الشيخ زايد

**الجزء الأول — عزومة الأحد في فيلا الشيخ زايد**
الرباط اللي كان لافف إيد بنتي كان أول حاجة لفتت نظري أول ما دخلت.
والضحكة المزيفة اللي كانت على وشها كانت تاني حاجة.
— “ماما… ماكنتش متوقعة إنك توصلي بدري كده.”
كانت “سلمى” شايلة صينية الأكل بصعوبة بإيد واحدة، والإيد التانية متثبتة ومربوطة كويس على صدرها. وهي بتلف عشان تحط الصينية، ياقة البلوزة اتزاحت شوية وتكشفت عن زرقان غامق معلم على كتفها، قبل ما تجري بسرعة وتعدل هدومها.
على رأس السفرة، كان قاعد جوزها “شريف” بمنتهى الثقة والبرود، بيقطع في عرق اللحمة الباردة وكأنه صاحب البيت والآمر الناهي. وجنبه أمه، طنط “سوسن”، بتشرب العصير في كوبايتها الكريستال وبتتفرج على سلمى وهي بتتوجع وبتحاول بالعافية تشيل طبق التقديم التقيل.
قاليت أمه بزهق ونبرة متعالية:
— “استخدمي إيدك التانية يا حبيبتي.. بنات اليومين دول بيحبوا الدلع ويعملوا حُجج من ولا حاجة.”
حطيت شنطتي بالراحه على التربيزة اللي جنب الباب، وقربت منهما.
— “هو إيه اللي حصل لإيدها؟”
سلمى بصت لجوزها بقلة حيلة وبصيرة مكسورة من غير ما تنطق بكالمة. ما ردتش.. وما كانش له لازمة ترد اصلاً. نظرة الخوف اللي في عينيها كانت أبلغ من أي كلام.
ضحكت أمه بابتسامة صفرا وقالت:
— “ابني أخيراً عرف يربيها ويعلمها يعني إيه أصول، وكيف تخدم بيت جوزها وتعرف حدودها.”
وشريف حتى ما حاولش ينكر، بل فرد ظهره على الكرسي وقال بكل عين قوية:
— “عشان بعد كده تفكر ألف مرة قبل ما تعلي صوتها أو تتحداني.”
السكوت نزل على الأوضة زي الجبل.
أخوه الصغير كان بيداري ضحكته ورا كوباية المية، وأخته بصت في طبقها وسكتت خالص. أما سلمى، فكانت صوابعها ماسكة في معلقة الغرف لدرجة إن عقل إيدها ابيضّت من كتر الضغط.
أنا قضيت أكتر من تلاتين سنة في النيابة العامة والقضاء، شفت فيهم أشكال وألوان من الرجالة اللي بيسموا العنف والافتراء “تربية وضبط”.
عارفة الوشوش دي كويس.. حافظة الرأس الموطية، والسكوت الإجباري، والخوف المتداري ورا كلام متقاس بالميزان.
عياطي أو طولة لساني دلوقتي مش هيساعدوا بنتي في حاجة.. السكوت والهدوء هما اللي هيجيبوا حقها.
آخر مرة شفت سلمى خايفة بالشكل ده، كانت وهي عندها تسع سنين لما تاهت مني في زحمة محطة مصر. وقتها، أول ما سمعت صوتي جريت واترمت في حضني.
دلوقتي هي قاعدة على بعد خطوات مني.. بس خايفة حتى ترفع عينها وتيجي في عيني. حد في البيت ده أقنعها إنها لو طلبت المساعدة، التمن هيكون غالي.
ابتسمت بهدوء وقلت:
— “ممكن أقعد جنب بنتي؟”
هز شريف كتافه وقال بلامبالاة:
— “اتفضلي طبعاً.”
سلمى اتنفضت مجرد ما سمعت نبرة صوته.
سحبت الكرسي الفاضي وقعدت جنبها. إيدها كانت مثلجة، ونبضها سريع جداً تحت أطرافي.
من تحت السفرة، فتحت موبايلي وكتبت رسالة واحدة سريعة:
*تعالى حالاً على فيلا الشيخ زايد.. وهات معاك كل أعضاء مجلس الإدارة اللي تقدر توصلهم.. واطلب من اللواء رامي فتحي ييجي معاك ضروري.*
دوست إرسال، وبعدها عملت مكالمة تانية سريعة:
— “دكتور حسام.. هحتاجك تكون جاهز الليلة دي ضروري.”
شريف أخد باله، وقال بضحكة استهزاء:
— “دكتور؟ إيه الأوفرة دي كلها عشان واحدة وقعت على السلم؟”
وقبل ما ألحق أرد عليه، سلمى اتكلمت بصوت واطي ومبحوح، زي الهمس:
— “أنا موقعتش من على السلم..”
المكان كله اتكهرب، والصمت بقى هو اللي سيد الموقف.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *