متاخرة

“كنت متأخرة تلات دقايق بس على القطر، بس لما طلعت أخيرًا، لقيت خطيبي مدي الكرسي بتاعي اللي جمب الشباك للمتدرجة الجديدة عنده، ولافف الجاكيت بتاعه عليها، ومستنيني أعد في أي حتة ورا.
​فنزلت قبل ما القطر يطلع.
​وبعدها ألغيت فرحنا.
​الجزء الأول
​كنت بجر الشنطة بتاعتي بالعافية بين الناس في عربية القطر المليانة، مهدودة وعايزة أي طريقة أقعد بيها في الكرسي اللي جمب الشباك اللي أنا حجزاه.
​بس أول ما وصلت عند الصف بتاعي، وقفت مذهولة.
​كاميليا، المتدرجة الجديدة اللي شركتنا لسة مأجراها قريب، كانت قاعدة في كرسيي.
​دا لوحده كان هيضايقني.
​بس اللي خلاني أتسمر في مكاني بجد، كان جاكيت البدلة الصوف الرمادي الغامق اللي كان ملفوف على رجلها براحة.
​عرفته على طول.
​دا بتاع طارق، خطيبي بقاله خمس سنين.
​وطارق كان واقف جمبها بالظبط.
​إيد سانده على ظهر الكرسي بتاعي، والإيد التانية ماشية بالحنية في شعر كاميليا وكأن مواساتها دي أطبع حاجة في الدنيا.
​”هتبقي كويسة،” طارق كان بيمسد عليها بصوت واطي، ومارسًا مش واخد باله خالص من الركاب اللي بيزقوا فينا. “فريدة مش مفترية ولا حاجة. أنا من مسؤوليّتي إني أخد بالي منك.”
​كاميليا رفعت عينيها المدمعة ليه.
​”بس يا طارق، دا كرسي فريدة. افرض زعلت؟”
​طارق مأخدش ثانية تفكير.
​”هتفهم.”
​في اللحظة دي أخيرًا أخد باله مني وأنا واقفة في الطرقة.
​وبدل ما يبان عليه ذنب، أو إحراج، أو حتى مفاجأة، وشه اتشد بغضب وضيق.
​”تأخرتي كل دا ليه؟” سألني. “كاميليا تعبانة ومغصوبة. روحي قعدي في أي كرسي فاضي ورا.”
​مشيت بعيني مع إيدوه اللي بيشور بيها.
​على بعد كام صف، كان فيه كرسي على الطرقة ضيق، جمب عيل صغير عمال يصرخ بأعلى صوت عنده.
​بصيت لطارق تاني بالراحة.
​”دا الكرسي بتاعي المترقم، صح؟”
​صوتي كان هادي لدرجة إني أنا نفسي استغربته.
​كتاف طارق اتشنجت.
​”فريدة، وحياتك بلاش تعملي شو وفضيحة هنا. أنتِ مدير أول. وأنتِ خطيبتي. مش عارفة تطلعي حبة جدعنة وطيبة؟”
​خطيبتي.
​الكلمة فجأة بقى ليها طعم يضايق ويهين.
​عشر سنين… خمس سنين وأنا بصرف وبساعد في تجهيز حياتنا وبسند شغل طارق في كل خطوة من غير ما أتكلم.
​كنت بظبطله العروض بتاعته.
​أعرفه على ناس من المعارف بتوعي في الشغل.
​أساعده يحضر للمقابلات والاجتماعات الكبيرة.
​وأغطي المصاريف كل ما فلوسه تقع منه.
​ودلوقتي، بسببه، كلمة “خطيبته” دي بقيت تعني إني المفروض أتنازل عن الكرسي اللي حجزاه بفلوسي عشان الست المتدرجة بتاعته ترتاح.
​ما جادلتش.
​ما علتش صوتي.
​كل اللي عملته إني بصيت في ساعتي.
​فاضل دقيقة والقطر يتحرك.
​لفيت شنطتي وبدأت أمشي ناحية الباب.
​”فريدة!”
​صوت طارق حصصلني.
​”أنتِ رايحة فين ينعل…؟”
​ولأول مرة، سمعت نبرة خضة ورعب في صوته.
​نزلت على رصيف المحطة قبل ما أبواب القطر تقفل بثواني.
​ومن ورا الإزاز، كنت شايفه طارق وهو مبلم فيا وكاميليا لسة ملفوفة في الجاكيت بتاعه.
​وبعدين القطر بدأ يتحرك.
​موبايلي رن وجالي مسج على طول.
​رسالة من طارق.
​هو دا معناه إيه إن شاء الله؟
​بصيت للشاشة ثانية.
​وبعدين طلعت ضحكة مفيهاش أي أمل ولا هظار، وكتبتله.
​معناه إننا خلاص فركشنا.
​بعت الرسالة.
​وبعدين فتحت شات تاني.
​منظمة الفرح.
​لو سمحتي جمّدي كل عقود الفراشة والميك أب والقاعة فورًا. الفرح اتلغى.
​بعد ما بعتها، بصيت لإيدي ولخاتم الخطوبة اللي في صباعي.
​ألماسة الشابكة اللي كانت زمان بالنسبة لي بتعبر عن كل حاجة حلمت بيها في مستقبلنا.
​طارق عمره ما عرف إن لما الكارت بتاعه اترفض وما كفاش، أنا اللي دفعت باقي المبلغ من وراه عشان ما أحرجوش قدام الصايغ.
​سحبت الخاتم من صباعي.
​ورميته في أعمق سوستة مقفولة في شنطتي.
​الفرح بح.
​الخطوبة بح.
​بس سفريتي ما بحتش.
​لفيت وربطت وشي ناحية شباك تذاكر محطة مصر.
​طارق أكيد فاكر إني هرجع البيت وأقعد أعيط في السرير.
​كان غلطان.
​أنا لسة محتاجة أروح إسكندرية.
​مش عشان أجري ورا راجل لسة ممرغ كرامتي في الأرض عشان خاطر المتدرجة بتاعته.
​أنا رايحة لأن صفقة الملايين اللي مستنيانا هناك في آخر السكة، تابعة للمشروع بتاعي أنا.
​وطارق شكله نسي تفصيلة صغيرة مهمة جداً.
​مستقبله وشغله معتمدين على الصفقة دي أكتر مني بكثير.
​وأنا مروحة ناحية شباك التذاكر، أدركت حاجة تانية.
​طارق فاكر إن أوحش حاجة حصلتله الصبح هي إنه خسر خطيبته.
​هو ميعرفش إيه اللي مستنيه في إسكندرية.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *