اتصلت بجوزي
حصري لصفحة روايات رولا
اتصلت بجوزي 31 مرة من طوارئ المستشفى وأمه بتموت. في المكالمة رقم 31، ست تانية هي اللي ردت عليا. “هو في الحمام.. إحنا في الغردقة، بطلز زن بقى يا مراته القديمة!”، وضحكت وصوت أمواج البحر طالع في الخلفية. كان عامل حوار إنه في رحلة شغل عشان يخلع ويروح يتبسط مع عشيقته. كل كلمة قذرة ومستفزة وصلت لودان حماتي وهي بتطلع في الروح. النار اشتعلت في عينيها الانطفوا، وراحت ضاغطة في إيدي على مفتاح فضة صغير كانت ممتخبياه. ومع آخر نفس طالع منها، شفايفها تحركت بكلمتين من غير صوت: “دمريه”. وبعدها بثانية، جهاز ضربات القلب طلع خط مستقيم وصوت صفارة واحدة.
الجزء الأول
”بجد بطلز زن بقى وتصلات! هو بياخد دش يا حبيبتي، إحنا مقضينها ومستمتعين في الغردقة.”
ضحكة العشيقة المقروعة والسكرانة طلعت من سماعة التليفون، وقطعت سكون أوضة المستشفى التلج زي السك\ينة.
ومن ورا كلامها والملاوعة بتاعتها، كنت سامعة صوت الموج وهو بيخبط في الشاطئ وصوت فرقعة أزايز الشامبانيا وهي بتتفتح للتحلية.
ما صرختش.
ما مسكتش التليفون دبدبته في الأرض.
أنا وقفت في مكاني ساكتة ومذهولة، وأنا بشوف الحياة اللي قضيت عقود أَبني فيها بتهدم وتتردم فوق دماغي في ثانية.
في الوقت اللي جوزي، طارق، عامل فيه شغلانة وممثل إنه مسافر في رحلة شغل مهمة، كان قاعد بيمزمز في الكوكتيل على البحر في الغردقة مع ست تانية—ومن غير ما يعرف ولا يفرق معاه إن أمه نفسها بتطلع في الروح على سرير مستشفى.
وما كانش يعرف برضه إن طول العشرين سنة اللي فاتوا، أنا اللي كنت بأكلها، وبحمّيها، وبقعد تحت رجليها في كل جلطة تجيلها، في الوقت اللي كان بيعاملنا إحنا الاتنين على إننا تقالة وحمل تقيل مش طايق يشوف وشنا.
ساعتها، ما كانش فاضل في عيني دموع أبكي بيها.
إضاءة المستشفى البيضا الناقعة كانت نشفت آخر دمعة في عيني.
”يا طنط إلهام… عشان خاطري خليكي معايا ما تسيبينيش”، همستلها من ساعات وأنا ماسكة إيدها الضعيفة وبصل بطارق مرة ورا مرة ورا مرة.
رنة.
رنة.
البريد الصوتي.
ولما عشيقته ردت في المكالمة رقم واحد وتلاتين عشان تتنطط وتتمسخر على حرقة قلبي، آخر قرش احترام وحب كان فاضل جوايا ليه اتبخر.
”أنا آسفة أوي يا طنط إلهام”، بكيت وأنا بقع جنمب السرير. “هو مش جاي.”
وفجأة حصلت حاجة مستحيلة.
صوابع طنط إلهام—اللي بقالها فترة طويلة ما بتحركش—اتحركت وفزت فجأة.
مسكت إيدي وعصرتها بقوة غريبة ومش طبيعية، قوة ما تطلعش غير من نار وغل أم مظلومة.
كانت سامعة كل كلمة واطية طلعت من التليفون.
ومن ورا ماسك الأوكسجين، شفايفها الدبلانة كانت بترتعش.
ما طلعتش صوت.
بس بعد عشرين سنة قضيتم في خدمتها ورعايتها، كنت فاهمة بظبط هي عايزة تقول إيه من غير ما تنطق.
دمريه.
وبآخر نَفَس وحيل فاضل في جسمها، طنط إلهام زقت حتة معدن صغيرة وتلج في كف إيدي.
جهاز رسم القلب طلع صفارة واحدة طويلة ومستمرة.
بالراحة وبإيد بتترعش، فتحت كف إيدي.
جواها كان فيه مفتاح فضة صغير أوي.
لسنين طويلة، كانت ممتخبية بيه تحت هدومها وجسمها، وكانت منبّهة ومأكدة على حاجة واحدة بوضوح:
طارق ممنوع يلمسه أو يعرف عنه حاجة أبداً.
قبل ما النور يطفي من عينها للمرة الأخيرة، بصتلي بصة أخيرة.
هي ما سيبتليش ذكرة أفتكرها بيها.
هي سلمتني مفتاح الخزنة المستخبية اللي تقدر تهد وتدمر كل كدبة وبنيان مزيف ابنها بناه وزوق بيه حياته المثالية.
📦 الجزء التاني بيكشف السر اللي طنط إلهام حمتـه لسنين… والدليل الصادم اللي يقضي على ابنها للأبد.
الجزء الثاني
المفتاح الفضة كان بيتقل في إيدي أكتر مع كل كيلو بقطعه بالعربية وأنا أبعد عن المستشفى. طنط إلهام حمته وعاشت كاتمة سره لعقود، حتى عن ابنها من صلبها. هي ما طلبتش مني أسامحه.. هي طلبت مني أدمّره.
مشيت ورا العنوان المكتوب في أجندتها القديمة لحد ما وصلت لخزائن أمانات خاصة في أطراف القاهرة. الموظف العجوز بص للمفتاح، وفجأة وقف على حيله واهتم.
”أنا كنت مستني حد ييجي بالمفتاح ده من زمان,” قالها بصوت واطي.
نزل معايا للدور اللي تحت، ووقف قدام صندوق أمانات صغير متسجل بس باسم طنط إلهام قبل الجواز.
المفتاح لف جوة القفل بصوت تك خفيفة.
جوة الخزنة كان فيه عقود ملكية، كشوفات حسابات بنكية، مذكرات مكتوبة بخط إيدها، كذا فلاشة، وظرف مقفول ومكتوب عليه من برة: للست اللي فضلت وافية وللآخر.
إيديا كانت بتترعش وأنا بفتح الجواب.
”لو بتقري الكلام ده,” طنط إلهام كانت كاتبة، “يبقى طارق اختار الجشع وطمع الدنيا على أهله وبيته. كل حاجة محتاجاها عشان تفضحيه وتكشفيه موجودة هنا.”
الدموع غطت عيني وما بقتش شايفه.
تحت الجواب كان فيه كشوفات حسابات على مدار سنين، بتوضح إن طارق كان بيسحب بالسر من حسابات الودائع والتركة، وزور إمضاء أمه، ونقل ملكية عقارات العيلة لشركات وهمية باسمه من غير ما تعرف.
هو ما خنش مراته وبس.. ده سرق أمه اللي ولدته!
بعدها فتحت فلاشة من الفلاشات على جهاز الكمبيوتر اللي في الصالة.
أول فيديو ظهر.
طارق كان قاعد قدام محامي وبيضحك بكل بجاحة:
“لما أمي تموت، كل حاجة هتؤول ليا اصلاً.. هي عمرها ما هتعرف ولا تحس باللي أنا نقلته باسمي.”
الفيديو خلص، وبدأ واحد تاني.
المرة دي كان بيتكلم عن حسابات برة مصر واستثمارات مستخبية مع اتنين شركائه.
كل جartيمة كانت متسجلة بالصوت والصورة.
كل كدبة متوثقة ورقة ورقة.
ساعتها بس فهمت ليه طنط إلهام كانت حامية المفتاح ده بروحها.
هي ما كانتش بتحمي فلوس.. هي كانت بتحمي الحقيقة.
وأنا بلم الأوراق والملفات جوة شنطتي، التليفون رن.
اسم طارق ظهر على الشاشة.
رديت من غير ما أنطق بنص كلمة.
صوته كان هادي بطريقة مستفزة وغريبة:
“المستشفى كلموكي؟”
”أيوه.”
سكات طويل عدى بينا.
بعدين سأل السؤال الوحيد اللي جمد الدم في عروقي:
“أمي… ما إدتكِش أي حاجة قبل ما تموت، صح؟”