كرسي فيرست كلاس حصري روايات رولا
أبويا ضربني بالقلم في المطار عشان رضيتش أدّي كرسي الدرجة الأولى لأختي—وبعدها عرفوا إن أنا اللي دافعة تمن الرحلة كلها
”لو ماديتيش الكرسي ده لأختك، هربيكي وأعلمك الأدب هنا قدام الناس كلها.”
تهديد أبويا وصلي ولطشني قبل إيده ما تلمسني أصلاً.
كنا واقفين قدام كاونتر الوزن في مطار القاهرة، وسط زحمة عائلات بشنطها، وأطفال مفرطين من التعب، وناس غريبة بتعمل نفسها مش باصة بس ودانهم معانا في كل كلمة.
أنا اسمي ياسمين المنشاوي. عندي 32 سنة، ومكنتش نمت أكتر من أربع ساعات في اليوم بقالي تلات أيام ورا بعض.
كنت لسه مخلصة مشروع ضخم في الإسكندرية، وسوقت راجعة لـ مصر (القاهرة) قبل الشروق، وطلعت على المطار على طول عشان “الرحلة العائلية اللي محتاجينها” زي ما أمي قالت.
أما بالنسبة لأختي الصغيرة، فريدة، فدي كانت “رحلة أحلامها” عشان لسه متخرجة من الماجستير.
الكل قعد يحتفل بشهادتها.
ولا حد جاب سيرة إن أنا اللي دافعة نص مصاريف دراستها ومن سكات.
في عيلتنا، فريدة دي هي البنت الرقيقة، الحنينة.
اللي ما ينفعش تتعب ولا تتبهدل.
اللي تستاهل الورد، والفساتين، والخروجات، والفرص الثانية.
أما أنا فكنت البنت التانية.
الجامدة.
الجدية.
اللي تستحمل، وتفهم، وتسامح… وتدفع.
لما أبويا اتزنق في مصاريف البيت، ساعدته.
لما أمي أحبت تمول لفريدة الأتيليه بتاعها اللي قفل بعد شهرين، طلعت فيزا المشتريات بتاعتي واديتها لها.
لما الشقة احتاجت توضيب، لما ظهرت فواتير دكاترة، لما الفلوس كانت بتشطب، أنا كنت الشخص اللي الكل بيتصل بيه.
ومع ذلك، كنت دايماً أنا البنت الجاحدة في نظرهم.
قبل السفر بشهر، أمي كلمتني وهي بتعيط تقريباً: “يا ياسمين، أبوكي فلوسه مجمّدة مع زبون في الشغل. تقدري تحجزي الطيران والفندق؟ وهنردلك الفلوس قبل ما نسافر.. وحياة غلاوتك عندي.”
وحجزت أربع تذاكر لـ دبي.
الطيران، والوزن، والتأمين، وتوصيلة المطار، وفندق تحفة على الجي بي آر (JBR).
حتى إني استخدمت نقط الأميال بتاعتي عشان أطلب ترقية للكرسي بتاعي.
ما حدش سأل اتكلفت كام.
ولا حد قال شكراً.
عند كاونتر المحطة، موظف شركة الطيران شاف الباسبور بتاعي وابتسم: “الآنسة ياسمين المنشاوي، تم تأكيد ترقية الكرسي بتاعك.. هتسافري على درجة رجال الأعمال (Business Class).”
لأول مرة الأسبوع ده، جسمي كله ارتاح.
بعد شهور طحن في الشغل لدرجة الهلاك، الكرسي ده ما كانش رفاهية.. كان طوق نجاة عشان أريح.
فريدة لفت في ثانية وبرطمت: “يعني إيه هي اللي تاخد بيزنس؟ لا طبعاً، الكرسي ده بتاعي أنا.. أنا اللي متخرجة!”
الموظف رد بكل أدب: “الترقية نازلة على حساب الآنسة ياسمين.”
فريدة ضحكت ضحكة صفرا وسخيفة: “يا بنتي ما تبقيش درامية وخلي قلبك أبيض، إنتِ أصلاً مابتفرقش معاكي الحاجات دي. أنا لازم أوصل فايقة وشكلي حلو عشان الصور.. هاتي البوردينج يلا.”
قلت لها بكل برود: “لا.”
وش أمي قفش وقالت: “ياسمين، أبوس إيدك ما تبدأيش بنكدك وتناحتك دي.. دي حركة حلوة تفرحي بيها أختك.”
قلت لها: “الحركة الحلوة دي مدفوعة من جيبي. الأميال أميالي، والتذكرة باسمي.”
أبويا قرب مني وقال: “إنتِ دايماً غاوية تكسري فرحة الكل وتذلينا عشان معاكي قرشين؟”
قلت: “أنا مش بذل حد، أنا بس مش هتنازل عن كرسّي المرة دي.”
فريدة ربعت إيدها وابتسمت الخبث كله في عينها: “إنتِ أنانية طول عمرك، ومغلولة مني عشان أنا اللي الكل بيحبني بجد.”
الكلمات توجع.. بس مكسرتنيش.
أنا سمعت أوحش من كده بكتير على طبلية البيت.
قلت لها بصوت واطي: “خلي رأيك لنفسك يا فريدة.. وأنا هخلي الكرسي لنفسي.”
في اللحظة دي، أبويا رفع إيده.
المنفضة (القلم) سمعت في المطار كله لدرجة إن الموظف نفسه تنح في مكانه.
وشي اتلوح الناحية التانية، وخدّي قاد نار.
وقال وهو بنهج: “عشان بعد كده تعرفي تحترمي الكبار.”
أمي مجريتش عليا.
ولا حتى سألتني أنا كويسة ولا لأ.
كل اللي عملته إنها نفخت بضيق كأني أنا اللي فضحتها: “طول عمرك بتصعبي الأمور يا ياسمين.. شيلنا همك من وإنتِ عيلة صغيرة.”
فريدة ابتسمت وقالت شمتانة: “تستاهلي.”
حطيت إيدي على خدي.
ما عيطتش.
ما صرختش.
بصيت للثلاثة كأني بشوف عيلتي على حقيقتها لأول مرة في حياتي.
كانوا فاكرين إنهم كده كسروا مناخيري وقعدوني في حتتي.
فاكرين إني هطأطأ راسي، وأسلمهم البوردينج، وأفضل أدفع تمن حب وعمرهم ما أدوهولي.
بس نسوا حاجة مهمة جداً..
تذاكر الطيران كلها باسمي.
حجز الفندق كله بفيزتي.
الفسح، والتأمين، والترقيات، والحجوزات—كل تفصيلة في رحلة أحلامهم دي مكنتش هتشوف النور إلا عشان أنا اللي دافعة تمنها.
لفيت للموظف تاني، وأنا لسه حاسة بسخونية إيد أبويا على وشي.
وقلت له: “لو سمحت، الغي التلات تذاكر التانيين اللي مربوطين بحجزي.”
أمي بقها اتفتح من الصدمة.
فريدة ضحكتها اختفت تماماً.
أبويا قعد يبربش بعينه وهو مش مستوعب.
الموظف تردد وسألني: “يا فندم، حضرتك متأكدة؟”
بصيت في عيون عيلتي واحد واحد..
وقلت الكلمة اللي كان لازم أقولها من سنين:
“آه.. أنا خلاص مش هيدفع تمن كدبهم تاني.”
وفي أقل من خمس دقايق، رحلة دبي اللي قعدوا يمنظروا بيها قدام قرايبنا وجيراننا لأسابيع، بقت أكبر فضيحة ومأساة في حياتهم.
عشان البنت اللي قالوا عليها “شيلنا همها”.. طلعت هي السند الوحيد اللي كان ممشيهم على الأرض.
الجزء الثاني: البداية الجديدة
وأنا واقفة قدام كاونتر الوزن، بدأت أحس بتقل القرار اللي أخدته. ملامح وشوش عيلتي كانت ميكس غريب بين الذهول والغل. لأول مرة في حياتي، أقف على رجلي وأرفض أكون لعبة في إيدين الناس اللي المفروض بيحبوني من غير شروط.
أمي، وهي لسه تحت تأثير الصدمة، حاولت تلم الموضوع وتلعب على نغمة الواجب العائلي: “يا ياسمين، ما ينفعش اللي بتعمليه ده.. إحنا أهل، ولازم نقف جنب بعض.”
