لحقت بنتي
بنتي كلمتني وهي بتعيط وبتترعش: “يا بابا، الحقني تعالى خدني”. ولما وصلت لبيت حماها في التجمع، حماتها وقفت في الوش وسدت الباب وقالتلي: “مش هتمشي من هنا”. زقيتها ودخلت—وفي اللحظة اللي شُفت فيها بنتي مرمية على الأرض، عرفت إن الموضوع مش مجرد “خناقة متبهدلة بين عيلتين”. دي مصيبة كانوا بيحاولوا يداروها بكل طريقتهم.
التليفون رن الساعة 2:13 الفجر، وصوت “منة” بنتي كان واطي أكن في حد واقف فوق دماغها: “يا بابا، أرجوك تعالى خدني.. وماتتصلش قبل ما تيجي”.
بعد ثلث ساعة، كنت واقف قدام فيلا عيلة “الشافعي” الكبيرة، وبخبط بكل عزمي على الباب اللي اتفتح حتة صغيرة. “مدام شاهيناز”، حماة بنتي، ظهرت من ورا الباب بروب حرير، وعلى وشها برود واستعلاء يقرف.
وقالتلي: “منة متصبعة شوية ودموعها قريبة، روح يا حاج دلوقتي”.
قلتلها: “إوعي من وشي”.
قالت: “مش هتتحرك من هنا”.
زقيتها ودخلت قبل ما تلحق ترزع الباب في وشي. صرخت بتنادي على جوزها، بس أنا كنت سبقتها وعديت الصالة الرخام، وماشي ورا صوت نَفَس مكتوم وطالع بالعافية من أوضة الصالون.
منة كانت كشّة في نفسها ومرمية على الأرض جنب كرسي مقلوب. خدها كان وارم ومحمر، ومعصم إيدها أزرق. وكان في حتة بلاستر عريض فضي لزقان في كمّها، وسرنجة متبقي فيها شوية سائل تحت ترابيزة القهوة.
وجوزها “كريم” كان واقف جنب المدفأة، قميصه متبهدل وفي إيده تليفون منة.
وقال بلجلجة: “دي وقعت لوحدها”.
نزلت على ركبي جنبها. نني عينيها كان بيتحرك ببطء، ونبضها تحت صوابعي كان ضعيف وبيرعش.
”إنتوا شربتوها إيه؟”
كريم ضحك بتوتر: “إنت راجل ميكانيكي طيران متقاعد يا عم مصطفى، ما تعمليش فيها دكتور بقى”.
وده الغلط اللي الناس دايماً بتغلطه معايا. أنا فعلاً كنت بصلح طيارات في القوات الجوية، بس بعد ما خرجت، قضيت 22 سنة محقق في مباحث الأموال العامة ومكافحة النصب. يعني حافظ الحوادث المتفبركة، والتخدير بالإجبار، والإمضاءات المزورة، والنبرة اللي بيتكلم بيها الكذابين لما يفتكروا إن فلوسهم ومنصبهم هيحميهم.
منة قفشت في كمي وقالت: “جبروني أمضي على وصلات وأوراق”.
شاهيناز ربعت إيدها وقالت: “دي أوراق عائلية تخص بيتنا.. شغل عيلة مالكش دعوة بيه”.
طلعت تليفوني وصورت السرنجة من غير ما ألمسها، وسجلت صوت منة وهي بتقول إنها عايزة تمشي. كريم قرب مني خطوة.
”مش من حقك تاخد مراتي من بيتي”.
”بنتي مش حتة عفش تملكها”.
في اللحظة دي ظهر “شاكر الشافعي” كبيرهم، بشعره الأبيض وابتسامته الصفرا وقال: “اعقل كده يا باشمهندس. منة بتجيلها نوبات نفسية. وإحنا ممكن نطلبلك النجدة بتهمة تهجم واقتحام بيت”.
بصيت لكاميرا المراقبة اللي فوق مكتبة الكتب، وبعدين للمبة الحمرا الصغيرة بتاعت السماعة الذكية (اليكسا). البيت بتاعهم كان مسجل كل حاجة صوت وصورة.
قلتله ببرود: “اطلب الشرطة”.
ابتسامة شاكر وسعت وقال بثقة: “بكل سرور”.
كان فاكر إن علاقاته والناس الواصلة هترجعله السيطرة. ماكنش يعرف إن أول ما دخلت، دوست على زرار الطوارئ في ساعتي الذكية، واللايف شغال صوت ومكان (لوكيشن) لواحد صاحبي ودُفعَتي، ماسك دلوقتي قطاع المباحث الجنائية في مديرية أمن القاهرة.
أول ما صوت سارينات البوكسات والنجدة بدأ يقرب، الوشوش جابت ألوان، وشاهيناز ملامحها اتخطفت من الخوف.
كريم حاول يقف في الممر ويقفل السكة، بس رفعت التليفون في وشه وقلتله رقم مادة قانون العقوبات الخاصة بالخطف والاحتجاز القسري وتزوير إكراه. الضحكة اختفت من وش ابن الأكابر؛ لأن الأشكال دي بتخاف من العواقب اللي فلوسها ما تقدرش تشتريها. برة، صوت فرامل العربيات كان بيرج الشارع. ومنة بدأت تعيط.. مش من الوجع، بس عشان لأول مرة، لقت اللي يصدقها ويحميها.
شلت بنتي بالراحة وقلت لهم وأنا خارج: “نقيتوا الأب الغلط عشان تفتكروا إنه ضعيف”.
أفراد المباحث والنجدة فصلونا عن بعض، والمسعفين بدأوا يكشفوا على “منة”. في ثانية، “كريم” تحول لراجل شيك، هادي ومقنع جداً، وقال للظابط:
“مراتي خلطت المهدئات مع العصير، وحمايا طول عمره بيكره عيلتنا وبيتبلى علينا”.
”شاهيناز” طلعت دوسيه عليه اسم منة، وجواه تقارير نفسية، وتوكيل عام رسمي، وطلب حجر عشان يعلنوها غير مؤهلة ماديًا لإدارة فلوسها. كل الإمضاءات على الورق كانت شكلها حقيقي ومكتوبة بدقة تسيّح أي شك.
منة كانت بتبص على الورق وهي على سرير الإسعاف بذهول: “أنا عمري ما مضيت على القرف ده!”.
”شاكر الشافعي” اتنهد بتمثيل، كأنه زعلان على عيل صغير غلطان: “إنتي بقيتي بتنسي حاجات كتير الفترة الأخيرة يا حبيبتي”.
أنا ما نطقتش. الغضب ملوش لازمة إلا لو كنت قادر تتحكم فيه وتوجهه صح.
في المستشفى، تقرير السموم أثبت وجود مادة مخد..رة ومهدئة في دم منة، مادة عمر ما في دكتور كتبهالها. والكدمات اللي حوالين معصمها كانت مطابقة لعلامات “تكتيف وتقييد” مش وقوع خالص. رغم كده، محامي عيلة الشافعي وصل قبل شروق الشمس، وبدأ يلمح ويهددنا إن الاتهامات ضد عيلة تقيلة وواصلة زي دي ممكن تتقلب لـ “سوء تفاهم مكلف جداً” لينا.
سألت منة سؤال واحد: “الموضوع ده بدأ إمتى؟”
قالتلي: “بعد ما جدتي كتبتلي أرض البحيرة باسمي”.
أمي الله يرحمها كانت شايلا الأرض دي في صندوق ائتماني لمنة. ومؤخراً، في شركات تطوير عقاري عرضت فيها 12 مليون دولار. منة رفضت تبيع لأن الأرض دي عليها البيت الخشب اللي مراتي “هنا” قضت فيه آخر صيف ليها قبل ما السرطان ياخدها مني.
دلوقتي، التوكيل المزور ده بقاله معنى ومصلحة واضحة.
تاني يوم الصبح، كريم بعت رسالة لمنة: “ارجعي بيتك، واسحبي البلاغ، وإحنا هننسى جنانك وانهيارك ده”.
صوّرت الرسالة، ورديت من تليفونها وهي بتمليني: “أنا محتاجة وقت أفكّر”.
رد في ثواني: “قدامك لحد يوم الجمعة.. المشتري بتاع بابا مش هيستنى”.
أهي.. دي كانت أول ثغرة وأول خيط يوقعهم.
كلمت “المستشارة لينا”، وكيل النيابة اللي كانت شغالة معايا زمان، وسلمتها التسجيل الصوتي بتاع ليلة الهجوم، والصور، وتقرير السموم، وأوراق ملكية الأرض. طلعت إذن نيابة وضبط وإحضار في السر ومن غير شوشرة. في نفس الوقت، سبت عيلة الشافعي يفتكروا إن تهديدهم جاب نتيجة وأنا خفت.
شاكر الشافعي عزمني في مكتبه. مكتب فخم، واجهته كلها قزاز كاشف البلد، وورا مكتبه صورة كبيرة ليه وهو بيصافح وزراء ومسؤولين.
قالي بثقة: “قول رقمك.. منة تمضي، وتبطل تسمم عيشتها مع جوزها، وكلنا نخرج بكرامتنا”.
قلتله: “إنتوا خدرتوا بنتي بالإجبار”.
قالي: “احترس.. الجملة دي تعتبر سب وقذف وتشهير”.
وزق شيك على المكتب بقيمة 500 ألف جنيه (نص مليون).
قلبت الشيك وبصيت له: “خليهم 2 مليون”.
حواجبه اترفت، وابتسم ابتسامة منتصر.
كان فاكرني ببيع بنتي. بس الحقيقة، إن القلم اللي في جيب قميصي كان بيسجل كل كلمة بيقولها صوت وصورة.
شاكر قال: “مليون دلوقتي، والمليون التاني بعد ما حكم الحجر عليها يبقى نهائي”.
”وكريم؟”
”ابني هيفضل الزوج المخلص قدام الناس. وأول ما البيعة تتم، منة هتروح تتعالج في مصحة هادية وبعيدة”.
يعني مستشفى مجانين مقفولة، وثروة بتتسرق، وزوجة بتتمحي من الدنيا وهي عايشة.
أخدت الشيك.
شاكر رجع بضهره على الكرسي بانتصار: “كنت عارف إن الفقر هيخليك عاقل وتفكر بمصلحتك”.
ما سألش نفسه ليه رضيت بشيك رسمي باسمه يثبت عليه الجر..يمة بدل ما أطلب فلوس كاش.. وما خدش باله وأنا كل شوية ألمس جيب قميصي عشان أتأكد إن إشارة جهاز التسجيل شغال. الغرور خلا عيلة الشافعي يقعوا بغباء. قضوا سنين يدرسوا طيبة قلب منة، بس ما فكروش يدرسوا الراجل اللي كبّرها ورباها.
ابتسمت وقلتله: “الجمعة إذن.. ميعادنا”.
يوم الجمعة الصبح، كلمتني سكرتيرة شاكر الشافعي وقالتلي إن المشتري مستني في مكتب المحامي في الزمالك عشان يخلصوا ورق أرض البحيرة، وإن كريم وشاهيناز أخدوا منة من المستشفى ومسافرين على هناك.
نزلت ركبت عربيتي وطلعت على مكتب المحامي. أول ما دخلت، لقيتهم قاعدين حوالين ترابيزة اجتماعات كبيرة، ومنة قاعدة في النص، وشها باهت وعينيها مليانة دموع ومستسلمة تماماً، وكريم ماسك إيدها بيضغط عليها عشان تمضي.
شاكر بصلي وابتسم بثقة: “يا أهلاً بالباشمهندس.. الشيك التاني جاهز أول ما المدام تبصم”.
قعدت على الكرسي وحطيت رجل على رجل: “مش لما نتأكد الأول إن البيعة قانونية؟”
كريم زعق بنرفزة: “قانونية ونص! التوكيل أهو، والمدام موافقة، إنت جاي تاخد نصيبك وتمشي مالكش كلمة هنا”.
طلعت تليفوني وحطيته في نص الترابيزة، وشغلت تسجيل فيديو. ظهر فيه صوت وصورة شاكر الشافعي وهو بيقولي في مكتبه: “مليون دلوقتي، والمليون التاني بعد ما حكم الحجر عليها يبقى نهائي.. ومنة هتروح تتعالج في مصحة هادية وبعيدة”.
الوشوش كلها اتخطفت، والألوان طارت. كريم وقف وهو بيترعش، وشاكر ضحكته الصفرا اختفت تماماً.
شاكر قال بصوت غاضب وبيترعش: “إنت بتخرف بإيه؟ التسجيل ده ملوش أي لزمة قانونية.. ده تسجيل غير قانوني وماتقدرش تستخدمه!”.
قلتله ببرود: “فعلاً.. لو أنا مواطن عادي سجلتلك في السر يبقى غير قانوني. بس إنت نسيت إني محقق قديم، والنيابة العامة كانت مطلعالي إذن مراقبة وتسجيل بالصوت والصورة بناءً على بلاغ الخطف والاعتداء المحضر رقم 4312”.
في نفس اللحظة، الباب اتفتح ودخلت المستشارة لينا ومعاها قوة من المباحث الجنائية.
الظابط قرب من كريم وكلبشه، وكريم بيصرخ: “بابا اِعمل حاجة! كلم الوزير يا بابا!”. بس شاكر كان قاعد على الكرسي كأنه كبر عشرين سنة في ثانية، باصص للورق ومش ناطق. شاهيناز بدأت تصوت وتعيط وهي شايفه ابنها والكلابشات في إيده، والمحامي بتاعهم لم ورقه ووقف في جنب وهو بيقول: “أنا ماليش دعوة بالكلام ده.. أنا جالي ورق ومكنتش أعرف إنه مزور”.
الظابط بص لشاكر وقاله: “اتفضل معانا يا شاكر بيه.. إنت وابنك ومدام شاهيناز.. بتهمة التزوير في أوراق رسمية، والابتزاز، والاعتداء البدني، واحتجاز مواطنة بدون وجه حق، وتقديم رشاوي”.
قمت من على الكرسي، ورحت لـ منة اللي كانت بتعيط وبتبصلي ومبهورة ومش مصدقة إن الكابوس ده خلص. مسحت دموعها وشيلت شنطتها وقلتلها: “يلا يا قلب أبوكي.. نرجع بيتنا.. بيت أمك هنا الله يرحمها”.
وأنا خارج من الباب، لفيت وبصيت لشاكر وابنه وهم بيقادوهم على عربية الترحيلات وقلت لهم: “الفلوس والنفوذ بتشتري حاجات كتير.. بس مابشتريش راجل بيفهم في الأصول وبيحمي عرضه”.