نوران 3 الاخير
پريا لقيتني بعد عشر دقائق، في الممر الضيق اللي ورا المطبخ، حيث العمال بيشيلوا جواكتهم وماكينة الثلج بتعمل صوت خربشة زي ما يكون بتروح في فيفي.
كنت راجعة هناك عشان أخد نفسي. وعشان ابطل أترعش.
سندت على الحيطة جنبي، ومربعة إيديها، ولسه في لبسها الموحد، والصينية مالهاش أثر خالص.
«إنتِ كويسة؟» سألتني.
«مش عارفة أنا إيه أصلاً دلوقتي.»
«معاكِ حق.»
قفنا في صمت شوية، النوع اللي مش محتاج كلام يمليه.
«ليه قلتي كدة؟» سألتها في الآخر. «كنتِ ممكن تفضلي ساكتة. محدش كان هيعرف إنك شلتي الصفحة دي.»
پريا نزلت عينها لإيديها. «لأن شفتك وأنتِ ماشية ناحية الأبواب دي الليلة دي، وتامر بيصرخ إنه هيطردك، وإنتِ حتى ما قللتِش سرعتك.» هزت راسها. «أنا شغالة هنا من تمانتاشر شهر. بلعت إهانات أسوأ من اللي قالها لك دي يمكن مية مرة. وكل مرة، كنت بقول لنفسي إن الموضوع ما يستاهلش الخناقة.»
«والليلة دي؟»
«الليلة دي شفت حد تاني شايف إنها تستاهل،» قالت. «وخلى جبني أنا صعب أتعايش معاه أكتر من كدة.»
«إنت مش جبانة،» قلت. «عندك أم تعبانة. وفيزا متوقفة على الشغلانة دي. أنا عارفة ظروفك يا پريا. حكيتي لي كفاية في آخر الشفت.»
«ده مش بيخلي الجبن مش جبن. ده بيخلي الجبن حاجة أعرف أبررها لنفسي.» وأخيراً رفعت راسها. «إنتِ ما كانش عندك أي حاجة من دول الليلة دي. مفيش شبكة أمان. إنتِ بس مشيتي.»
«أنا ما كنتش شجاعة،» اعترفت. «أنا بس ما كنتش قادرة أشوفه بيخلي الباب ده يتقفل.»
«دي الشجاعة عادةً شكلها إيه،» پريا قالت. «مش عظيمة. بس حد رافض يخلي الحاجة السهلة تحصل قدامه.»
زقت نفسها بعيد عن الحيطة، وعدلت مريلتها كأنها بتستعد ترجع تاني، ترجع للنسخة بتاعة الليلة دي اللي لسه فيها خدمة عشاء تخلص، وفواتير تتقفل، وتامر قاعد في حتة بيضمد سلطته المجروحة.
«وعلى فكرة،» قالت، «أنا مش هقبل الشغلانة اللي أحمد معلقها قدامي عشان إحساس بالذنب. أنا قررت خلاص، قبل ما أي حاجة من دي تحصل، إني خلاص زهقت من السكوت عشان أخد المرتب. كنت هأقول حاجة عن تامر في يوم من الأيام. بس ما كنتش أعرف إنها هتبقى الليلة دي، قدام زعيم مافيا وسبعين مليون دولار.»
كنت هاضحك تقريباً. الصوت فاجئنا إحنا الاتنين.
«أنا جادة،» قالت وهي بتضحك رغم نفسها. «كان معايا جواب استقالة كامل. مكنش لسه طبعته.»
«إيه اللي غير رأيك؟»
«إنتِ،» قالت. « وأنتِ ماشية ناحية الأبواب دي وكأن تهديد تامر مجرد صوت مزعج. ده خلاني أستوعب إني كنت بتعامل مع صوتي أنا كمان كأنه صوت مزعج. وقررت إني خلاص زهقت من ده.»
ضغطت على دراعي ضغطة واحدة، سريعة ومتأكدة، ورجعت ناحية صالة الأكل، وكتافها مرفوعة بطريقة مختلفة عن اللي كانت عليها من ساعة. مش بتمثل الثقة. بس واقفة جواها.
فضلت في الممر شوية كمان، وماكينة الثلج بتئن جنبي، وبفكر قد إيه كان غريب إن أشجع لحظة في ليلتي ما كانتش بتاعتي أصلاً على الوقت اللي انتشرت فيه وبره. بقت بتاعت پريا. ويمكن تبقى بتاعت حد تاني بكرة، وتتوارث زي شمعة متولعة وتتسلم لغيرها قبل ما تطفى.
ستي كانت دايماً بتقول حاجة شبه كده، بالحرف. مش بالإنجليزي. باللهجة اللي كانت بتشيلها للقصص اللي كانت بتحكيها نص حكاية وبعدين تسكت.
الشجاعة مش شمعة بتحتفظ بيها. دي شمعة بتولعها وتسلمها لغيرها قبل الشمع ما يخلص.
كنت دايماً فاكراها مجرد مثل. جملة حلوة لست بتحب الكلام زي ما الناس التانية بتحب المزيكا.
دلوقتي كنت بسأل نفسي يا ترى كام إيد النور ده اتنقل بينها قبل ما يوصل لإيدي.
لما رجعت للصالة تاني، كانت صالة الأكل اتغيرت تماماً. أحمد كان مشي — مستدعى، زي ما وليد قال لي بهدوء، لمكتبه عشان يبدأ يكتب العقد المعدل قبل ما المحامين بتوعهم يصحوا ويعرفوا هم هيعيدوا إيه بالليل. تامر مكنش له أي أثر، مع إني عرفت بعدين إنه اتقال له بهدوء إن شغله في بيلاذر روم مش هينفع يكمل بعد آخر الشهر. مش مطرود صراحة. مسموح له يستقيل، ودي كانت رحمة أحمد الصغيرة، يمكن عشان مسؤوليته القانونية أكتر ما هي كرامة تامر.
كريم وليلا فضلوا على الترابيزة بتاعتهم، ومعاهم وليد، التلاتة كانوا بيتكلموا بصوت واطي وقف أول ما قربت.
«اقعدي،» كريم قال تاني، وشاور على الكرسي اللي بقى بطريقة ما بتاعي لليلة دي.
قعدت.
ليلا كانت بتدرسني بملامح ما شفتهاش منها قبل كده — مش فضول المرة دي. حاجة ألطف.
«أنا مديونة لك باعتذار،» قالت.
«على إيه؟»
«على الطريقة اللي بصيت لك بيها بدري. لما كريم قال اسم جدتك.» طبقت إيديها على الترابيزة. «في تلاتين سنة جواز، شفت جوزي بيدور على عفريت. ما كنتش عارفة أكون مرتاحة ولا مرعوبة وأنا شايفة العفريت ده ليه وش أخيرًا.»
«أنا مش هي،» قلت. «مش عايزاكِ تفتكري إني بحاول أكون هي.»
«أنا عارفة،» ليلا قالت. «إنتِ حاجة تانية. حاجة هي عملتها، ممكن. بس مش هي.»
كريم مد إيده ومسك إيد مراته، حركة صغيرة قالت عن سنينهم الأربعين سوا أكتر ما أي جملة ممكن تقولها.
«فيه حاجة ما حكتهاش لحد فيكم،» وليد قال بهدوء. «حاجة كان المفروض أقولها من زمان.»
كريم لف.
«قلت لك إني لقيتك في الحارة دي،» وليد قال. «الجزء ده حقيقي. بس أنا ما جريتش على الملجأ لأني بالصدفة كنت أعرف إنه قريب.»
«امال ليه؟»
إيد وليد شدت على طرف الترابيزة.
«لأني كنت هناك قبلك،» قال. «قبلها بتلات شهور. أنا كنت الشخص اللي عيلتك بعتته يدور على شغل في أمريكا الأول، فاكر؟ قبل ما تيجي أصلاً. أنا كنت الشخص اللي اختفى لأول مرة لمدة أحد عشر يوماً — ومارجريت بركات هي اللي لقيتني.»
«مارجريت.»
«هي ما سألتنيش أسئلة ما أقدرش أجاوب عليها،» وليد قال. «ما بلغتنيش، ما سألتنيش على أوراق، ما عاملكنيش كأن ليّا مشكلة حد تاني المفروض يحلها. هي بس قالت، ‘هتاكل حاجة سخنة النهاردة، ونشوف الباقي بكرة.’ وبعدين فضلت تقوها. تسع أيام.»
بص لتحت لإيديه.
«لما جيت بعد تلات شهور ووقعت في مشكلة بتاعتك، أنا اللي قلت لك تروح فين لو الأمور باظت. بس عمري ما قلت لك إني كنت ببعتك لنفس الباب اللي انقذني أنا الأول.»
كريم فكه اتحرك بصمت للحظة.
«ليه تخبي عني ده؟ كل السنين دي؟»
«علشان الاعتراف إني كنت محتاج إنقاذ الأول،» وليد قال، «كان معناه إني مش ابن العم القوي اللي جاي يحميك. أنا كنت مجرد عيل خايف حظه حلو قبلك، وبعدين قضيت أربعين سنة بخليك تصدق إن الأمور كانت متظبطة معايا دايماً.» طلع زفير ببطء. «الليلة دي، وأنا شايفها —» شاور عليا من غير ما يقابل عيني تماماً « — استوعبت إني قضيت أربع عقود بحمي نسخة من نفسي ما كانتش حقيقية أصلاً. حاجة متعبة بصراحة، في الآخر.»
محدش تكلم للحظة. المطعم حوالينا كان رجع لطبيعته العادية تقريباً — همس هادي من زبائن تانيين، مش حاسين بالمحادثة اللي بتنفك على الترابيزة دي، وضوء الشموع بيلقط حواف كاسات النبيذ اللي محدش على ترابيزتنا لمسها من نص ساعة.
«هي انقذتنا إحنا الاتنين،» كريم قال في الآخر، وكأنه بيكلم نفسه. «كنت دايماً فاكر إني أنا الوحيد.»
«هي غالباً انقذت أكتر من اتنين،» قلت بهدوء. «لو اسمها محفور على حيطة ومعاها أسماء تانية كتير، هي ما كانتش بتعمل كده عشان ولد خايف واحد بس. هي كانت بتعمل كده عشان دي الإنسانة اللي قررت تكونها، قبل ما أي واحد فيكم يدخل حياتها بكتير.»
كريم بصلي بحاجة استقرت، في الآخر، على اليقين الهادي.
«إنتِ شبهها،» قال.
«أنا ما عرفتهاش بالشكل ده،» اعترفت. «أنا عرفتها كست بتعمل شوربة لما بكون تعبانة وبتصلح تصريفات الأفعال العربي كأنها قضايا أمن قومي. ما كنتش أعرف إنها خبت لاجئين. ما كنتش أعرف إنها غيرت مسار —» شاور بإيده بخفة على المكان، على الراجلين اللي قدامي، على حجم كل اللي بيتفتح «— أيا كان ده إيه.»
«يمكن ما كانتش عايزاكِ تعرفي،» ليلا عرضت بلطف. «يمكن كانت عايزاكِ يكون عندك جدة، مش أسطورة.»
الكلام ده نزل مكان ناعم و موجع في صدري.
«أنا أعتقد إني بحب أشوفها،» قلت. «اللوحة. اسمها على الحيطة. عمر ما شفتها.»
ملامح كريم اتحولت لحاجة قريبة من الامتنان، كأنه كان بيتمنا أني أسأل وما كانش عايز يفترض.
«بكرة،» قال. «هأخدك بنفسي.»
هزيت رأسي، زوري مشدود.
وليد نَحْنَح، ووقف ببطء، وفي وضعية جسمه في حاجة أخف بالرغم من الاعتراف اللي لسه قايله.
«المفروض أكلم المحامين تاني،» قال. «أتأكد إن تعديل أحمد مفيش فيه صفحات تانية ناقصة.»
«يا وليد،» كريم قال، قبل ما ابن عمه يبعد.
وليد وقف.
«شكراً،» كريم قال. «علشان حكيتها أخيرًا.»
زوره اتحرك. هز راسه مرة واحدة، بحاد، ومشي ناحية غرفة الأكل الخاصة اللي أحمد كان اتنازل عنها لمفاوضات الليلة.
ليلا استاذنت بعد دقايق قليلة، وطبعت بوسة خفيفة على جبهة كريم، وهي بتهمس بحاجة عن الاطمئنان على العربية وإعطائنا اللحظة دي، اللي كنت حاسة إننا محتاجينها من غير ما أي حد فينا يطلبها.
وسابتني أنا وكريم، لوحدنا على ترابيزة شالت حطام وتصليح ليلية كاملة.
«ممكن أسألك سؤال؟» قلت.
«طبعا.»
«ليه عمرك ما رجعت؟ بعد ما دورت وما لقيتش حاجة. ليه تفضل محتفظ باللوحة، ومستمر تستثمر في مبنى مرتبط بست ما قدرتش تلاقيه، لتلاتين سنة؟»
كريم فكر في السؤال أكتر مما كنت متوقعة.
«لأن فيه ديون مش مفروض تتسدد للشخص نفسه،» قال في الآخر. «دي المفروض تتسدد للي بيمثلوه. ما قدرتش ألاقي مارجريت بركات. فقررت إني أتأكد إن أي حد محتاج اللي هي ادته لي دايماً يلاقي باب بيفتح بنفس الطريقة اللي بابها فتح بيها.» وقف ثانية. «ما كنتش أعرف، لحد الليلة دي، إن الدين هيلقي طريقه ويرجع لي تاني through دمها.»
مكنش عندي إجابة لده. بعض الصمت، كنت بتعلم، مش محتاج كلام يمليه.
«فيه حاجة تانية،» كريم قال، ومد إيد لجوا الجاكيت بتاعه. طلع صورة صغيرة قديمة، أطرافها ناعمة من كتر السنين، وزحلقها عبر الترابيزة.
مسكتها بحذر.
بنت شابة، يمكن اتنين وعشرين سنة، واقفة قدام مبنى طوب أحمر، بتضحك على حاجة برة الكادر، والدقيق ناعم على خدها كأنها اتقفشت في نص الشغل وما كانش فارق معاه.
إيدي بدأت تترعش قبل ما أفهم ليه بالكامل.
دي تيتا.
أصغر مما عرفتها في أي وقت. أسرع، بطريقة ما متماشية مع الست الحذرة والمحسوبة اللي ربتني.
«جبتی دي منين؟»
«احتفظت بيها،» كريم قال ببساطة. «تلات وأربعين سنة. ما كنتش أعرف اسمها الأخير. ما كنتش أعرف إذا كانت حية ولا ميتة. بس احتفظت بيها، لأنها كانت الإثبات الوحيد اللي عندي إن طيبة بالشكل ده موجودة في العالم، في الليالي اللي كنت ببدأ أشك فيها.»
بصيت على الصورة لحد ما الأطراف غاوشت، واستوعبت إني كنت بعيط قبل ما أقرر ده بوعي.
«احتفظي بيها،» كريم قال بلطف. «المفروض تكون مع حد حبها لباقي الطريق.»
«ما نمتش الليلة دي.»
قعدت على ترابيزة المطبخ بتاعتي — نفس الترابيزة، اللي تورثتها مع الشقة، واللي تيتا كانت علمتني عليها اللهجات لحد ما لساني وجعني — وحطيت الصورة جنب القلادة اللي فكيتها أخيرًا من رقبتي عن قُرب، تحت نور المطبخ، قدرت أخيرًا أقرا العربي المنقوش على القرص الدهب الصغير بوضوح وببطء، بالطريقة اللي تيتا علمتني بيها إزاي أقرا الحاجات اللي ليها قيمة.
ما كانش اسم.
كان جملة.
اللي تنقذه، ينقذك.
قعدت مع الجملة دي فترة طويلة.
بعدين فتحت الصندوق الخشب القديم اللي كنت محتفظة بيه في الدولاب — الصندوق اللي تيتا سابتهولي، ومليان صور عمري ما فرزتها بالكامل عشان الحزن كان بيخلي بعض الأدراج أصعب في الفتح من غيرها. كنت بقول لنفسي تلات سنين إني مش جاهزة.
اللليلة دي، كنت جاهزة.
تحت صور قديمة لأمي وهي طفلة، وتحت فستان فرح متطبق مصفر عند الدانتيل، لقيت أجندة جلد رفيعة عمري ما اخدت بالي منها قبل كده، محشورة ببطء في قاع الصندوق كأنها محطوطة عشان تتلاقي في يوم من الأيام، مش بسرعة.
الخط اللي جوه كان بتاعها بدون شك.
معظمه كان كلام عادي — لستات طلبات، أدعية، وصفات أكل نص سوا. بس قريب من النص، بتاريخ أكتوبر 1979، لقيت سطر وقف نفسي تماماً.
ولدين الشهر ده. الاتنين مرعوبين، والاتنين متأكدين إن محدش هيساعدهم عشان مفيش حد ساعدهم قبل كده. أكلتهم. وعلمتهم كلام كفاية عشان يطلبوا اللي محتاجينه من غير كسوف. أعتقد الصغير هيعمل حاجة عظيمة في حياته، لو عاش فترة كفاية عشان ياخد الفرصة. بطلب من ربنا يديله الفرصة.
ما قلتش لأي حد أساميهم. لو حد سأل في يوم من الأيام، هقول إني مش فاكرة. بعض أنواع الطيبة أضمن إنها تفضل مستخبية بدل ما تتقال في العلن.
وتحتها، بحبر مختلف، متضاف بعدين — سنين بعدين، من شكل الرتعشة في خطها اللي كنت عارفاها من سنينها الأخيرة —
لو بتكتبي الكلام ده يا نوران، فمعناه إني مشيت، وإنتِ لقيتِ أكتر من جرايد قديمة. أنا كنت عارفة دايماً إن الصندوق ده هيفتح في يوم من الأيام. كنت بتمنى يفتح بشروطك إنتِ، مش بشروطي أنا.
أنا عمري ما حكيت لك عن الملجأ لأني ما كنتش عايزاكِ تفتكري إن الحب بيتقاس بكبره. أنا أكلت أطفال جعانين لأنهم كانوا جعانين، مش عشان واحد منهم هيبقى قوي. حجم اللي كبر من ده ما كانش هو المغزى أبدا.
بس لو الحياة رجعت بيكي لنفس الباب — وأنا شاكة إنها هتعرف في يوم من الأيام