أخدت نفس عميق، وحسيت بقوة وثبات لأول مرة: “الأهل ما بيعاملوش بعض كده يا ماما. أنا ياما اتنزلت وياما كنت كريمة معاكم فوق الوصف طول السنين اللي فاتت، بس الاحترام ده رايح جاي.. ما تطلبيش مني أضحي بسعادتي وراحتي عشان راحتكم أنتوا.”
فريدة، اللي دايماً دموعها قريبة وجاهزة للتمثيل، بدأت تعيط بنهنهة درامية: “عشان خاطري يا ياسمين.. أنا بس كنت متحمسة للسفرية، ومكنتش اقصد أي كلمة من اللي قلتها.”
دموع التماسيح بتاعتها دي مبقتش تأثر فيا ولا بـ مليم. هزيت راسي وقلت لها: “يا فريدة، الموضوع مش موضوع كرسي ولا سفرية.. الموضوع إنك أنتِ وكل اللي واقفين دول استبحتوا طيبيتي واعتبرتوها حق مكتسب. جه الوقت اللي أحترم فيه نفسي، حتى لو أنتوا مش عايزين تحترموها.”
أبويا، اللي طول عمره هو صاحب الكلمة والأمر والنهي في البيت، كان وشه أحمر وخلاص هيفرقع من الغيظ. بس أنا مبقتش البنت الصغيرة الخايفة من عقابه أو زعيقه.. أنا خلاص بقيت مسؤولة عن نفسي، وعندي شغلي وحياتي، ومش مستنية منه موافقة ولا خايفة من نقد.
بصلي وبصوت مخلوط بين الغضب والقلة حيلة قال: “إنتِ مش هتقدري تسيبنا واقفين في المطار كده وتتمشي!”
بصيت في عينه بكل ثبات ومن غير ما ارمش: “أنا مش بسيبكم.. أنا بس بحرر نفسي.”
موظف الطيران، اللي كان شاهد على التمثيلية والفيلم الهندي ده كله، خلص إجراءات الإلغاء بكل هدوء ومن سكات وقال لي: “تم إلغاء التذاكر يا فندم.. تأمري بأي خدمة تانية؟”
ابتسمت له بذوق وكنت ممتنة جداً لمهنيته في الموقف الصعب ده: “شكراً جداً لحضرتك.. كتر خيرك.”
وبعد ما تذاكرهم اتلغت وأحلامهم في السفرية اتهدت، لفيت ضهري ومشيت. همسات ونظرات الناس اللي في الصالة كانت محوطاني، بس أنا كنت حاسة براحة وحرية عمري ما دوقتها قبل كده.. أنا أخيراً بقيت صاحبة قرار حياتي.
وأنا ماشية في اتجاه بوابة الخروج للطائرة، خطفتني لحظة شك بسيطة.. أنا خلاص بقيت لوحدي، من غير العيلة اللي عشت معاهم عمري كله. بس أول ما ركبت الطائرة وقعدت في كرسي البيزنس المريح، عرفت إني مش لوحدي.. أنا معايا نفسي، وده كفاية وزيادة.
والطيارة بطير وبتترفع في الجو، بصيت من الشباك وشوفت أنوار القاهرة بتبعد وتصغر. أنا مسافرة دبي، بلد الفرص، والجمال، والبدايات الجديدة.. وده بالظبط اللي ناية ألاقيه هناك: بداية جديدة تماماً.
الطريق اللي جاي مجهول ومش متخطط له، ومليان احتمالات مالهاش آخر. أنا سيبت ورايا كل الأحمال والطلبات اللي كانت دايسة على نفسي لسنين. السفرية دي، اللي كانت معمولة أصلاً عشانهم، بقت أحلى هدية أقدمها لنفسي.. فرصة عشان أكتشف أنا مين وعايزة إيه بجد.
في اللحظة دي، حسيت بسلام داخلي رهيب.. أنا مبهربش من أهلي، أنا بخطي خطوة ناحية مستقبل مش هكون فيه “ممسحة جِزم” لحد.. أنا اختارت نفسي.
ودي في حد ذاتها، كانت أكبر وأجمل مغامرة في حياتي كلها