نوران 3 الاخير

— اعرفي ده: إنتِ عندك كل حاجة كانت عندي. مش العربي. الرغبة اللي تحته. العربي كان مجرد مفتاح. إنتِ كنتي دايماً الشخص الجاهز يفتح الباب.

​قعدت في مطبخي الساعة اتنين بالليل وعيطت بالطريقة اللي ما سمحتش لنفسي أعيط بيها من يوم الجنازة — مش الحزن المرتب والحذر اللي قسمته على تلات سنين، بس حاجة ألخبط، حاجة كانت واضحة إنها مستنية إذن.

​لأني فهمت دلوقتي، بطريقة ما كنتش فاهماها وأنا في المطعم محاطة بالنجف والرجالة اللي بيحركوا قاعات بحركة إيد واحدة، إيه اللي حصل بجد الليلة دي.

​أنا ما دخلتش قصة تيتا بالصدفة.

​أنا مشيت ناحية الأبواب دي عشان في جزء مني — جزء هي بنته، بعمد، وبصبر، عبر آلاف الدروس على ترابيزة المطبخ — كان عارف أصلاً إزاي يتعرف على شخص محتاج يتسمع له. أنا ما ورثتْش مهارة.

​أنا ورثت غريزتها.

​والحقيقة المرعبة والجميلة اللي كانت قاعدة تحت كل حاجة كريم حكاها لي هي دي: أنا ما كنتش غريبة دخلت بالصدفة في قصته وقصة جدتي.

​أنا كنت استمرار لها.

​القلادة ما كانتش أثر لحاجة خلصت من تلات وأربعين سنة.

​دي كانت باب تيتا سابته مفتوح بالقصد، لللحظة دي بالذات، وهي واثقة إن في يوم من الأيام، وبطريقة ما، هيفتح تاني لما يكون محتاج يفتح.

​فكرت في پريا، وهي واقفة في الممر ده، بتتكلم عن الشجاعة كشمعة بتتسلم من إيد لإيد قبل الشمع ما يخلص.

​فكرت في وليد، وهو شايل أربعين سنة من الخزي الهادي لطيبة كان خايف يعترف إنه كان محتاجها.

​فكرت في كريم، وهو بيحمي لوحة على حيطة لتلاتين سنة لأنه ما كانش عنده مكان تاني يحط فيه أربعين سنة من الامتنان.

​تيتا ما انقذتش ولد واحد في حارة وبس.

​دي بنت حاجة فضلت تنقذ ناس كتير بعد ما بطلت هي تنقذ بشكل مباشر. وبطريقة ما، بطريقة مستحيلة، اتأكدت إني هكون واقفة في الباب الصح، في اللحظة الصح، ومعايا بالظبط اللي كان مطلوب عشان يفضل شغال.

​مسكت القلادة في كفي لحد المعدن ما سخن على جدي.

​بعدين مسكت تليفوني وبعت مسدج لكريم بالحاجة الوحيدة اللي حسيتها حقيقية كفاية تتبعت الساعة اتنين بالليل.

​لقيت الأجندة بتاعتها. أعتقد إني فاهمة دلوقتي. هشوفك في مبنى ملجأ السلام بكره.

​رده جه أسرع مما كنت متوقعة، كأنه هو كمان ما كانش نايم.

​هي كانت مستنية الباب ده يفتح تاني من زمان. وأنا كمان.

​ملجأ السلام ما كانش باين عليه كتير من بره.

​طوب أحمر، مسود شوية من هباب السنين، خمس أدوار، سلم حريق طالع نازل من جنب واحد كأنه جرح التم بطريقة غلط. النوع من المباني اللي بتمشي جنبه ألف مرة من غير ما تبص له تاني، إلا لو كنت عارف هو كان مخبي إيه بهدوء جوه لأكتر من قرن.

​كريم كان مستني على السلالم اللي قدام لما وصلت، من غير فريق أمن المرة دي، من غير أي حراسة. مجرد هو، في بالطو رمادي بسيط، وشكله أصغر شوية من غير وزن نجف بيلاذر روم اللي كان ضاغط عليه.

​«شكراً لأنك جيتي،» قال.

​«شكراً لأنك استنيت.»

​مسك الباب، ودخلنا في مدخل كان ريحة ورق قديم وسخانات، أرضيات ممسوحة من كتر اقدام ناس دخلت مرعبين، وبعون الله، طلعت أهدى شوية.

​اللوحة كانت مغطية الحيطة الشرقية كلها.

​ما كانتش معقدة. مفيش فن كبير، مفيش رسم أشخاص — مجرد أسماء، مئات منها، مكتوبة باليد في صفوف مرتبة بواسطة شخص كان باين عليه بيهتم بالقراءة أكتر من الجمال، وبترجع لتاريخ في نص السبعينات وبتكمل بخطوط مختلفة، وعقود مختلفة، لحد سنة 1990، لما الملجأ قفل أبوابه للمرة الأخيرة.

​لقيت اسمها قبل ما كريم يشاورلي عليه.

​مارجريت بركات — موظفة، 1977-1981.

​الكلمة دي وبس. مفيش أي إضافات. مفيش إشارة للأحد عشر يوم، ولا التسع أيام اللي قبلها، ولا أي عدد تاني من الأيام عبر أربع سنين غيرت مسار حياة ناس هي عمرها ما هتعرف نتائجها.

​ضغطت بصوابعي على الحروف.

​«هي عمرها ما حكت لي إن كل ده كان موجود،» قلت.

​«هي غالباً ما كانتش تعرف إنه لسه موجود،» كريم قال. «المدينة حاولت تهد البلوك ده مرتين قبل كده. مرة في 94، ومرة في 2008. المرتين، في حاجة وقفت ده. أحب أقول إن ده كان بسببي أنا بالكامل، بس الحقيقة، المبنى ده عاش بعناده بنفس قدر ما عاش بفلوسي.»

​«زيها،» قلت.

​«زيها،» وافقني.

​رجعت خطوة لورا، مستوعبة الحيطة كلها، وحجم الأسماء الهائل.

​«تفتكري كام بني آدم عدى من هنا؟»

​«الموظفين قدروا حوالي أربعة آلاف، عبر خمسة عشر سنة،» كريم قال. «مفيش طريقة نعرف بيها كام واحد حياته اتغيرت بسبب ده. مفيش طريقة نعرف بيها كام من عيالهم، أحفادهم، ماشيين في المدينة دي دلوقتي، وشايلين حتت من حاجة مش عارفين حتى إنهم شايلينها.»

​فكرت في پريا. في وليد. وفي نفسي، من تلات سنين، وأنا بفرز حاجات جدتي ومش جاهزة لسه أفتح صندوق خشب.

​«العقد اتوثق،» كريم قال، بعد ثانية. «أحمد وقع الصبح. بند الحماية دائم — مش للصفقة دي بس، ده مكتوب في العقد نفسه. مفيش مالك مستقبلي يقدر يشيل الحيطة دي. أبدًا.»

​«إنت اتأكدت من ده.»

​«أنا اتأكدت من ده،» أكد. «وفيه حاجة تانية.»

​مد إيده جوه البالطو وطلع ملف، وقدمه لي برسمية حسيت إنها احتفالية بشكل غريب في المدخل الهادي.

​فتحته.

​جوه كان مقترح — مكتوب ع الكيبورد، رسمي، واضح إنه اتكتب بالليل — بيأسس منحة وصندوق توجيه باسم مارجريت بركات، موجه لعيال العائلات المهاجرة اللي بيتعاملوا مع مشاكل اللغة في نظام مدارس المدينة. وممول، حسب الصفحة الأولى، بملايين الاتنين، مع اسم كريم رحال كمؤسس متبرع.

​وتحته، صفحة تانية: عرض عمل رسمي. مدير علاقات المجتمع، شركات رحال. والمرتب مكتوب بأصفار أكتر مما شفتها متعلقة باسمي في أي وقت.

​«أنا مش عارفة إذا كنت مؤهلة لده،» قلت بصدق، وصوتي أطول شوية مما كنت عايزة.

​«إنتِ مشيتي ناحية باب كل الناس التانية كانوا مرعبين يقربوا منه،» كريم قال. «ده التأهيل الوحيد اللي ليه قيمة في تاريخ المبنى ده.»

​بصيت لورا للحيطة. لاسمها، الصغير وسط مئات التانيين، متواضع، بالطريقة بالضبط اللي عاشت بيها.

​«أنا عايزة اسمي يتحط كمان،» قلت. «مش بدل اسمها. جنبها. مش كموظفة. بس كـ — مش عارفة. حد ساب الباب مفتوح.»

​زور كريم تحرك، ولثانية واحدة أكتر راجل مخيف في تلات مناطق بان كأنه هيعيط في مدخل ريحته ريحة سخانات قديمة.

​«أنا أعتقد،» قال بهدوء، «إن دي بالظبط الحاجة اللي كانت هتعوزها.»

​طلع تليفونه، وعمل مكالمة واحدة، وفي خلال ساعة، راجل ومعاه فرشة وإيد ثابتة وصل، ودرس المكان جنب اسمها، وبدأ بحرص يكتب اسمي تحته.

​نوران بركات — الحفيدة. نقلتها للأمام.

​وقفت هناك لفترة طويلة بعد ما الرسام خلص أدواته، وكريم جنبي، ومحدش فينا بيتكلم، والمدخل هادي إلا من صوت المدينة البعيد، ماشي بالطريقة اللي ديارها ماشية بيها دايماً، من غير ما ياخدوا بالهم إن في حاجة مهمة اتثبتت نهائي في واحدة من حيطانها.

بعد ست شهور، مطعم بيلاذر روم كان شكله هو هو بالظبط — النجف الكريستال، الرخام، والورد الأبيض المليان في تنسيقات أكبر من أي عشاء عادي.

​المرة دي ما كنتش لابسة اللبس الموحد.

​كنت معزومة في الافتتاح الرسمي لـ «صندوق مارجريت بركات»، واقفة قريب من الباب ومعايا كاس مية فوارة ما لمستهاش، وبتفرج على القاعة وهي بتتملي بناس من ست شهور ما كانوا يقدروا يبصوا لي مرتين.

​پريا وصلت بـ فستان لسه شاييلة التيكيت بتاعه بعد الظهر، وابتسامتها عريضة لدرجة إنها كانت ممكن توجع وشها، ومسماها الجديد — مدير علاقات الضيوف، بعد التعديل الشامل والبهدوء اللي أحمد عمله في الموظفين — مطبوع طازة على كارت عمل ورتهوني مرتين أصلاً.

​وليد وصل مع ليلا وكريم، وشكله كان أخف من أول محادثة، النوع ده من الخفة اللي بييجي لما تنزل حاجة كنت شايلها لوحدك من زمان.

​وقريب من الورا، وصل متأخر، ومش متأكد إذا كان مرحب بيه ولا لأ، كان واقف تامر.

​ما كنتش متوقعة إنه ييجي. كريم، بوضوح، هو اللي أصر على الدعوة — مش عن كرم بالظبط، بس زي ما قال لي مرة، «النعمة اللي بتتقدم ببلاش لحد ما يستاهلهاش لسه بتفضل نعمة، وأحياناً بتكون هي الحاجة الوحيدة اللي بتعلمه إزاي يستاهلها بعدين.»

​تامر قرب ببطء، وإيديه في جيبه، ومفيش أي حاجة من السلطة الحادة اللي كان لابسها زي الدرع زمان.

​«ما كنتش متأكد إذا كان المفروض آجي ولا لأ،» قال.

​«إنت هنا دلوقتي.»

​«كنت عايز أقول—» وقف، وبدأ تاني. «أنا كنت غلطان. في كل حاجة. مش بس في الليلة دي. قبل الليلة دي كمان. أنا قضيت سنتين بحدد إنتِ تستاهلي إيه قبل ما أتكلف أصلاً أعرف.»

​ما كانش اعتذار مثالي. ما لغاش الترابيزة رقم اثناشر، ولا الحمام، ولا سنتين من القسوة الصغيرة والمتراكمة.

​بس كان صريح، ومتقدم من غير ما يكون مستني منه أي فايدة، وقررت إن ده كفاية عشان أسييبه يقف لوحده من غير ما يكون محتاج يكون أكبر من حجمه.

​«شكراً إنك قلت كده،» قلت.

​هز رأسه، وفي حاجة اتفكت في كتافه، وما ضغطش لأكتر من اللي اديتهوله.

​بعدين، كريم لقاني قريب من الشباك الشرقي، حيث نور المغيب كان لقط القلادة الدهب اللي لسه بلبسها كل يوم، ودلوقتي معاها واحدة تانية أصغر — هدية من ليلا، منقوش عليها نفس الجملة زي الأولانية، بخط إيدها المرة دي، عشان الدرس يفضل مسافر حتى بعد ما المعدن ينعم مع الوقت.

​«هي كانت هتكره كل الدوشة دي،» قلت وأنا ببص على القاعة.

​«غالباً،» كريم وافقني. «كانت هتفضل في المطبخ طول الوقت، بتتأكد إن الشغل الحقيقي بيتعمل بينما كل الناس التانية معجبين بالزينة.»

​ضحكت، والضحكة كانت أخف من أي ضحكة ضحكتها من شهور.

​«معايا حاجة علشانك،» قلت وأنا بمد إيدي في شنطتي.

​ديت له الصورة القديمة اللي كان إدهاني من ست شهور — صورة تيتا، صغيرة والدقيق ناعم على خدها وبتضحك على حاجة برة الكادر.

​«عملت منها نسخة،» قلت قبل ما يلحق يعترض. «المفروض تكون معاك الأصلية. إنت شيلتها تلات وأربعين سنة. أعتقد إنها لسه بتاعتك عشان تشيلها.»

​كريم أخدها بحرص، ولقبها مرة واحدة في إيديه، وحطها في جيب جاكيته، فوق قلبه مباشرة، بالطريقة اللي راجل بيشيل بيها حاجة ما ناويش يخسرها تاني أبدًا.

​عبر القاعة، تحت النجف الكريستال، پريا كانت بتضحك على حاجة وليد قالها، وليلا كانت بتبص لجوزها بنفس الملامح الهادية والممتنة اللي كانت لابساها ليلة ما كل حاجة بدأت، وفي مكان ما تحت كل ده، كنت أقدر تقريباً أحس بوزن صندوق خشب، وأجندة جلد، وقلادة ناعمة من كتر لمس جيلين من الإيدين.

​مديت إيدي ولمست القرص الدهب اللي في زوري.

​اللي تنقذه، ينقذك.

​النجف الكريستال فوق مطعم بيلاذر روم لقط النور بالظبط بالطريقة اللي لقطها بيها في أول ليلة مرعبة وجميلة، ورمى نوره الدهبي عبر الأرضية الرخام.

​وقفت جواها، وما اتحركتش.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *