ف المطعم

—اطردي الست العaret دي من الترابيزة اللي جنب الباب! زبون بيدفع بجد يسوى أكتر من كل قروشها على بعضها!

​زعقة عم رجب خلت المطعم كله يسكت م الفزع.

​مريم، وهي صبيّة شقردية عندها ٣٣ سنة، وقفت مسمّرة مكانها وصينية الأكل على إيدها. وقدامها كانت ست الحاجة نفيسة، عجوزة عندها ٨١ سنة ولسه واصلة حالا عشان تاخد شوربة اللسان عصفور المعتادة بتاعتها.

​—الترابيزة دي محجوزة عشانها —ردت مريم بكل ثبات.

​—المعلم هنا هو أنا! —صرخ صاحب المحل بعصبية—. الباشا المحامي جاي مع مراته وهيصرف في وجبة واحدة أكتر ما الست دي بتصرف في السنة بحالها.

​الحاجة نفيسة قامت من مكانها وهي مكسوفة ومحبطة.

​—معليش يا بنتي، ولا يهمك. أنا ممكن أقعد جنب المطبخ جوه.

​بس مريم حطت إيدها برقة على كتفها وقالت:

​—حضرتك مش هتحركي من مكانك.

​الكلمتين دول كانوا هيبقوا سبب في قطع عيشها وطردها من الشغل.

​مطعم “الحبايب” كان شغال من عشرات السنين في قلب منطقة وسط البلد بالقاهرة. جوه كان فيه ترابيزات خشب قديمة، طواجن فخار معلقة عالحيطان، وصور فوتوغرافية باهتة لأيام الزمن الجميل.

​مريم كانت شغال هناك من ست سنين. كانت مستحملة زعيق عم رجب وقسوته عشان كانت محكومة تحوش قرشين عشان تحقق حلمها: تفتح مطعم صغير “مأكولات شعبية” ملوش كبير، ومحدش فيه يتهزأ عشان جيبه فاضي.

​كانت محوشة فلوسها في برطمان إزاز، مخبياه جوه دولاب صغير في شقتها. ولصقة عليه ورقة كاتباها بإيديها: “عشوة المستقبل”.

​بس كان فيه سر خطير، لا صاحب المطعم ولا العمال كانوا يعرفوه.

​طوال سنتين كاملين، وكل يوم حد، وبالضبط الساعة واحدة الضهر، كانت الحاجة نفيسة بتيجي بلبسها البسيط وطرحتها الإيشارب القديمة.

​ودايماً تطلب نفس الطلبة.

​—شوربة دافية يا بتي، وشوية عيش، كفاية عليا كده.

​بعدين تطلع قروش معدودة من محفظتها المتهالكة وتعدهم واحدة بواحدة بحذر شديد.

​مريم اكتشفت بالصدفة إن الست الغلبانة دي يدوب على قد أكل يومها بالعافية. ومن يومها، كل يوم حد كانت بتدفع من بخشيشها الخاص تمن صينية فراخ بملوخية ورز معمر وسلطة.

​—النهاردة الأكل على حساب المحل يا ست الحاجة، الباشا صاحبنا كريم.

​العجوزة كانت بتبتسم برضا.

​—ربنا يباركلنا في صاحب المحل، راجل طيب وابن حلال.

​ومن جوة المطبخ، كان صوت عم رجب بينادي ويشتم في العمال.

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *