرب عشان يسمعه. كان صوت خشن ومرعب خلّى الصالة تسقع.
الغول رمى العقد على الترابيزة القزاز اللي في النص.
قال بصوت زي الرعد: “إنت طارق صح؟ ملك قالت لي إنك غبي.. بس مقالتليش إنك بايع عمرك وعاوز تموت.”
طارق بص للورقة تحت.. زاوية الكاميرا جابت اللحظة اللي عينيه قرت فيها الاسم المكتوب بالبنط العريض لصاحب الفيلا الجديد: “شركة الغول للمقاولات والاستثمار العقاري”.
الدم هرب من وش طارق في ثانية، وبقى وشه أصفر زي الليمونة. اسم “الغول” كان مسمع في مصر كلها.. اسم بيطلع في أخبار الحراسات، والمشاكل التقيلة، وقضايا فرض السيطرة.
الغول وقف على رجليه بالراحة.. كان زي الجبل وباصص لطارق من فوق: “أنا اسمي عِمران.. والبيت ده بتاعي أنا. إنت اللي بتبلطج جوة ملكي.”
الغول خطى خطوة لقدام، رجّع طارق لورا لحد ما خبط في أمه.
وهمس في وشه وهو بيطلع دخان السيجار في عينه: “وأنا مابحبش.. مابحبش خالص.. حد يعلي صوته عليا في صالون بيتي.”
طارق فتح بوقه عشان يتكلم، بس طلعت منه شهقة مخنوقة وصوت زي صوت العيال الصغيرة. بص وراه ناحية الباب، يمكن كان بيحسب تمن الجرية عشان يهرب للشارع.
بس أول ما لف راسه، الباب الأرو الكبير اتقفل اترزع بعنف.. صوت القفلة عمل صوت زي ضرب النار.
تنين رجالة من بتوع الغول، كتافهم تهد حيطة ولابسين أسود، ظهروا من ضلمة الطرقة بتاعة المطبخ. واحد منهم مد إيده وفي هدوء تام قفل الترباس الحديد الكبير.. وحبسهم جوه.
ومن شاشة اللاب توب بتاعي.. شفت ركب طارق وهي بتخبط في بعضها ومش شايلاه.
الفصل الخامس: تمن الدخلة
البث المباشر من الكاميرا المخفية كان شغال كأنه فيلم رعب صامت، بس ممتع جداً بالنسبة لي.
الغول ممدش إيده عليهم.. ماكنش محتاج. فكرة الخطر والتهديد اللي مالي الأوضة كانت أقوى بمليون مرة من بوكس في الوش. الراجل ده كان معلم في تكسير النفوس، وأنا قاعدة، مبرقة لعيني، وشايفة وهو بيفكك العيلة اللي حاولت تدمرني حتة حتة.
قال الغول وهو بيشاور بالسيجار ناحية كرسيين خشب جنب الحيطة: “اقعدوا.”
ميرفت وداليا جريوا عشان يقعدوا، الغرور والمناخير العالية اتمسحت تماماً، وبقى مكانها عياط وخوف بدائي. داليا كانت بتعيط وصوتها مكتوم، والكحل ساح على وشها.
الغول فضل واقف قدام طارق، اللي كان بيترعش رعشة واضحة جداً في الكاميرا.
الغول قال بنبرة عادية وكأنه بيتكلم في أحوال الجو: “مراتك.. باعت لي البيت ده. رسمي.. وقانوني.. وعلى الفرازة. وقالت لي إنك كنت ناوي تسرقها.. وقالت لي إنك هددت ترميها في الشارع بالهدوم اللي عليها.”
طارق قال بصوت بيقطع والدموع في عينيه: “أنا.. أنا ماكنتش أقصد.. دي كانت خناقة عادية بين أي اتنين متجوزين.. أرجوك يا معلم عِمران.. إحنا هنمشي حالا.. ومش هتشوف وشنا تاني.”
الغول ابتسم ابتسامة باردة ومخيفة: “آه.. أنا عارف إنكم هتمشوا.. بس إنت عارف يا طارق، أنا راجل بتاع سوق وبتاع بيزنس. وإنت دخلت بيتي بالدراع.. وغلطت فيا.. ووقعت شيكولاتة على الباركيه بتاعي. وفي سوقي أنا.. قلة الأدب ليها تمن، وتمن غالي أوي كمان.”
الغول سقف بإيده.. واحد من الرجالة الضخمة خطى لقدام، وطلع ورقة بيضاء وقلم من جيبه وحطهم على الترابيزة.
الغول قال: “طلع كل اللي في جيوبك يا طارق.”
طارق بإيد بتترعش طلع محفظته، وموبايله، وميدالية مفاتيح كبيرة.
الغول بص على إيد طارق وقال: “والساعة الرولكس دي كمان.” الساعة دي أنا اللي كنت جايباها لطارق في عيد ميلاده التلاتين.. طارق فكها بسرعة ورميها على القزاز.
الغول مسك المفاتيح.. وبص من الشباك الباصص على الجنينة بره: “هي العربية الـ Range Rover الـ 2023 اللي واقفه بره في مدخل بيتي دي بتاعتك؟”
طارق هز راسه وهو بيبلع ريقه بصعوبة.
الغول زق الورقة والقلم قدامه: “امضي على التنازل بتاع العربية.. اعتبرها تمن الدخلة وقلة الأدب.”
ميرفت صوّتت من على الكرسي، الجشع اللي جواها معرفتش تكتمه حتى وهي شايفة الموت بعينيها: “العربية دي بـ 4 مليون جنيه!”
الغول لف راسه بالراحة وبص لميرفت.. الهدوء اللي حل في الصالة بعد الكلمة دي كان يقطع النفس.
الغول قال بصوت ناعم ومخيف: “طنط ميرفت صح؟ ملك قالت لي إنك ساكنة في عمارة 442 شارع الطيران في مدينة نصر.. منطقة حلوة أوي.. بس العمارات هناك قديمة وماس الكهرباء فيها بيبقى وحش.. هتبقى مصيبة لو حصل قفلة كهرباء والعمارة ولعت وإنتي نايمة جوة.” ولف عينه لداليا: “وداليا.. شقة 4 ب في وسط البلد.. العمارة هناك أمنها ضايع وأي حد يقدر يدخل ويطلع براحته.”
داليا صرخت وخبّت وشها بين إيديها وهي بتموت من الرعب. وميرفت وشها بقى أبيض وزي الج..ثة ومسكت صدرها كأنها بيجيلها جلطة بجد.
طارق مسك القلم وبسرعة جنونية كتب اسمه ومضى على ورقة التنازل عن العربية.
جدع يا واد،” الغول قالها وهو بيلم الورق والمفاتيح، وأخد آخر بؤ من كاس العصير بتاعه. “ودلوقتي.. أنت هتاخد بعضك وتطلع برة الباب ده مشي. مش هتبص حتى ناحية عربيتك. هتمشي على رجليك. لو لمحت طيفك بس قسماً بالله قرب المكان ده تاني، أو حاولت تتصل بملك، أو حتى جبت اسمي على لسانك قدام عسكري دورية، مش هاجي أتكلم معاك.. أنا هبعت رجالتي علطول يزوروا أمك وأختك. كلامي واضح ومفهوم؟”
”مفهوم،” طارق همس وهو مكسور ومتدمر تماماً. “مفهوم يا فندم.”
الراجلين البغال اللي مع عِمران مسكوا طارق من ياقة بدلته الغالية وسحلوه عشان يقف على رجليه. خدوهم هما التلاتة وبدون أي مقدمات، فتحوا الباب وزقوهم برة على الرصيف الخرساني بتاع الجنينة.
وقفت أتفرج من الكاميرات على طارق، وميرفت، وداليا وهما بيتكعبلوا في ممر العربيات.. اتجرّدوا من عربياتهم، ومن كرامتهم، ومن القوة المزيفة اللي كانوا عايشين فيها. اتجبروا يمشوا على رجليهم في حر الضهر عشان يرجعوا بهدومهم الغالية، وكل شوية يبصوا وراهم برعب، وخلاص بقوا عايشين طول عمرهم في خوف ومرض من عالم الغول.
قفلت اللاب توب بتاعي.
بعد عشر دقائق، الموبايل “الخط المجهول” اللي حطاه على كومودينو أوتيل المنتزه في إسكندرية اتهز.
رديت وفتحت السبيكر، وسبت السكوت في الخط يطول.
”ملك.. ملك، أرجوكي.. الله يخليكي، أرجوكي،” صوت طارق جه من السبيكر وهو بيقطع، ومعاه صوت دوشة عربيات سريعة على الطريق السريع. كان بيعيط وينشج.. صوت مثير للشفقة والاشمئزاز.
”أخد عربيتي يا ملك،” طارق قالها وهو بيشهق ومش قادر ياخد نفسه. “معاه رخصتي وحاجتي! وقال لداليا إنه عارف هي بتنام فين! أمي بتموت من الرعب وجالها نوبة هلع ومرمية على جنب الطريق! لازم تكلمي الراجل اللي اسمه عِمران ده يحل عنا! إحنا آسفين! هنديكي كل حاجة في الطلاق! بس قوليله يسيبنا في حالنا!”
وقفت ومشيت ناحية الشباك الكبير اللي واصل من الأرض للسقف، وبصيت على البحر في إسكندرية والمنظر الساحر. المكان كان شكلها يجنن. محستش بأي شفقة. ولا بأي حزن. كل اللي حسيته هو انتصار رهيب ورد اعتبار لكرامتي وكرامة أبويا وأمي.
”أنت قولتلي إنك هترميني في الشارع ومعيش غير الهدوم اللي عليا يا طارق،” قولتها وصوتي كان ناعم ورايق زي الحرير، ولا فارق معايا أي حاجة.
”ملك، أرجوكي—”
”واضح إنك أنت اللي بتمشي في الشوارع دلوقتي،” قاطعته ببرود قاتل. “أنا مأجرتش عِمران.. أنا مجرد بعتله بيت. أي حوار بينك وبينه دلوقتي يخصك أنت لوحدك. هو بقى صاحب البيت بتاعك دلوقتي يا طارق.. اتعامل معاه باحترام.”
”ملك، متعمليش كدة! أنا جوزك!”
”انسى الرقم ده خالص يا طارق،” همست. “وإلا هباصي رقمك الجديد للمعلم عِمران.”
وقلتله “سلام” وقفلت السكة في وشه علطول من غير تردد. فكيت ضهر الموبايل الرخيص، شيلت شريحة الـ SIM الصغيرة، ورميتها في كاس المية بتلج بتاعي. وقفت أتفرج عليها وهي بتغطس للقاع بين مكعبات التلج.
وديت ضهري للشباك، ومشيت ناحية الخزنة الحديد، وأخيراً فتحت الشنطة.. رزم الفلوس الكاش كانت بتبصلي. خلاص، جه الوقت اللي هبني فيه إمبراطوريتي الخاصة، الإمبراطورية اللي مفيش مخلوق هيقدر يسرقها مني تاني.
الفصل السادس: مخططات الحرية
بعد مرور سنة.
شمس الساحل كانت مدفية وشي، وريحة البحر المختلطة بالياسمين والورد كانت مالية المكان. كنت قاعدة في البلكونة الواسعة البيضاء بتاعة شقتي الجديدة على البحر في الجونة، وبسمع صوت الموج وهو بيخبط في الشط بانتظام.
قدامي على التربيزة القزاز كانت الرسومات الهندسية والمخططات النهائية لشركتي الجديدة للديكور الداخلي. المليون وستمائة ألف جنيه بتوع البيت كانوا مجرد البداية “رأس المال”.. وبفضل الشغف والتركيز اللي مفيش حاجة بتعطله، قدرت أضاعف المبلغ ده في 12 شهر بس. كنت وشي منور، وبصحة ممتازة، ولأول مرة في حياتي كلها.. حاسة إني فوق الصدمات ومفيش حد يقدر يلمسني.
الباب القزاز اللي ورايا اتفتح بهدوء. دخل “توماس”، الشاب المسؤول عن خدمات المبنى، وهو مبتسم وشايل صينية فضة.
”آسف على الإزعاج يا فندم،” توماس قالها بابتسامة لطيفة. “الظرف ده وصلك عن طريق شركة شحن خاصة.. مفيش اسم للراسل، بس مكتوب عليه سري للغاية.”
”شكراً يا توماس،” قلتها وأنا باخد منه الظرف البني الصغير والمقفل جامد.
استنيت لحد ما مشي، وبعدين فتحت الختم بفتّاحة الجوابات الفضة.
جوه الظرف، كان فيه ورقة حكومية رسمية، ومعاها كارت شخصي فخم ولونه أسود مطفي.
فتحت الورقة الأول.. كانت رخصة وعقد ملكية عربية. ملكية عربية رينج روفر موديل 2023.. العربية الـ SUV الفاخرة اللي كانت أغلى حاجة عند طارق وتمنها ملايين.
بصيت على خانة “المالك”.. لقيتها اتنقلت رسمي وقانوني باسم شركة قابضة أنا أسستها من كام شهر. المعلم عِمران ساب العربية معاه سنة لحد ما الجو يهدى، وبعدين رجع الحق لأصحابه ونقلي الملكية في صمت.
مسكت الكارت الأسود المطفي.. كان مكتوب على ضهره بخط فضي شيك وأنيق، رسالة قصيرة:
”الفيلا جميلة جداً.. والخشب الأرو العمولة مستحمل وزي الفل. ورش المبيدات الحشرية كان ناجح جداً وبأعلى كفاءة. خلي بالك من نفسك يا ملك. – ع.”
سندت ضهري على الكرسي وضحكت من قلبي.. ضحكة صافية ومبهجة طارت مع نسمة البحر، ضحكة مفيهاش أي أثر للظلام اللي كان محاوطني زمان.
حسب آخر تقرير جالي من المحري الخاص اللي كنت مأجراه عشان يراقبهم من بعيد.. طارق دلوقتي أعلن إفلاسه تماماً. مكتب المحاماة الكبيرة اللي كان شغال فيه رفده بعد تصرفاته الغريبة والشكاوي اللي خلتهم يخسروا اتنين من أكبر عملائهم. دلوقتي راكب عربية فيات قديمة ومصديّة وقاعد في بدروم أمه “ميرفت” الضلمة واللي مليان رطوبة في العجوزة، بعد ما اضطروا يبيعوا شقة مدينة نصر ووسط البلد عشان يسدوا ديونهم وقضاياهم. اتطردوا من كل الدوائر الاجتماعية بتاعتهم، وبقوا يخافوا يوروا وشهم في النادي، وبيترعبوا من خيالهم.. ومقتنعين إن أي عربية جيب سوداء بتعدي من قدام البيت تبع المعلم عِمران. أما داليا، فجالها انهيار عصبي وسابت القاهرة كلها ونقلت لبيت ريفي صغير في الأرياف، من كتر رعبها من زحمة وشقق المدن.
كانوا عايزين يسيبوني معيش حاجة.. بس في جريتهم العمياء وطمعهم عشان يسرقوا تاجي، جريوا برجليهم لحد المقصلة اللي صنعوها بنفسهم.
شيلت الكارت الأسود في الجيب الأمامي لأجندتي الجلد. وبصيت تاني على المخططات الهندسية لشركتي الجديدة، وأنا بمشي صباعي على خط الأساس.
أنا اتعلمت الحقيقة الكاملة عن القوة.. القوة الحقيقية مش بالصوت العالي. ولا بالخناق والتهديد بالفلوس. القوة الحقيقية هي القدرة المرعبة إنك تقف على جنب بكل هدوء، وتفتح الباب، وتسيب الوحوش اللي أعداءك صنعوها بنفسهم.. تاكلهم وهما صاحيين.
أعظم انتقام مكنش إني أتفرج على أعدائي وهما بيتحرقوا.. الانتقام الحقيقي كان إني أبني حياة جميلة وناجحة على نور نارهم وهي بتولع.