كل يوم خميس

كل يوم خميس الساعة اتنين الضهر بالظبط، ضرة أيامي وعشيقة جوزي بتقعد على كرسي الكوافير بتاعي، تسيبلي أربعمية جنيه بقشيش، وتقولي على كل سر جوزي مخبيه عني.
​وهي ماعندهاش أي فكرة إن الست اللي واقفة وراها وماسكة المقس في إيدها هي مراته.
​والأسبوع ده، وأنا بلف خصل من شعرها في الفويل، قالتلي بمنتهى البساطة جوزي ناوي ينقل إيه باسمي قبل ما يرمي عليا ورقة طلاقي.
​”انتِ بصراحة الوحيدة في المنطقة دي اللي بأمنلك وبثق فيها يا أبلة سيدة.. انتِ عارفة كده؟”
​أمل قالتلي الكلمتين دول في أول جِلسة ليها عندي.
​ومن ساعتها، وهي بتعيد وتزيد فيهم تقريباً كل يوم خميس.
​اسمها أمل.
​وبتركب عربية سيراتو بيضا، والمفاجأة إنها متأجرة على حساب شركة جوزي.
​أنا بقى اسمي سيدة.
​مأجرة كرسي في كوافير في شارع الجلاء في طنطا.
​الكل هناك بيعادوني بـ “أبلة سيدة”.
​وبقالي سِتة وعشرين سنة متجوزة راجل اسمه طارق.
​أول مرة أمل جابت سيرة صاحبها، قالتها كده وخلاص.
​”دا طارق صاحبي عنده شركة مقاولات وتشطيبات قد الدنيا.”
​لثانية واحدة، حسيت إن المشط حايقع من بين صوابعي.
​بس ماوقعش.
​فضلت مبتسمة.
​وفضلت أريح شعرها.
​وفضلت أسمع.
​وعلى مدار الأسابيع اللي بعد كده، أمل كانت بتكمل البازل حتة حتة.
​على كلام طارق، هو محبوس في جوازة سودا ومفيهاش أمل.
​ومراته هاملة في نفسها ومابتراعيهوش.
​وكانت “شغالالها شغلانة كوافير ولا حاجة كده”.
​ده غير إنه اشترالها شقة في حاي الثورة على حساب الشركة.
​وبعدين حكتلي عن الشاليه اللي في الساحل.
​وبعد كل زبونية يوم الخميس، أول ما أمل تطلع من باب المحل، أفتح الصقحات الأخيرة من أجندة المواعيد بتاعتي وأكتب كل كلمة قالتها.
​تواريخ.
​ساعات.
​أسامي.
​مبالغ.
​أملاك.
​حسابات بنك.
​بعد ستة وعشرين سنة جواز، اكتشفت عن جوزي وأنا بصة في قفا ست تانية أكتر ملي عرفته طول عمري وأنا قاعدة وشي في وشه على ترابيزة السفيرة.
​الخميس ده، أمل وصلت الساعة اتنين وخمس دقايق، وداخلة المحل وهي بتتطاطا من الفرحة ومسكة التليفون في إيدها.
​”يا أبلة سيدة لازم تشوفي ده! أخيراً عملها!”
​رفعت التليفون في وشي.
​صورة خاتم سوليتير.
​اثنين قيراط على الأقل.
​”بيقولي الطلاق حيكون مفيش أسهل منه،” قالتلي كده. “يعني أصل مراته مش حتقدر تفتح بقها ولا تتكلم عشان هي أصلاً مش عارفة معاهم إيه ولا حيلتهم إيه.”
​رشيت شوية مية على شعرها.
​”مش عارفة؟”
​أمل ضحكت.
​”يا شيخة كبريها، دي فاكرة إنهم قربوا يشحتوا.”
​إيديا فضلت شغالة.
​”ده بقاله سنتين بيعشمها إن الشركة بتخسر ومكسورة. ده حتى خليها تروح تنظف عيادة أسنان كل سبت عشان فاكرة إنهم محتاجين القرشين.”
​أنا فعلاً عملت كده.
​كل يوم سبت.
​من أواخر الربيع اللي فات.
​ولثانية واحدة، مسكة المشط اتغيرت في إيدي.
​أمل لمحت وشي في المراية.
​”أبلة سيدة؟ انتِ كويسة؟”
​”زي الفل.. تثبتي بس.”
​بصيت لوشي في المراية وراها.
​ملامحي كانت هادية خالص.
​هادية زيادة عن اللزوم.
​الهدوء المرعب اللي بيجي لما تحس إن في حاجة جواك اتكسرت خلاص.
​وبعدين أمل قربت من المراية.
​”المهم بقى، اسمعي التقيلة.”
​فضلت أقسم شعرها خصل خصل.
​”ده شايل القرشين الحقيقيين في حساب لوحده لربطته بالشاليه بتاع الساحل. فيه حوالي أربعة مليون جنيه هناك.”
​أربعة مليون.
​ومن كم شهر بس، أنا أخرت إشعة الثدي عشان كنت خايفة من ثمن الكشف والأشعة.
​وأمل كملت رغي.
​”والأسبوع الجاي، ينقل كل ديون الشركة وقروضها باسم مراته. أقساط معدات، ضرائب متأخرة، كل حاجة. ولما يطلقها، هي تشيل الطين والديون وهو ياخد الكاش يروق بيه.”
​إيدي وقفت.
​مش كتير.
​يعني نص ثانية.
​”وهو حايخليها تمضي إزاي؟”
​أمل ابتسمت لنفسها في المراية.
​”مش حايخليها تمضي ولا حاجة.”
​استنيت تطلع بقيتها.
​”هو حيمضي بدالها. قال لي إنه بيعرف يبصم ويقلد إمضتها من زمان.”
​وبعدين ضحكت.
​”هي أصلاً مابتخترعش ولا بتبص في ورق.”
​والجزء ده كان صح.
​لطول عمره، طارق كان يرمي الورق على رخامة المطبخ، يبوس خدي، ويحط القلم في إيدي.
​”امضي هنا يا سوسو.”
​وكنت ببصم وأمضي وأنا غمضة عين.
​تليفون أمل زن.
​بصت في الشاشة وابتسمت.
​”ده هو.”
​”عايز إيه؟”
​”بيسألني لو كنت كلمتك ولا لسه.”
​عيني اترفت لمرايتها.
​”تكلميني في إيه؟”
​علت التليفون عشان أشوف الرسالة في انعكاس المراية.
​سألتي الكوافيرا بتاعتك على الورق؟ انتِ مش قلتي إنها مأذون ومحلفة وعندها ختم النسر؟ محتاجين حد غريب ميعرفناش.
​فضلت باصة في الشاشة.
​أنا فعلا موثقة عقود ومعايا ختم النسر للمصالح.
​الشهادة بتاعتي متعلقة جنب المراية في المحل بقالها إحدى عشر سنة.
​وطول الفترة دي، الأستاذ طارق معمرش رجله دخلت محل شغلي عشان يلمحها حتى.
​أمل حطت التليفون في حجرها.
​”عنده شوية أوراق محتاجة توثيق وختم نسر الجمعة الجاية. وحايديكي إكرامية حلوة.. طاقة كاش.”
​موقعتش المقس من إيدي.
​مازعقتش وماطلبتش تفسير.
​ومقلتلهاش أنا مين.
​أنا بس ابتسمت.
​”من عينيا يا حبيبتي.. قولي له الجمعة الساعة أربعة.”
​أمل مدت إيدها ومسكت إيدي.
​”يا أبلة سيدة انتِ بجد تسلم إيديكِ وأصيلة.”
​بعد ما مشيت، قلبت اليافطة اللي على الباب وخليتها “مغلق”.
​الساعة أربعة إلا ثلث بعد الضهر، كلمت المحامية الوحيدة في طنطا كلها اللي عمرها ما عدت على كرسيي.
​كان اسمها الأستاذة إلهام.
​لمدة إحدى عشر دقيقة، سمعتني من غير ما تقاطعني بنص كلمة.
​حكيتلها كل حاجة.
​العشيقة.
​شقة حي الثورة.
​العربية السيراتو.
​شاليه الساحل.
​الحساب المخفي.
​الأربعة مليون جنيه.
​الإمضاءات اللي طارق ناوي يزورها.
​وخطته عشان يلبسني ديون الشركة.
​وفي الآخر، قلت للإستاذة إلهام إن جوزي بنفسه ناوي يدخل عليا المحل بالورق.
​لما خلصت كلامي، سكتت كذا ثانية.
​وبعدين قالت لي:
​”يا سيدة، هاتيلي أجندة المواعيد دي فوراً.”
​أخدت الأجندة ورحتلها.
​قرت كل كلمة كتبتها.
​كل يوم خميس.
​كل رقم.
​كل عنوان.
​كل اعتراف عبيط أمل رمته في وشي وهي قاعدة على الكرسي.
​لما الأستاذة إلهام قفلت الأجندة، بصتلي وقالت:
​”يوم الجمعة، خليه يحط الفايل على الرخامة قبل ما تنطقي بحرف.”
​وجي يوم الجمعة.
​الساعة أربعة إلا دقيقتين بالظبط، عربية طارق وقفت بره المحل.
​أمل كانت قاعدة جنبه في الكرسي اللي قدام، بتبط روجها في مراية العربية.
​جوه المحل، ورا الستارة اللي عند الحوض، الأستاذة إلهام كانت قاعد ساكتة ومجهزة التليفون.
​طارق دخل الأول.
​وشايل فايل تقيل تحت دراعه.
​قلع النظارة الشمس.
​ومشي عليا عدل.
​حط الفايل على الرخامة قدامي.
​وبعدين رفع عينه.
​عينه جت في عيني.
​لثانية طويلة، ولا حد فينا تحرك.
​الدم اتصفى من وش كله.
​”سيدة؟”
​حطيت إيدي بالراحة جنب ختم النسر.
​”أهلاً يا طارق.”
​شفايفه اتفتحت.
​ولا كلمة طلعت منه.
​وفي اللحظة دي، أمل دخلت وراه.
​”يا أبلة سيدة، ده بقى—”
​وسكتت في نص الكلام.
​بصت الأول على وش طارق.
​وبعدين بصتلي.
​ورجعت تفتكر وبصتله تاني.
​طارق مد إيده فوراً عشان يسحب الفايل.
​حطيت إيدي فوق الفايل وقفلته.
​”لا،” قلتها بالراحة.
​”انت جايب الورق ده هنا عشان عايز تختمه وتوثقه.”
​عينه انحرفت ناحية الستارة.
​ورجعتلي تاني.
​ولأول مرة في ستة وعشرين سنة جواز، جوزي بان عليه الخوف بجد من كمية الحاجات اللي طلعت عارفاه.
​الجزء الثاني:
​قبل ما النجاح يغيره ويخليه يفتكر إن أي مكان يدخله لازم ينضبط على مقاسه.
​طارق اللي أنا اتجوزته كان بياخد مشوار مخصوص ويجيبلي القهوة الساعة حداشر الصبح وأنا لسه شغالها عند كوافيرا تانية، عشان عارف إني واقفة على شغلي من الساعة تمانية.
​كان بيمشي بالعربية ساعة ونصف كل شهر عشان يزور أمي الله يرحمها عشان عارف إنها عايشة لوحدها.
​وفاكرة مرة لما جالي خبر وحش عن صاحبتي، مسك فيا وفضل حاطنني في باركينج السوبرماركت يجي ثلث ساعة عشان رجليا مكنتش قادرة تشيلني من الخضة.
​الراجل ده كان موجود بجد.
​وأنا حبيته بكل جوارحي.
​أنا بس مش عارفة هو اختفى أمتى ومنين.
​يمكن الفلوس هي اللي غيرته.
​مش مرة واحدة.. بالراحة وعلى مهل.
​طارق كان شغال في المقاولات والتشطيبات من وهو ابن عشرين سنة.
​صنايعي في الأول.
​وبعدين بقى أسطى ومقاول صغير.
​ولما تمينا ثلاثين سنة، قرر يفتح شرکته الخاصة.
​الشركة دي أخدت كل شقا عمرنا والتحويشة اللي حيلتنا، ده غير قرشين استلفناهم من أبويا الله يرحمه…
ساعتها بعنا اللي ورانا واللي قدامنا عشان الشركة تقف على حيلها.
​أنا فاكرة أيام ما كنا بنحسب القرش بالقرش، وكنت بأكل عيش وجبنة عشان أدبر فلوس الخامات والعمال. وكنت بمسك إيده بالليل وأنا أقوله: “الربح حايجي يا طارق، بكرة ربنا يفرجها من وسع”.
​وفعلاً الفرج جه. بس مع الفرج، جه العِشْرة بالمعروف اللي اختفت، وجت العين الفارغة، والقرش اللي جاب نمرود.
​الشركة كبرت، والملايين بدأت تجري في إيده، ومقاولات طنطا كلها بقت تحت إيده. وبدل ما يشوف إن الست اللي شالت معاه الطين تستاهل تتشال على الراس، بدأ يشوفني جزء من الماضي اللي عايز يترمه ورا ظهره. بقيت بالنسبة له “الست اللي شغالة في الكوافير” اللي مابتفهمش في الأوراق، اللي ينفع يضحك عليها بأ كلمتين ويدبسها في ديون الدنيا وقروضها عشان هو ينفد بفلووسه مع واحدة أصغر مني بعشرين سنة.
​نرجع للجمعة.. الساعة أربعة ودقيقة.
​المحل كان ساكت سكتة ترعب. طارق عينه رايحة جاية بين الفايل اللي تحت إيدي، وبين الستارة اللي وراها الأستاذة إلهام المحامية.
​أمل واقفة في نص الصالون، مش فاهمة أي حاجة، تبص لطارق وتقول: “في إيه يا طارق؟ انت تعرف أبلة سيدة منين؟ ورسالة إيه دي اللي بتقولها عليها؟”
​طارق بلع ريقه بصعوبة، وصوته خرج مكسور ومش طالع: “سيدة.. إيه اللي بيحصل هنا؟ انتِ بتعملي إيه؟”
​ساعتها الأستاذة إلهام خرجت من ورا الستارة بكل هيبة، ماسكة التليفون في إيد والأجندة بتاعتي في الإيد التانية.
​وقالت بصوت هز الصالون: “اللي بيحصل هنا يا أستاذ طارق، إن مدام سيدة طالبتك بالطلاق للضرر، ومعانا جرد كامل بكل أصولك المخفية، بحساب الساحل، وبشقة حي الثورة، وبالعربية السيراتو اللي متأجرة على حساب الشركة، وبكل مرة فكرت تقلد فيها إمضتها عشان تلبسها ديونك.”
​أمل فتحت بقها من الصدمة، وبصت لطارق: “مدام سيدة؟! دي مرتك؟! انت مش قلتلي إنها…!”
​طارق ما ردش عليها، ولا حتى بص لها. كان مركز معايا أنا.
​”سيدة.. نتكلم في البيت. أرجوكِ بلاش فضايح، الموضوع فيه فهم غلط.”
​ابتسمت له نفس الابتسامة الهادية اللي كنت ببتسمها لأمل كل يوم خميس وأنا بلف شعرها بالفويل.
​قلت له بصوت واطي بس ثابت: “مفيش بيت يا طارق. البيت اللي أكلت فيه عيش وملح وبعته، مابقاش بيتك. والورق اللي في الفايل ده، مش حايتختم بشرط واحد بس.. إنك تمضي على كل التنازلات اللي الأستاذة إلهام محضراها بكرة الصبح في المكتب. من غير شوشرة، ومن غير ما يدخل اسمك في قضايا تزوير ونصب تقفل لك الشركة بالضبة والمفتاح.”
​أمل بصتلي، وبعدين بصت لطارق، وفي ثانية واحدة أدركت إن كل العز اللي كانت عايشة فيه كان على شفا حفرة. مسكت شنطتها وبصت له بقرف: “انت ضحكت عليا وعملتني لعبة؟” ولفّت وشها وخرجت تجري من الكوافير، وسبت الباب مفتوح.
​طارق بص على الباب وهما بيقفل، ورجع بصلي تاني. كان شكله صغر عشر سنين في لحظة.
​”سيدة.. بعد كل السنين دي؟”
​قمت وقفت، مسكت أجندة المواعيد من إيد المحامية، وحطيتها قدامه على الرخامة.
​”بعد ستة وعشرين سنة يا طارق.. اكتشفت إن المشط والمقص اللي في إيدي، وفالي اللي كتبته في الأجندة دي كل يوم خميس، كانوا أنضف بكتير من كل كلمة حلوة قلتها لي وأنت بتحط القلم في إيدي وتقولي: امضي هنا يا سوسو.”
​أخدت شنطتي وجاكتي، وبصيت للأستاذة إلهام وقلتلها: “يلا يا أستاذة، مواعيدنا بكرة في المكتب.”
​ومشيت وسبته واقف في نص المحل، ماسك الفايل في إيده، ومذهول من الست اللي افتكر إنها عميا لمجرد إنها كانت بتحبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *