حمايا كلمني حصري لصفحة روايات رولا
الساعة كانت 2:17 بعد نص الليل لما حمايا كلمني وهو بيبكي وبيقولي إنه بقاله أيام من غير أكل، وإن لو ماروحتش ألحقه، يمكن ما يطلعش عليه نهار.
— يا بنتي… تعالي خذيني من هنا. أرجوكي.
وقبل ما ألحق أسأله هو فين، سمعت صوت خبطة جامدة والمكالمة اتقطعت.
الصوت ده رجعني لفوق فجأة لكل اللي حاولت أطنش وأتغاضى عنه للسنين اللي فاتت.
لما اتجوزت دانيال، كانت عيلته من نوع العائلات اللي الواحد يحمد ربنا عليهم. حمايا وحماتي، أستاذ إبراهيم وحاجة زينب، كانوا ناس هاديين، طيبين، وعمرهم ما اتدخلوا في حياتنا. إبراهيم كان باني مصنع أثاث كبير في دمياط، وزينب كانت مكرسة حياتها لبيتها. كنت بروح أشرب معاهم الشاي، وأوديهم للدكاترة، وأحرص دايماً إنهم يكونوا معانا في كل مناسباتنا.
الوحيدة اللي كانت بتكرهني بدم سنانها عشان بعمل كده كانت ليلى، مرات مدحت، الأخ الكبير لدانيال.
ليلى كبرت في ظروف صعبة، وكانت مقتنعة إن كلنا بنبصلها من فوق لتحت. أنا عمري ما استقلت بيها. أمهاتهم كانت ست عظيمة طلعت ولادها بشقاها من بيع السمك في حلقة السمك في إسكندرية، وكنت بشوفها ست تتشال على الراس. بس ليلى كانت بتشوف أي مدح على إنه تريقة.
أسوأ موقف حصل كان في عيد ميلاد الحاجة زينب. أنا حجزت في مطعم نضيف وجبتلها شال حرير غالي. وعشان ما أحرجش ليلى، قلت قدام الكل إن الهدية جايبينها إحنا الإثنين سوا.
لما خرجت للممر عشان أروح الحمام، لقيتها طالعة ورايا.
— فاكرة نفسك كريمة أوي وإنتِ بتدفعي وتتفيشري؟
— أنا بس كان نفسي يفرح قلب الحاجة زينب.
— ما تقوليش “الحاجة” كأنك بنتها!
ومنعير أي مقدمات، ضربتني بالقلم على وشي.
— لو عملتي الحركة دي تاني وخليتيني أبان فقيرة قدامهم، هتشوفي مني وش مش هيعجبك.
ما حكيتش لدانيال. قلت لتفادي المشاكل وما أعملش حرب في العيلة.
وبعد سنين فهمت إن سكوتي ده هو اللي علمها إنها تعدي حدودها من غير ما تحاسب.
مدحت هو كمان كان شايل غل وجواه نفسنة. كان دارس سينما وكان نفسه يبقى مخرج مشهور. أستاذ إبراهيم موّله مشروعين ودفعله ديون كتير، لحد ما زهق من الخسارة وشغله معاه في المصنع.
ليلى كانت بتقول إن حمايا وحماتي هما اللي دمروا موهبة جوزها.
وبعدها، إبراهيم بدأ ينسى حاجات.
التشخيص كان تدهور معرفي تدريجي (أزهايمر). كان لسه بيجيله لحظات مجمع فيها كويس، بس خلاص ما بقاش يقدر يدير المصنع بآمان. فكتب لمدحت توكيل إدارة مؤقت.
في أقل من 8 شهور، مدحت كان بايع المصنع.
بالفلوس دي سدد ديونه، واشترى فيلا كبيرة في التجمع الخامس، وعربية أحدث موديل، ولبس براندات، وفتح شركة إنتاج. ليلى بقت كل ما تشوفني تتباهى بالشنط والساعات الغالية.
— أهو طلع العيشة زيكم مش صعبة ولا حاجة — قالتها لي في واحدة من العزومات.
أول فيلم أنتجه مدحت فشل ذريع. والتاني نفس الكلام. وبعدها باعوا أرضين ملك لإبراهيم ونسفوا كل الاستثمارات اللي كانت متشالة لزمانه وكبره.
لما الحاجة زينب عرفت، وقفتلهم.
— الفلوس دي كانت عشان علاج أبوك ومصاريفه!
مدحت ولا اتهز ولا اتكسف حتى.
— لو كنتوا وقفتوا جنبي بجد من الأول، كان زماني بقيت اسم كبير دلوقتي!
دانيال أعصابه أفلتت وضرب مدحت، والبوليس جه فض خناقتهم قدام العيال.
بعدها بـ 3 أسابيع، الحاجة زينب ماتت بسكتة قلبية.
في العزا، شفت إبراهيم واقف قدام النعش وبيسأل مراته ليه مش راضية تقوم وتصحى. وليلى في الناحية التانية ما كانتش بتسيب التليفون من إيدها.
كنا عايزين ناخد إبراهيم يعيش معانا، بس في نفس الوقت بنتنا فريدة جايلها أزمة صحية ولازم تعمل عملية كبيرة في القلب. كنا عايشين في المستشفيات بين حانا ومانا.
في يوم، إبراهيم جمع ولديه.
— أنا مش عايز أكون عبء على دانيال. يا مدحت، لو أخذتني عندك، أنا هدفع ثمن ممرضة تراعيني. أنا شايل حوالي 3 مليون جنيه لظروفي وعلاجي. ولما أموت، اللي يتبقى منهم هيكون للي شالني ورعاني.
وش ليلى اتقلب أول ما سمعت رقم الـ 3 مليون.
— طبعاً يا بابا، ده إحنا نشيلك في عينيننا ونخدمك بروموش عينيننا.
أنا وقفت وقلت:
— إحنا ممكن نياخدك معانا من غير ما نلمس مليم من الفلوس دي.
ليلى بصلتي بنفس نظرة الاحتقار بتاعة يوم المطعم.
— أهي ظهرت القديسة بتاعة العيلة تاني.
إبراهيم في الآخر قرر يروح معاهم عشان ما يضغطش علينا في ظروف عملية فريدة.
وقبل ما يركب العربية مع مدحت، حضنني جامد.
— ما تقلقيش عليا يا بنتي.
شفته وهو ماشي وحسيت بغصة ومغص في بطني.
لأن عين ليلى ما كانتش على حمايا خالص…
عينها كانت على الفايل اللي شايل فيه ورق الـ 3 مليون جنيه.