الشاليه بتاعي حصري لصفحة روايات رولا

​حصري لصفحة روايات رولا
مرات ابني ظهرت فجأة عند باب الشاليه بتاعي في الغردقة بشنط سفرها وقالتلي بمنتهى البرود: “سمعنا إنك اشتريت المكان ده، فقلنا نيجي نعيش معاك ونصفّي النفوس ونفتح صفحة جديدة.” كانت بتبتسم بثقة وكأن القرار خلاص اتاخذ، وابني كان شايل الشنط وداخل وراها من غير حتى ما يستأذن. أنا ماجادلتش ولا كلمة.. وسعتلها الطريق عند الباب وقلتلهما اتفضلوا. بس أول ما وصلوا للرسبشن الكبير.. الكلام كله اتوقف وصدمة العمر نزلت عليهم؛ المحامي بتاعي كان قاعد جنب الدفاية معاه الورق المترتب اللي كان المفروض يقرؤوه الأول!
​أول حاجة لفتت نظري كانت صوت عجل الشنط وهو بيتكركر على الأرضية الخشب.
​الصوت ده كان بيجرح قلبي، لأن الخشب ده كنت نقّيته أنا والمرحومة مراتي زمان قوي قبل ما أشتري الشاليه ده بكتير. هي كانت تعشق الخشب الدافي، والشباك الكبير، والهدوء اللي بيبص على الشجر والبحر بدل زحمة ودوشة العربيات. بعد ما بعت سلسة المطاعم بتاعتي، اشتريت المكان ده عشان أشتري دماغي وألاقي شوية هدوء. دفاية حجر، وتراس يبص على المية، وفنجان قهوة مع الشروق، وكتب طبخ قديمة.. وهدوء مش يطلب مني أي حاجة.
​وفجأة.. لقيت جيهان بتجر شنطها فوق الخشب ده وكأنها داخلة فندق!
​قالت وهي بتبص حواليها في المدخل: “يا حاج فاروق.. المكان طلع أحلى من الصور بكتير!”
​أنا عمري ما بعتلها صور للمكان..
ودي كانت أول معلومة سجلتها في سري.
​كان ابني تامر واقف وراها وشايل تلات شنط في إيديه، وكتفه متني زي الراجل اللي بيحاول يصغر نفسه قدام القرار اللي وافق عليه وخلاص. ما بصليش في الأول، كان بيبص للأرض، وبعدين للسلم، وبعدين للشبابيك الكبيرة اللي في الرسبشن.
​قال بصوت واطي: “أزيك يا بابا..”
رديت ببرود: “أهلاً يا تامر.”
دي كانت كل الكلمة اللي اديتهالها.
​جيهان هي اللي كانت بتتكلم كالعادة. عدت من جنبي بلابسها الشيك وبوتها بيلمع، شعرها متظبط وابتسامتها مرسومة، وعيونها عمالة تقيس البيت وتقيّمه.. المطبخ، العروق الخشب، حلل النحاس القديمة المتعلّقة فوق الرخامة، والكراسي الجلد اللي جنب الدفاية. وقفت قدام رف كتب الطبخ القديمة بتاعتي ومالت برأسها:
“شكلهم لطيف قوي.. ديكور حلو.”
رديت: “دول كتب نادرة.”
قالت: “اه طبعًا.. أكيد.”
ابتسامتها الخفيفة دي كانت بتقولي هي بتفكر في إيه بالظبط: راجل كبر، حاجات قديمة، حياة قديمة.. وكل ده مستنيها هي عشان تعيد ترتيبه على مزاجها.
​تامر نقل الشنط من إيد لإيد وقال: “جيهان قالي إن ده الوقت المناسب عشان ننهي أي توتر بيننا.”
قلتله: “توتر؟”
بلع ريقه وقال: “يعني.. البعاد اللي كان بيننا.”
​البعاد ده كان كلمة دلع لسبع سنين من المكالمات اللي ما بتردش عليها، والزيارات الخاطفة في الأعياد، والمحادثات اللي كان ابني بيحكي فيها وكأنه بيقرا من سيناريو جيهان هي اللي كاتباهوله. البعاد ده كان عزومة العيد اللي زقت فيها طبق اللحمة بتاعي وقالت إنها بتميل للأكل الأرقى من كده. البعاد ده كان المكالمة اللي جتلتي بالغالط وسمعتها فيها بتسأله: “هو الراجل الكبيرة ده هيفضل متمسك بكل حاجة لإمتى؟”
وابني رد عليها لحظتها: “قريب قوي.. غالباً.”
​الجملة دي فضلت يرن صداها في مطبخي سنين طويلة بعد ما قفلت السكة.
عشان كده لما ظهروا عند بابي بشنطهم، ما حسيتش ببديهة ولا مفاجأة.. حسيت بـ تأكيد.
​سألتني جيهان: “أني أوضة هتبقى بتاعتنا؟”
كررت كلمتها: “بتاعتكم؟”
ضحكت بصوت واطي: “يعني مؤقتاً لحد ما نرتب أمورنا.. إحنا محتاجين بداية جديدة، ومشاكل القاهرة تعبتنا بصراحة، وأكيد الأهل لازم يبقوا مع بعض.”
​الأهل.. الكلمة دي الناس بيطلعوها دايماً لما يكونوا عايزين يفتحوا باب مقفول عليهم.
​وسعت السكة وشاورت على الرسبشن: “اتفضلوا.. ادخلوا اتدفوا.”
كان باين عليها الفرحة، وكأنها كسبت أول جولة من غير حرب. تامر بصلي بامتنان سريع، والنظرة دي وجعتني أكتير من صوت الشنط.. كان فاكر إن سكاتي معناه استسلامي. يمكن كان محتاج يضحك على نفسه بالفكرة دي.
​مشوا قدامي..
الرسبشن كان دافي ومحسوس بإضاءة الغروب. الدفاية شغالها بنار هادية. وعلى ترابيزة القهوة، جنب صينية فيها فناجين قهوة محدش قربلها، كان فيه دوسيه أصفر كبير، وفولدر أخضر بتاع الشؤون القانونية، وتلات عقود ومستندات ممضية ومترتبة بالملي.
​أستاذ مراد، المحامي بتاعي، كان قاعد على الكرسي الجلد جنب النار.
أول ما دخلوا، قام وقف.
​جيهان وقفت فجأة لدرجة إن تامر كان هيخبط فيها!
ولأول مرة من ساعتها ما حطت رجلها في شاليتي، لسانها اتلجم وما نطقتش.
​مراد كان شكله بالظبط زي ما أنا عايزه: هادي، متأنق، واثق في نفسه، ومش من النوع اللي ينضحك عليه بابتسامة. كان ماسك أجندة في إيده وقلم. وجنبه كانت قاعد استاذة سارة، المفتشة والمحققة الخاصة اللي أجرتها من تلات أسابيع، شعرها الأسود القصير ورا ودانها، وعيونها حادة تخلي أي كذاب يراجع نفسه.
​ابتسامة جيهان اتهزت..
قالت ببطء: “حاج فاروق.. إيه ده؟”
رديت: “قعدة عيلة.”
​عينيها راحت للدوسيه الأصفر..
وبعدين لـ مراد المحامي..
وبعدين لـ تامر.
وش تامر جاب ألوان واصفرّ تماماً.
​قفلت باب الشالية ورايا.. صوت تكّة الكالون كان عالي قوي في الهدوء ده.
قلت لها: “مش قُلتي جاية تصفّي النفوس ونفتح صفحة جديدة؟ قلت نبدأ بالأول بالحاجات اللي اتدفنت ورا ظهرنا.”
​وش جيهان اتشد، بس حاولت تتدارك الموقف بسرعة: “لو الموضوع تخص الفلوس، إحنا مش جايين عشان كده خالص!”
​”مش كده برضه؟”
​”أكيد لأ! إحنا جايين عشان تامر كان مستوحشك جداً.”
​بصيت لابني.. فتح بقه ومكتش ينطق، وقفل بقه تاني.
​سارة (المحققة) حطت صورة واحدة على ترابيزة القهوة.
عين جيهان نزلت على الصورة قبل ما تحس بنفسها.
​كانت صورة ليها وهي طالعة من مبنى عيادات ومراكز طبية في المهندسين، متصورة من الرصيف اللي قدامها. اسم المركز كان باين، بس مش ده المهم.. المهم كان التاريخ اللي مطبوع في التقرير المتدبس تحت الصورة.
​تاريخ من تلات أسابيع بس.. قبل ما تظهر عندي في الشاليه بشنطها!
​مراد المحامي بدأ الكلام وقال:
“مدام جيهان.. قبل ما نتكلم في أوض، أو صلح عيلة، أو ترتيبات إقامة طويلة هنا.. محتاجين نوضح كام نقطة قانونية مهمة جداً الأول.”
​جيهان ضحكت ضحكة خفيفة ومصنوعة: “إيه الجنان ده؟ أنت جايب حد يراقبني؟!”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *