جهّزت عشا ليلة الكريسماس

جهّزت عشا ليلة الكريسماس وفي نفس الوقت ابني كان بيتحجج إنه عنده نبطشية؛ شفته بيكرع الكاسات مع حماه وحماته، ولما رجع اكتشف إنه خلاص.. مش هصرف عليه ولا أدفعله مليم تاني.
​الإهانة وصلتني على الموبايل الساعة 8:17 بالليل، وقدام 26 فرد من العيلة. أنا كل اللي عملته إني سألت في جروب الواتساب بتاع العيلة لو أحفادي عايزين بقلاوة بالشربات، لما تامر، ابني، رد بأوديو الكل سمعه.
​— يا أمي، أرجوكي بلاش دراما كل سنة. أنا قلتلك عندي نبطشية في المصنع. إحنا كبرنا وكل واحد عنده التزاماته.
​حسيت إن ودانيا بتولع. مرات أخويا وقفت كتابة. بنت عمتي مسحت الرسالة اللي كانت بتبعتها. حتى جوزي، مصطفى، رفع عينه من الجرنان.
​أنا كنت بقالي 3 أيام بتبّل العرق الفليتو اللي تامر بيموت فيه من وهو صغير. وكنت جايبة كمان كشك بالجمبري، وممبار، ومكسرات عشان الخشاف، وعلبة شوكولاتة الأحفاد دايماً بيدوروا عليها قبل ما نعد للعد التنازلي.
​معاتبتوش.
​— ماشي يا حبيبي. ربنا يعينك في شغلك.
​بعدها بـ 5 دقايق كلمني على الخاص.
​— متزعليهوش يا أمي. والله الشغل اتعقد فجأة.
​— أنا مش زعلانة.
​— بابا متفهم، صح؟
​بصيت لمصطفى. بقالنا 46 سنة متجوزين، وكان بيقراني من نظرة عيني.
​— أبوك متفهم.
​تامر أخد نفس عميق كأنه ارتاح. وقال لي إن مراته، ياسمين، والعيال هيقعدوا في البيت عشان ملوش لازمة يسافروا من الشيخ زايد لحد مصر الجديدة وهو مش معاهم.
​صدقته.
​تاني يوم الصبح، بنتي ندى كلمتني.
​— يا ماما، أنا كمان مش هعرف أجي بدري.
​ضحكت، بس كانت ضحكة ناشفة.
​— تمام يختي. أهو توفير مواعين ونظافة.
​— متقوليش كده يا ماما.
​— أومال أقول إيه؟
​ندى سكتت. وقعدت تشرح لي إن عندها عزومة مع عيلة جوزها. أنا رديت إن مفيش مشكلة، بس حسيت إن الشقة بتوسع عليا وبتبقى فاضية أكتر كل دقيقة.
​مصطفى حاول يطري الجو.
​— نأكل العرق ده إحنا الاتنين وخلاص.
​— هيجيلك تلبك معوي.
​— هموت وأنا مبسوط.
​ضحكني،وده كان كفاية عشان أكتفي وأكمل طبيخ.
​يوم 31 ديسمبر نزلت السوق معاه. كان فيه عيلات بتشتري بلالين وطرابيل، وعيال شايلين زينة، وستات بيتنازعوا على سعر الفاكهة. مسكت كيس عين جمل عشان تامر دايماً بيحبه على سلطة الفواكه.
​وقفت بصالها.
​— ده حتى مش جاي.
​مصطفى أخد الكيس وحطه في العربية.
​— خلاص هآكله أنا.
​— إنت بتكره عين الجمل!
​— بني آدم وبيغير رأيه.
​رجعنا البيت بأكل أكتر من اللي نحتاجه. الساعة 6:00، تامر عمل مكالمة فيديو. ظهر بقميص أبيض ووراه حيطة رمادي.
​— كل سنة وإنتي طيبة يا أمي.
​— إنت لسة في المصنع؟
​— اه، الضغط جامد هنا.
​— وريني المكان حواليك كده.
​بربش بعينه.
​— م ينفعش يا أمي. دي تعليمات أمن ودواعي سلامة.
​مصطفى قرب من الكاميرا.
​— شق طريقك يا ابني ومتشغلش بالك بينا.
​— تسلم يا بابا. هعوضهالكم.
​بعدها سألت على الأحفاد.
​— نايمين.
​— نايمين الساعة 6 المغرب؟!
​— أصلهم سهرانين من امبارح.
​المكالمة خلصت بسرعة غريبة.
​الساعة 7:40 كنا بنتعشى لوحدنا لما موبايل مصطفى رن. كان إشعار من إنستجرام. حفيدتي عندها 15 سنة نزلت “ستوري” من غير ما تاخد بالها إن جدها بيتابعها.
​على الشاشة ظهر حمام سباحة منور، ونخل، وأضواء دهبية، ومائدة كبيرة قدام البحر.
​عرفت تامر على طول.
​وعرفت ياسمين.
​وعرفت أحفادي.
​ووراهم كان قاعد حما تامر وحماته، وأخوات مراته الاتنين، بأزواجهم، وحتى عم مراته اللي تامر يا دوبك يعرفه.
​الكلام المكتوب كان: “راس السنة في الجونة مع العيلة كلها ❤️”.
​فضل أتصور في الصورة لحد ما الحروف بدأت تتهز قدام عينيا.
​— هات الموبايل ده.
​مصطفى حاول يسحبه مني.
​— يا ثريا…
​— هاته قلتلك!
​كبرت الصورة. تامر كان لابس قميص مشجر. الراجل اللي من ساعة واحدة بس كان بيقلي إنه محبوس في مصنع، كان واقف بيضحك وفي إيده كاس.
​ضحكت.
​مش عشان الموضوع يضحك.
​— ما شاء الله! مصنع جميل أوي.. فيه نخل وبحر!
​مصطفى جز على سنانه.
​— أنا هكلمه أهزأه.
​— لأ.
​— ده ضحك علينا واستغفلنا!
​— مش النهاردة.
​دموعي نزلت، بس رفضت أعيط عشان خاطر فسحة. إن ابن يروح مع عيلة مراته مش هي دي المشكلة. المشكلة إنه استسهل يخليني أحس بالذنب وأني “بضغط عليه” بدل ما يقولي الحقيقة ورجليه على رقابته.
​في اللحظة دي.. الجرس رن.
​مصطفى فتح الباب.
​كان واقف على الباب راجل شعره أبيض خالص، متكئ على عكاز، ومعاه راجل وست في الأربعينات. الراجل العجوز بصلي كأنه مشي نص قرن عشان يوصل للباب ده.
​— إنت مصطفى المليجي؟
​جوزي اتسمر مكانه.
​الراجل العجوز ابتسم ودموعه مالية عينيه.
​— أنا عماد.. الولد اللي أنتم انتشلتوه من الشارع سنة 1978.
​وفي اللحظة دي بالذات، فهمت إن ليلة رأس السنة دي.. كانت لسة مبتدية وتقلب حياتنا رأس على عقب.
:
​لعدّة ثواني محدش كان عارف يقول إيه. عماد دخل بالراحة، وهو بيصل في الحيطان كأنه بيدور على أثر لبيت مابقاش موجود.
— افتكرت إني مش هعرف ألاقيكم.
مصطفى حضنه بقوة بقالي سنين مشفتهوش بيحضن بيها حد. أنا أخدت وقت أطول شوية عقبال ما استوعبت. وبعدين افتكرت العلامة اللي فوق حاجبه الشمال.
قبل 46 سنة، مصطفى كان لاقاه ورا موقف أتوبيسات، عيان، وسخنان، ومعاهوش ولا مليم. كان عنده 21 سنة وقاعد بقاله أسابيع بينام في أي حتة تجيله. إحنا كنا لسة متجوزين جديد، ومأجرين أوضتين وبنحسب القرش بالمليم عشان نعدي الشهر. ومع ذلك، مصطفى أخده على المستشفى. وأنا قعدت أعمله شوربة لأيام. وبعدها جيبناله هدوم، وشغلناه في مخزن، وبعدين أجرناله أوضة رخيصة.
عماد عاش معانا تقريباً 8 شهور.
ولما جه يرجع لنا الفلوس، مصطفى رفض.
— لو جه يوم وقدرت تساعد حد، ساعده. وبكده نكون خلصنا.
عماد سافر إسكندرية. ولقطاعات سنين كان بيبعت جوابات. وبعدين غير عنوانه، وإحنا كمان غيرنا عنوانا، والحياة فرقتنا.
دلوقتي كان قاعد على سفرتي ليلة رأس السنة.
الراجل اللي كان معاه كان ابنه، دانيال. والست كانت مراته، كارلا. كانوا جايبين معاهم حواوشي إسكندراني، وفاكهة، وعصير، وفولدر أزرق.
— إحنا مش جايين نرد دين — عماد قال كده —. لأن ده شيء مستحيل.
أنا مسكت إيده بقوة.
— يبقى متبدأش تتكلم عن ديون.
دانيال فتح الفولدر. جواه كان فيه صور لدار إطعام صغيرة.
— بابا أسس المكان ده من 18 سنة. بيخدم الناس اللي بتيجي إسكندرية من غير عيلة، من غير شغل، أو لسة طالعين من المستشفى.
عماد بصلي.
— اسمها “دار مصطفى وثريا”.
معرفتش أتكلم.
