الزوج الخائن

جوزي قال إنه مسافر تبع الشغل، فقلت أخد صينية بسبوسة وأروح أواسي أرملة صاحبه الروح بالروح.. بس أول ما الباب اتفتح، دموعي اتجمدت في عروقي وكنت هقع من طولياستغربت لما لقيت جوزي واقف قدامي وبيقلي بتعملي إيه هنا، كأن أنا اللي غريبة وجاية أتطفل عليهم، في حين إني كنت واقفة وشايلة صينية البسبوسة بالمكسرات اللي لسه جايباها طازة وسخنة من حلواني شهير في مصر الجديدة، وعليها كارت صغير مكتوب فيه “لأميرة.. ربنا يصبر قلبك”. أميرة دي تبقى أرملة تامر، صاحب جوزي وأنتيمه اللي مات فجأة من شهر بس بسكتة قلبية وصدمنا كلنا. أنا كنت رايحة ومتخيلة إني هلاقيها منهارة وقاعدة لوحدها بتعيط في شقتها اللي في المعادي، الشقة اللي ياما اتجمعنا فيها وسهرنا وضحكنا سوا، لكن لما الباب اتفتح، ما ظهرتش أميرة خالص، اللي ظهر كان حازم، جوزي، الراجل اللي المفروض إنه في الإسكندرية بقاله ثلاث أيام بيخلص صفقة العمر لشركته، وهو نفسه اللي لسه باعتلي فويس الصبح بيقولي فيه “وحشتيني يا حبيبتي، مش قادر أستنى لما أرجع وأضمك”. كان واقف قدامي حافي، فاقع زرارين من قميصه، وفي إيده كاس، وعلى وشه نظرة عمري ما هساها، ما كانتش نظرة خوف ولا كسوف، كانت نظرة بني آدم بيحسب خطواته ويلعبها صح. ولمحت من وراه الصالة ضلمة ومشغلين شموع، وكاسين على الترابيزة، وأميرة واقفة في الطرقة، وشها جايب ألوان وشعرها مبلول ولابسة كاش مايوه ما ينفعش تظهر بيه قدام ضيوف غُرب. حازم حاول يلحق الموقف وقالي يا مريم مش هو ده اللي في دماغك خالص، فبصيت للصينية اللي في إيدي وبصيتله وقلتله أنا كنت فاكراك في إسكندرية، فسكت ثانية كأنه بيدور على كدبة سريعة وقالي أنا رجعت بدري عشان أميرة كانت محتاجاني أساعدها في أوراق المعاش وحصر الإرث بتاع تامر، فسألته وعلشان كده ما قلتليش؟ هنا أميرة قربت وقالتلي يا مريم والله العظيم الموضوع ليه تفسير تاني خالص. أنا ما صرختش، وما رميتش الصينية في وشهم، ولا عملت نمرة لادعة زي اللي بنشوفها في المسلسلات، أنا بس حسيت بحاجة جوايا بتتكسر بنضافة وهدوء يرعب. حازم مد إيده يمسك دراعي فبعدت عنه وقلتله إياك تلمسني، ونزلت على السلم جري والصينية في إيدي، رميتها على الكرسي اللي جنبي في العربية وفضلت سايقة ولفيت شوارع القاهرة كلها بلا هدف، عديت على صلاح سالم، ودخلت في زحمة أكتوبر، وشوارع حافظاها صم بس حسيت فجأة إن كل حاجة غريبة وكأن حد غير معالم المدينة وأنا مش واخدة بالي. حازم رجع البيت على الساعة تسعة بالليل، دخل بالراحة وخطواته حذرة كأنه خايف كلمة غلط تهد المعبد كله فوق دماغه، وقالي مريم أنا لازم أشرحلك، فقلتله اتفضل اشرح. قعد قدامي في المطبخ وفضل يرص كلام عن إن أميرة حالتها النفسية تدمرت وتامر ساب وراه ديون وشيكات، وإنه بيساعدها بس عشان تامر كان أخوه، وما رضيش يقولي عشان خاف أفهم غلط، وإن كاسين الروقان دول كانوا بس عشان يهدوا أعصابها. فضل يتكلم وأنا ساكتة تماماً، وفي وسط كلامه فجأة فهمت حقيقة تقرف، جوزي ما كانش بيرتجل، الكلام ده كان متحضر ومترتب ومحفوظ من بدري قوي. ليلتها مَثّلت إني صدقته، ونمت جنبه في السرير، وفضلت سامعة صوت نفسه المنتظم لحد ما اتأكدت إنه غرق في النوم، وسحبت تليفونه براحة، وأنا حافظة الباسورد بتاعه، تاريخ اليوم اللي كنا مستنيين فيه بنتنا اللي ما جتش للدنيا، عشان كنا دايماً بنأجل ونقول السنة الجاية لحد ما العمر سرقنا. فتحت الرسايل، ما كانش كاتب اسمها “أميرة”، كان مسيفها باسم “أبو سيف مقاولات”. آخر رسالة منها كانت بتقوله “تفتكر مريم شاكة في حاجة؟”، وهو رادد عليها “لا.. أنا سيطرت على الحوار”. جسمي كله قشعر من القرف، بس الرسالة اللي بعدها كانت الصدمة اللي شلت حركتي، أميرة كاتبة له “هتقولها إمتى بقى موضوع الحمل؟”. إديا اتجمدت على الشاشة، ونزلت بالرسايل تحت شوية ولقيت رسالة من أسبوعين بتقول “تامر ساب جواب قبل ما يموت، شكلة كان عارف كل حاجة يا حازم، لازم نتكلم ونشوف هنعمل إيه قبل ما مريم تلاقيه وتقرأه”. سبت التليفون على السرير وكأنه حتة نار مسكت في إيدي. في أقل من دقيقة، حياتي وبيتي اتنقلوا من خانة الشك لخانة المصيدة، وأنا لسه ما اعرفش تامر الله يرحمه كتب إيه في الجواب ده ومستنيني اكتشفه.. وكل اللي جاي كان أغرب من الخيال ونقطة التحول الحقيقية في عمري كله.

1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *