ف المطعم
الاتنين كانوا بيبصوا لبعض بنظرة كلها أسرار ومحبة.
في وسط القعدات دي، كانت الحاجة نفيسة دايماً تحكي عن ابنها حسام، اللي بتقول إنه مهندس كبير وعايش في الإسكندرية.
—مشغول وعنده شغل كتير، بس واعدني إنه هينزل قريب يطمن عليا.
مريم كانت عارفة من جواها إن الوعد ده بقاله سنين مبيتنفذش.
وكمان كانت ملاحظة حاجة غريبة جداً: مع إن ترابيزتها كانت أحسن وأجمل ترابيزة في المطعم، الحاجة نفيسة نادراً ما كانت بتبص من الشازمة (النافذة) على الشارع.
عينيها دايماً كانت تاخدها صورة قديمة معلقة سنة ١٩٦٧ لثلاث بنات شابات شغالين جارسونات في المحل زمان.
بعد خناقتها مع عم رجب، العجوزة سابت ورقة تحت طبق الشوربة وهي ماشية.
”كتر خيرك يا بنتي على وقفتك جنبي. بقالي سنين طويلة محدش دافع عني بالشكل ده”.
الأسابيع اللي بعد كده، بدأت صحتها تضعف وتدبل.
وفي يوم، وهي بتقدملها الشوربة، مسكت الحاجة نفيسة إيد مريم وقالت بصوت واهن:
—احلفي لي بحياة أغلى حاجة عندك يا بتي.. لو جيت في يوم حد ومجيتش، استني لحد الساعة واحدة ونص.
—بعد الشر عنك، بطلي كلام الغم ده يا ست الحاجة.
—احلفي لي بالله.
مريم وافقت عشان تطمن قلبها.
والحد اللي بعده جه، وجهزت الترابيزة زي كل أسبوع.
الساعة واحدة.
واحدة وعشرة.
واحدة وعشرين دقيقة.
الحاجة نفيسة مجتش خالص.
وفجأة.. دخل المحل راجل طويل، لابس بدلة شيك جداً، ووشه باين عليه التعب والحزن.
كان ماسك في إيده إيشارب بيج قديم وظرف مقفول.
—إنتي مريم؟
—أيوة.. خير يا فندم، في إيه؟
الراجل خد نفس طويل كأنه بيحاول يمسك دموعه.
—أنا حسام.. ابن نفيسة.. أمي جالها جلطة في المخ امبارح بالليل، وهي دلوقتي في العناية المركزة بين الحياة والموت.
مريم حست إن رجلها مش شايلاها والأرض بتلف بيها.
بس المفاجأة الكبيرة والصاعقة الحقيقية، كانت لما حسام طلع الظرف ده من جيبه.
وكان مكتوب عليه بخط إيد العجوزة نفسها:
”إلى ابني.. افتحه وأنت قاعد على ترابيزتي في المطعم، بعد ما تخلص طبق الشوربة”.
ومريم لسه مكنش في دماغها إن الجواب ده هيقلب حياتها رأساً على عقب للأبد.
حسام قعد على الكرسي اللي أمه قضت عليه سنين وسنين كل يوم حد مستنية ونيس يكسر عليها وحدتها. مريم حطت قدامه طبق شوربة لسان عصفور طالع منه البخار، ومن غير ما يسألها، نزلت قدامه صينية فيها حتة فراخ بملوخية ورز معمر.