مصطفى قلع نظارته وعمل نفسه بيمسحها، مع إنه كان بيعيط.
— إنت مجنون.
— أنتم علمتوني إن الوجبة المليانة حب ممكن تنقذ روح كاملة مش بس تملا بطن.
دي كانت أول نقطة تحول في الليلة: في الوقت اللي كنت حاسة فيه إن الحب اللي اديته لابني اتردم عليه واتهان، كان فيه جميل كنا قربنا ننساه وفضل يكبر ويفرع لسنوات.
الجرس رن تاني.
فتحت وأنا فاكرة إن ده حد من الجيران.
— يا ماما!
ندى ظهرت مع جوزها، وبنتها، و4 شنط أكل.
ضربتها على دراعها قبل ما أحضنها.
— إنتي كمان كدبتي عليا!
— بس كدبتي أنا كان متوافق عليها للكريسماس!
ضحكت والدموع في عينيا. ودخلتها جوة.
ولما الكل قعد، ندى شافت الصورة اللي لسة مفتوحة على موبايل مصطفى. ضحكتها اختفت.
— أنتم شوفتوها خلاص.
بصيت لها.
— إنتي كنتي عارفة.
ندى وّطت رأسها.
— اه.
— من إمتى؟
— من أسبوعين.
مصطفى خبط بالراحة على السفرة بصباعه.
— ومحدش فيكم كان ناوي يقولنا؟
ندى أخدت نفس عميق.
— أنا كنت عايزة. واتخانقت مع تامر. بس قال لي إنكم هتعدوا تعملوا “دراما” وإنه بيضل يوجع دماغه بالوجع والتبريرات.
حسيت بنغزة تانية.
— هو قال كده؟
— قال كده وحاجة كمان.
— قوليلي.
— يا ماما…
— قوليلي!
ندى فتحت موبايلها وورتني شات. تامر كان كاتب لها: “أبويا وأمي في الآخر بيساعدوا. الموضوع بيمر. في يناير هكلمهم لأني محتاج أكتمل فلوس الفرع الجديد”.
قريت الجملة مرتين.
— فرع إيه؟
ندى غمضت عينها.
— هو هيفتح فرع تاني. وناقصه 480 ألف جنيه. كان ناوي يطلبهم منكم بعد رأس السنة.
مصطفى ضحك ضحكة من غير أي فرحة.
— عشان يطلب فلوس عارف بيتنا فين وعارف سكتنا.
محستش بغضب سريع. حسيت بحاجة أوحش: حسيت برؤية واضحة وصافية.
على مدار سنين كنا بنساعده في مقدم الشقة، وفي مصاريف علاج ومستشفيات، ورأس مال لراجل أعمال مبتدئ في أول مشروع له، ومصاريف المدارس لما المبيعات كانت بتقع. عمرنا ما كتبنا عليه نص جنيه. عمرنا ما طالبناه بحاجة.
بس فجأة شوفت النمط كامل.
الموضوع مش إن تامر مبيلزمناش أو مبيحبناش.
الموضوع إنه اتعود إن حبنا ملهوش عواقب ولا شروط.
عماد فضل ساكت لحد ما ندى خلصت كلامها.
— ثريا — قال لي —، ممكن أقولك حاجة؟
هزيت رأسي.
— إنك تساعدي حد يقوم على حيله دي حاجة. لكن إنك تشيليه عشان يفضل طول عمره ميتعلمش يمشي، دي حاجة تانية خالص.
مصطفى بصلي.
وأنا كنت خلاص عارفة هو بيفكر في إيه.
تاني يوم الصبح كان عندنا معاد مع المحامي عشان نوقع كضامنين لقرص بنكي تامر كان مقدمه على إنه “مجرد إجراء شكلي”.
طلعت موبايلي.
فتحت إيميل البنك.
ولأول مرة في حياتي كتبت جملة واحدة من غير ما أحس بأي ذنب:
“نحن نسحب موافقتنا وكفالتنا للضمان”.
ودوبك دوست إرسال، الموبايل بدأ يرن.
كان تامر.
تامر فضّل يضغط على زرار الاتصال كذا مرة ورا بعض، وبعدها بـ 10 ثواني بالضبط الموبايل بدأ يرن بفيديو كول.
​مصطفى بصلي وسألني بنظرة هادية:
— هتردي؟
​— اه هرد.. بس على الميكروفون العادي عشان الكل يسمع.
​فتحت الخط، وصوت تامر خرج عالي ومذعور، من غير حتى ما يقول “ألو”:
— ماما! هو إيه الإيميل اللي وصل للبنك ده؟! هو فيه مشكلة في الحسابات عندكم ولا السيستم فيه حاجة غلط؟
​رديت عليه بكل هدوء الدنيا:
— مفيش حاجة غلط يا تامر. الإيميل صح، وأنا ومصطفى سحبنا ضمانتنا للفرع الجديد.
​سكت ثانية كأنه مش مستوعب، وبعدين صوته اتغير وبقى فيه نبرة غضب مكتومة:
— ماما إنتي بتهزري صح؟ ده معاد التوقيع بكره الصبح! أنا اتفقنا على كل حاجة، والمهندس شغال في التشطيبات! إزاي تعملوا حركة زي دي من غير ما ترجعوا لي؟!
​مصطفى أخد الموبايل من إيدي وتكلم بصوت حاسم:
— وإنت إزاي تعمل حركة زي إنك تقولنا إنك محبوس في نبطشية المصنع وإنت واقف بقميص مشجر بتكرع الكاسات في الجونة مع حماك وحماتك؟
​السكوت خيم على الناحية التانية من الخط. تامر قطع كلامه تماماً، وسماع صوته وهو بياخد نفسه بصعوبة كان باين في الميكروفون.
​— بابا.. أنتم.. أنتم عرفتم منين؟
​— من الستوري بتاعة بنتك اللي نزلتها ونسيت إن جدها بيكلمها ويتابعها — مصطفى رد عليه بكلام زي السكين —. مش المشكلة إنك تسافر يا تامر.. المشكلة إنك استسهلت تعمل علينا نمرة، وتخلي أمك تقضي 3 أيام بتبل وتطبخ وتستنى، وتخليها تحس بالذنب إنها “بتضغط عليك”، عشان بس تريح دماغك من التبريرات.
​تامر حاول يرقع الموقف بسرعة وهو بيلجلج:
— يا بابا والله الموضوع جه فجأة! حمايا هو اللي حجز الطيران والعزومة وجاب الفيلا، ومرديتش أقولكم عشان عارف إنكم هتزعلوا وتعملوا موال.. قلت أعديها وخلاص!
​أتكلمت أنا المرة دي وصوتي ثابت:
— وموضوع الـ 480 ألف جنيه بتوع الفرع الجديد كانوا برضه هيعدوا وخلاص؟ كنت جاي تتسحب في يناير تعمل شوية دراما وتآخد الضمانة وإنت شايفنا مجرد مكنة بتطلع فلوس وتعدي الهبل بتاعك؟
​— ماما! ندى هي اللي قالتلك صح؟! أنا عارف إنها بتدخل نفسها في اللي مالهاش فيه!
​ندى كانت قاعد جنبنا، قامت وقفت وقالت بصوت عالي:
— اه أنا يا تامر! عشان إنت زودتها أوي، وعامل بابا وماما كأنهم كارت مضمون في جيبك وقت ما تحتاجه ترميه، وقت ما تخلص منفعتك منهم تركنا على الرف!
​تامر بدأ يحس إن البساط بيتسحب من تحت رجليه، ونبرته تحولت من الهجوم للترجي:
— يا أمي ارجوكي، القرض ده لو متمش المشروع هيقف وهخسر العربون والأوردرات اللي طلبتها! أنتم كدة بتهدوا كل اللي بنيته! مستعد أركب العربية حالا وأجيلكم مصر الجديدة نعد مع بعض ونصلح كل حاجة!
​بصيت لعماد اللي كان قاعد على السفرة بيسمع في هدوء، وافتكرت كلمته: “إنك تشيليه عشان يفضل طول عمره ميتعلمش يمشي، دي حاجة تانية”.
​رديت عليه بابتسامة خفيفة، وراحة عمري ما حسيت بيها من سنين:
— لا يا تامر، متجيش. كمل فسحتك في الجونة مع العيلة اللي اخترت تقضي معاها رأس السنة. وإنت راجل عندك شغلك وبيتك، اتصرف وادير أمورك بنفسك من غير ما تشيلنا شيلتك. إحنا خلاص أدينا رسالتنا معاك، والباب ده اتقفل.
​— ماما استني—
​قفلت الخط في وشه قبل ما يكمل.
​حطيت الموبايل على الترابيزة وبصيت لمصطفى، لقيته بيتسم لي بامتنان، وعينيه فيها نظرة فخر مكنتش شفتها من زمان.
​عماد رفع كاس العصير بتاعه وقال بصوت دافي:
— سنة جديدة سعيدة عليكم يا أطيب ناس.. والشقة دي عمرها ما هتفضى أبداً.
​قعدنا كلنا حولين السفرة، ناكل ونضحك ونفتكر أيام زمان، ولأول مرة من سنين طويلة، حسيت إن ليلة رأس السنة دي كانت أجمل ليلة في حياتي.. مش عشان كل حاجة كملت زي ما خططت، بس عشان أخيراً عرفت أربّي وأحمي نفسي وبيتي.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *