بعد فرح ابني حصري لصفحة روايات رولا

​بعد تلات أسابيع من فرح ابني، لقيت مسؤولة تنظيم الحفلات (الودينج بلانر) بتكلمني في التليفون وبتقولي: “يا حاج، أنا سجلت حاجة مصيبة.. تعالى لوحدك ومتقولش لولادك”. رحتلها وأنا فاكر إن فيه سوء تفاهم، بس اللي شفته هناك شقلب حياتي كلها.
​أنا اسمي الحاج جلال عبد الرحمن، وبعد تلات أسابيع من فرح ابني، لقيت البنت اللي نظمت الفرح بتكلمني وصوتها واطي وخايفة كأن حد بيراقبها.
قالتلي: “يا حاج جلال، أنا سجلت حاجة صدمة.. أرجوك تعالى لوحدك ومتقولش لولادك”.
​في الأول قولت يمكن الموضوع قصة فلوس، حد من الفراشة أو البوفيه عايز باقي حسابه، أو بتوع الورد بوظوا حاجة في القاعة. ابني حازم اتجوز بنت اسمها نيرمين في قاعة مفتوحة على النيل في المعادي، وأنا اللي دفعت دم قلبي في كل مليم، لأن حازم قالي عايز ليلة العمر تطلع مثالية قبل ما يدخل في غَم وشيل المسؤولية.
​أنا راجل أرمل، وماليش في الدنيا دي غير ابني وبنتي.
تاني يوم الصبح، خدت عربيتي ورحت مكان الفرح لوحدي.
​استقبلتني البنت اللي نظمت الفرح، واسمها نادين، في مكتبها.. عينيها كانت حمرا وإيديها بترتعش، وأول ما دخلت قفلت الباب بالمفتاح.
قالتلي: “أنا مكنتش عارفة أكلم الشرطة الأول ولا أكلمك أنت”.
قلبي انقبض وقولتلها: “يا نادين في إيه؟ خضيتيني!”.
​فتحت اللاب توب بتاعها وقالت: “بعد الفرح ما خلص، كنت بلم الحاجة قُريب من غرف اللبس. وموبايلي كان شغال بيسجل فويس نوتس عشان براجع مواعيد الموردين لأن كان فيه خناقة على الجدول.. بالصدفة الموبايل لقط كلام ولادك”.
“ولادي أنا؟!”
هزت راسها وقالت: “حازم وأختها مروة.. ونيرمين كمان كانت معاهم”.
​ضحكت بوجع وتوتر وقولت: “تلاقيهم هزروا هزار غبي، ضغط الفرح والتوتر بيخلي الواحد مش دريان بيقول إيه”.
نادين مابتسمتش.. ودست على زرار التشغيل.
​في الأول كان فيه صوت مزيكا مهرجانات بعيدة ومكتومة.. وبعدين صوت بنتي مروة ظهر واضح جداً وهي بتقول:
“أبويا كان شكله يقطع القلب وهو عمال يعيط في رقصة الأب وبنته.. ده صدق نفسه ومفتكر إن حازم بيحبه بجد!”.
حازم ضحك!
أنا حسيت إن قلبي وقف في اللحظة دي.
​ونيرمين (الع can) كملت كلامها وقالت: “المهم بس خلوه عاطفي كده ويحن لحد ما يمضي على عقود التنازل بتاعة شاليه مارينا.. بعد كده مش هنضطر نمثل عليه تاني”.
مروة ردت عليها: “هيمضي هيمضي.. هو عايش لوحده وزهقان، العبوا بس على وتر أمي الله يرحمها وهو هيعمل أي حاجة”.
​بعدها ابني حازم قال الكلمتين اللي خلوا الدنيا تلف بيا وكنت هقع من طولي:
“أول ما ينقل الشاليه والحسابات اللي في البنك باسمنا، هنشوف له أي دار مسنين نضيفة ونحطه فيها.. مش هيقدر يفتح بوقه، هو لسه فاكرنا عيلته وبنحبه”.
​نادين مدت إيدها بسرعة عشان تقفل اللاب توب، بس أنا رفعت إيدي وقولتلها بصوت ناشف:
“سيبيه شغال..”.
​التسجيل سكت شوية، وبعدين نيرمين ضحكت بـ لؤم وقالت:
“دفع دم قلبه في الفرح، وميعرفش إنه ملوش مكان في مستقبلنا!”.
​فضلت مبحلق في الشاشة.. وحسيت بسكوت غريب جوايا، كأن كل مشاعري ماتت.
نادين همست وهي بتعيط: “أنا آسفة جداً يا حاج جلال”.
​وقفت على رجلي بالراحة، وقولتلها:
“متتأسفيش.. أنتِ لسه منقذة حياتي حالا”.
​(
خرجت من مكتب نادين والفلاشة اللي عليها التسجيل في جيب إيدي، وإيديا كانت بترتعش لدرجة إني قعدت في العربية عشر دقائق كاملين مش قادر أدورها ولا أسوق.
​أول إحساس جالي مكانش غضب.. كان عدم استيعاب وصدمة!
​حازم ده ابني.. أنا اللي علمته ركوب العجل في شارعنا، وأنا اللي فضلت سهران جنبه طول الليل لما ذراعه اتكسر وهو في ابتدائي، وأنا اللي سددت ديونه كلها لما مشروعه الأولاني فشل، وقالي وقتها “أنا محتاج بس بداية جديدة ونضيفة يا بابا”.
​ومروة دي بنتي.. دي اللي كانت ماسكة إيدي في عزا أمها ودموعها نازلة وهي بتقولي “احنا ملناش غير بعض يا بابا وهنشيل بعض”. أنا اللي اشتريت لها أول عربية، وأنا اللي دفعت فلوس المحامي في طلاقها، وأنا اللي كنت باخد عيالها عندي بالأيام لما تقولي “تعبانة ومحتاجة أشم نفسي شوية”.
​ودلوقتي.. بيتكلموا عني وكأني عقبة في طريقهم!
مش أبوهم.. مش بني آدم لحم ودم.. مجرد عقبة!
​مرجعتش على البيت علطول.. طلعت بعربيتي على مكتب المحامي بتاعي في مصر الجديدة، الأستاذ داوود المرصفي، وده صاحب عمري من قبل ما يمسك لي ورق أملاكي وشغلي.
​أول ما شاف وشي، قفل باب المكتب بسرعة وقال:
“في إيه يا جلال؟ مالك؟”
​حطيت الفلاشة على مكتبه وقولتله: “اسمع ده”.
​شغّل التسجيل أول مرة.. وبعدينعاده تاني وهو بيكتب ملاحظات، وعلى آخر التسجيل كان فكه مشدود وعروقه بارزة من الغيظ.
​بصلي وقال بحذر: “جلال.. أنت كنت وافقت تتنازل عن شاليه مارينا قريب؟”
“كنت هروح الشهر العقاري أمضي الورق الأسبوع الجاي”.
“لحازم؟”
“لحازم ومروة بالنص.. قالوا لي عشان نختصر إجراءات الإعلام الشرعي والوراثة بعد عمر طويل يعني”.
​الأستاذ داوود رجع بضهره على الكرسي وبصلي من فوق نظارته:
“بس مش ده اللي أنا كتبته في وصيتك وتخطيط أملاكك”.
“عارف”.
“مين اللي جاب لك الورق الجديد ده؟”
“حازم”.
​قام داوود وفتح الخزنة الحديد، وطلع ملف وقالي: “وريني كل الورق اللي حازم ادهولك”.
​طلعت له الظرف اللي حازم جابهولي قبل الفرح بيومين.. وقتها أنا مقريتوش تقريباً، حازم قالي ده ورق روتيني يا بابا، ومروة قالتلي الأستاذ داوود دقة قديمة وبياخد فلوس كتير في ورق تافه، ونيرمين قالتلي “يا بابا احنا عيلة واحدة بلاش نخلي الرسميات والقانون يدخلوا بينا بـ جفاء”.
​داوود قرا أول صفحة وبرطم بكلام مش مفهوم وهو متنرفز.
سألته: “في إيه يا داوود؟”
“ده مش مجرد تنازل عن الشاليه يا جلال!”.
​لف الورق ناحيتي وشاور بصباعه:
“دول كانوا عايزين ينقلوا ملكية الشاليه لشركة مساهمة حازم هو اللي بيديرها بالكامل.. والبنود دي بقى بتدي مروة الحق والتفويض المالي في التصرف في حساباتك في البنك.. في حالة إن اتنين من أفراد العيلة أقروا إنك مبقتش قادر تدير شؤونك بنفسك!”.
​ريقي نشف تماماً وقولت بصوت مبحوح: “يعني كانوا يقدروا يعملوا كده؟”
“بإمضاءات غلط.. وموظف شهر عقاري مش واخد باله.. كانوا هيحاولوا ويعملوها!”.
​افتكرت مراتي الله يرحمها.. الشاليه ده كان بتاعها هي وورثته عن أهلها قبل ما نتجوز، وسابتهولي وهي واثقة إني هحافظ عليه للعيلة.. وكنت هسلمه بإيديا لناس بتضحك وتتريق وهي بتستغل سيرتها عشان تلوّي دراعي!
​داوود مسك تليفون المكتب علطول وقال:
“احنا لازم نلغي أي تفويضات أو توكيلات واقفة فوراً.. وهنبلغ البنك بتاعك يوقف أي سحوبات كبيرة، ونغير الإقرارات الطبية، ونشيل أساميهم كأشخاص للاتصال بيهم في الطوارئ”.
​الكلمات دي وجعتني في قلبي أكتر مما كنت أتخيل..
نشيل أساميهم..
ولادي!
​بس في ثانية.. رجع صوت حازم يرن في ودني:
“هو لسه فاكرنا عيلته وبنحبه”.
​بصيت لداوود وقولتله بقوة أول مرة أحس بيها:
“اعمل كل ده.. وفوراً”.
​على أذان المغرب.. كان كل باب خططوا يدخلوا منه عشان يسرقوني.. اتقفل بالترباس.
​​مر الأسبوع الأول والتاني، وكنت بمثل فيهم إني طبيعي تماماً، لحد ما جه اليوم الموعود.. اليوم اللي حازم ومروة ونيرمين جم فيه بيتي عشان أمضي على ورق التنازل بتاع شاليه مارينا وتفويض البنك.
​دخلوا وهما مبتسمين، وحازم شايل معاه ملف الورق، ونيرمين جايبالي معاها علبة حلويات وبتقولي بنعومة: “وحشتنا يا بابا، منور الدنيا كلها”. كنت ببص في عيونهم وأنا مستغرب إزاي البني آدم يقدر يبتسم في وشك وهو بيحفر لك قبرك بيديه.
​قعدنا، وحازم طلع القلم وحط الملف قدامي على الترابيزة وقال: “يا بابا ده ورق الشاليه والبنك اللي اتفقنا عليه، عشان بس نخلص الإجراءات ومروة تريحك من مشاوير البنوك المخنوقة دي.. أمضي هنا وهنا”.
​بصيت للورق، وبعدين بصيت لهم وقولت ببرود تام: “بس أنا مش همضي”.
​ضحكة مروة هربت منها وقالت بتوتر: “مش هتمضي إزاي يا بابا؟ ما احنا متفقين عشان نأمن مارينا قبل الصيف!”.
حازم قرب مني وقال بنبرة عاطفية مزيفة: “في إيه يا بابا؟ أنت مش واثق فينا؟ ده إحنا ولادك.. والورق ده عشان مصلحتك أنت أول واحد، عشان ترتاح”.
​قومت وقفت، وطلعت موبايلي وحطيته في نص الترابيزة، وقولت: “أنا فعلاً عايز أرتاح.. وعشان كده عايزكم تسمعوا حاجة معايا”.
دوست على زرار التشغيل.. وطلع صوت مروة: “أبويا كان شكله يقطع القلب.. ده صدق نفسه ومفتكر إن حازم بيحبه بجد!” وبعدها صوت نيرمين عن الشاليه، وأخيراً صوت حازم وهو بيقول: “هنطردوه في دار مسنين ونخلص”.
​الألوان اختفت من وشوشهم في ثانية. حازم بقا يبص لمروة، ونيرمين لفت وشها الناحية التانية وهي بتموت من الرعب، ومروة لسانها اتعقد ومش عارفة تنطق.
​حازم حاول يتكلم ويداري: “يا بابا.. ده.. ده كان هزار.. كنا بنهزر بعد الفرح والضغط..”
​قاطعته وزعقت بكل قوتي لأول مرة في حياتي: “اسكتوا خالص! مش عايز أسمع نفس واحد فيكم! أنا اللي كنت هقطع حتة من لحمي وأديها لكم.. وأنتوا كنتم بتخططوا ترموني في دار مسنين؟! بتستغلوا اسم أمكم الله يرحمها عشان تسرقوني؟!”.
​وقفت وبصيت لحازم وقولتله: “أنت من النهاردة مملكش أي حاجة هنا.. الشغل اللي مشغلهولك في شركتي أنت مطرود منه، والعربية اللي راكبها وبتلف بيها دي باسمي وهتتسحب منك بكرة الصبح”.
وبصيت لمروة: “والبيت اللي أنتِ قاعدة فيه ومأجرهولك.. قدامك أسبوع واحد وتخليه.. وعيالك اللي كنت بشيلهم بالشهور عشان تتفسحي، انسيهم.. أنا ماليش ولاد خلاص”.
​مروة بدأت تعيط وتصوت: “يا بابا أرجوك ارحمنا، احنا ولادك ملناش غيرك!”.
قولتلها بقلب ميت: “أنا كنت فاكر كدة برضه.. بس طلعت ملوش مكان في مستقبلكم”.
​فتحت باب الشقة وشاورت لهم لبرة: “برة.. أساميكم اتمسحت من كل ورق يخصني، من البنوك، من المستشفيات، ومن حياتي كلها.. ومش عايز أشوف وشكم تاني لحد ما أموت”.
​خرجوا وهما بيجروا خيبتهم وراهم، ونيرمين كانت بتلوم حازم وهما نازلين على السلم وصوت خناقهم مسمع العمارة كلها.
​قفلت الباب وراهم، وقعدت على الكرسي.. لأول مرة من سنين حسيت بـ هدوء غريب. البيت كان فاضي، بس كان نضيف.. نضيف من الغدر والخيانة.
​تاني يوم، كلمت نادين الودينج بلانر، وشكرتها تاني، وبعت لها مكافأة كبيرة جداً ساعدتها تبدأ مشروعها الخاص.. لأنها مكنتش مجرد منسقة حفلات، دي كانت الإيد اللي ربنا بعتهالي عشان تفوقني من وهم كبير، وتنقذ عمري وشقايا من الضياع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *