ادهم

في ليلة هادية، كانت عائشة قاعدة في أوضتها سرحانة وباصة للسقف والابتسامة مش مفارقة وشها. افتكرت الأيام الخوالي، أيام ما كانت هي وأدهم لسه صغيرين وبيروحوا سوا كتاب التحفيظ في مكان بعيد عن البيت.
​افتكرت إزاي المشوار كان بيبقى طويل ومتعب، بس أدهم دايماً كان بيبقى سند ليها؛ ياخد منها الشنطة التقيلة يشيلها عنها، ويفضل يشجعها بكلامه الطيب وهو بيقولها: معلش يا عائش، هانت خلاص.. الجنة تستاهل التعب. والمكافأة الأكبر اللي كانت بتهون عليها أي تعب، لما أدهم كان يجمع من مصروفه ويصر يشتري لها آيس كريم في طريق الرجوع عشان يفرحها ويشوف ضحكتها.
​عائشة عايشة في بيت مليان دفا وحيوية، هما تلات أخوات بنات: فريدة هي الأخت الكبيرة، وعائشة الأخت الوسطانية الدلوعة، وخديجة الصغيرة صاحبة المقالب. في اليوم ده، كانت معاهم صاحبة عمرهم المقربة ندى. البنات كانوا متجمعين في الأوضة، فارشين ملاية قديمة في الأرض، وقاعدين يعملوا حنة لبعض، والضحك مالي المكان.
​وسط الهزار، بصت خديجة لعائشة بخبث وقالت: فاكرة يا عائش يوم الباص؟ فجأة الأوضة كلها ضحكت، وبدأوا يفتكروا الموقف بالتفصيل.
​عائشة ساعتها كانت في إعدادي، وجاية تنزل من باب باص المدرسة وهو زحمة جداً، وكانت لابسة جيبة جينز طويلة. وهي بتعدي مستعجلة، حافة حديدة بارزة من كراسي الباص شبكت في طرف الجيبة من تحت، ومع حركتها السريعة عشان تلحق تنزل، سُمع صوت تششش عالي.. الجيبة اتقطعت من الجنب قطع كبير!
​عائشة اتسمرت مكانها في الشارع ووشها جاب ميت لون ومبقتش عارفة تتحرك ولا تداري القطع إزاي وتبكي من الكسوف، وأول ما لمحت أدهم وهو جاي عليها، لقاها واقفة بتعيط. أدهم بذكائه وسرعته، من غير ما يحرجها، قلع الجاكيت بتاعه فوراً ولفهولها حوالين وسطها وربطه جامد وقالها بصوت واطي يطمنها: متقلقيش، مفيش حاجة باينة، يلا نمشي.
​قعدت ندى وفريدة وخديجة يضحكوا ويفكروها: يا بنتي ده إنتي كان شكلك مسخرة والجاكيت مغطيكي لحد الأرض! وعائشة تحمر وتخبي وشها بالمخدة : بس بقى يا رخمة منك ليه
​بعد شوية، ندى استأذنت ونزلت عشان تأخرت. ومفيش دقائق والباب خبط، ودخل باباهم الأوضة وبص للبنات وقال: يا بنات، أدهم وأهله لسه مكلميني.. وبيقولوا إنهم جايين بكرة يزورونا زيارة رسمية، بس الحقيقة أنا مش عارف هما جايين فجأة كده ليه وفي إيه بالظبط؟ #
بمجرد ما الأب قال الجملة دي، الأوضة اتملت سكوت مفاجئ… فريدة وخديجة بصوا لبعض، وبعدين عينيهم كلهم اتجهت لعائشة اللي وشها اتحول للون الأحمر تماماً.
​خديجة بابتسامتها خبيثة مأوتش الموقف وقالت بصوت واطي: مش عارف ليه يا بابا؟ طب اسأل عائش كده وهي تقولك إيه اللي جابهم فجأة.
الأب بصلهم باستغراب وابتسامة خفيفة بدأت تترسم على وشه : هو في إيه يا بنات؟ مخبين عليا إيه؟
فريدة اتدخلت بسرعة وهي بتطبطب على عائشة: مفيش يا بابا، بكره كل حاجة تبان.. بس شكلنا كده هنحتاج نجهز أحلى فستان لعائشة.
​الأب ضحك وفهم ، وطمنهم وهو خارج: ماشي يا بكاشات، جهزوا البيت ونظفوا الأوضة عشان الضيوف.
أول ما الباب اتقفل، الأوضة انقلبت لساحة احتفال وزغاريط مكتومة من البنات، وعائشة قلبها كان بيدق بسرعة مش قادرة تصدق إن أدهم أخيراً هياخد الخطوة اللي كانت بتتمناها، وإن كلامه زمان “الجنة تستاهل التعب” كان بداية لطريق طويل نهايته هتجمعهم في بيت واحد.
في اليوم التالي، كانت الحركة في البيت أشبه بخلية نحل. فريدة وخديجة كانوا في المطبخ عائشة كانت واقفة قدام المراية، قلبها بيدق وهي بتختار الفستان اللي هتقابل بيه أدهم وأهله.
​أخيراً، جرس الباب رن. دخل أدهم ووالده ووالدته، واستقبلهم أبو عائشة بالترحاب والدفا المعتاد بين العيلتين. قعدوا في الصالون، و ، وعائشة واقفة ورا الباب والمصحف في إيدها من التوتر، وخديجة واقفة تضحك.
​خرجت عائشة وهي شايلة صينية الشربات، عيونها في الأرض ووشها أحمر زي الطماطم. أدهم أول ما شافها، ابتسم ابتسامة هادية وحط عينه في الأرض احترماً للموقف. سلمت وقعدت.
​بدأ والد أدهم الكلام، وبص لأبو عائشة وقال: يا أبو فريدة، إحنا جايين النهاردة وطمعانين في قربكم، وندخل البيوت من أبوابها زي ما ربنا أمرنا.
أبو عائشة ابتسم وبص لعائشة، وقال: ده شرف لينا
​هنا أدهم أخد نفس عميق، وبص لوالد عائشة وقال بثقة بس بنبرة فيها شوية توتر: ”
عمي.. أنا طالب إيد ندى صاحبة عائشة!
#عمي.. أنا طالب إيد ندى صاحبة عائشة.
في لحظة، الزمن وقف.
الابتسامة اختفت من على وش عائشة ، وإيدها اترعشت لدرجة إن الكوباية اللي كانت ماسكاها خبطت بخفة في الصينية.
خديجة فتحت بؤها من الصدمة، وفريدة وخديجه بصت لأدهم وكأنهم مش مستوعبين اللي سمعتوه.
أما أبو عائشة فكان أول واحد يتكلم: ندى؟
أدهم هز رأسه باحترام:
أيوة يا عمي… لو ربنا كتب النصيب.
وفي نفس اللحظة، باب الشقة خبط.الكل استغرب.
الأب قام يفتح، وكانت المفاجأة…ندى.
واقفة عند الباب، وعينيها مليانة نظره فرح وكأنها كانت مستنية الخبر من بدري.
دخلت بخطوات بطيئة، ولما عينيها وقعت على أدهم وأهله، ابتسامة صغيرة ظهرت على وشها.
أما عائشة فكانت باصة لها في ذهول.مستحيل دي صحبتها اللي بتحكيلها كل حاجه
ندى قربت وسلمت، قعدت بهدوء.
لكن جواها كان في شيء تاني تمامًا…
أخيرًا.
قالتها بين نفسها وهي بتبص لعائشة.
أخيرًا هبقى أنا اللي الكل بيبصله.
من سنين وهي شايفة عائشة وسط أخواتها، وسط عيلتها الكبيرة، وسط الضحك والونس والحب.
عائشة دايمًا عندها حد يسأل عليها.
أما هي…
فكانت ترجع بيتها كل يوم، ما تلاقيش غير الصمت.
كانت تضحك معاهم، لكن جواها نار بتكبر كل سنة
لحد ما صدقت إن الدور جه عليها هي.رفعت عينيها ناحية عائشة.
ولأول مرة…
شافت الانكسار في عيونها.
فابتسمت.ابتسامة صغيرة جدًا…
لكنها كانت كافية تخلي قلب عائشة يقبض من إحساس غريب ما عرفتش تفسره.
وفي الوقت
كانت ندى بتقول لنفسها:
المرة دي…أنا اللي كسبت
لكنها ما كانتش تعرف إن في سر كبير جدًا، لسه محدش في الأوضة عرفه…

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *