ف المطعم
—أنا ما طلبتش كل ده.. —قال بصوت وطي وهادي.
—ولا الحاجة كانت بتطلبه، بس كانت بتحب تاكله من إيدي.
حسام أخد أول معلقة شوربة، ووقف مبهوت.
—طعمها.. نفس طعم الششوربة اللي أمي كانت بتعملها لي وأنا صغير.
—هي اللي علمتني السِر، وقالت لي إنك بتحبها كدة.
الراجل المهندس الكبارة وشه نزل للأرض. ولما خلص أكله، فتح الظرف المقفول.
الجواب كشف سر يخلي أي ابن يوطي وشه في الأرض من الخجل. أمه كانت عارفة كويس أوي إن مريم هي اللي بتدفع تمن أكله من جيبها. كانت بتشوفها وهي بتطلع القرشين من بخشيشها وتخبي الفواتير بكل كتمان. بس الحاجة نفيسة عمرها ما اتكلمت ولا فتحت بقها، عشان كانت خايفة تخسر الكام دقيقة اللي بتقعد تتكلم فيهم مع مريم كل أسبوع.
”يا حسام يا ابني.. أنت كنت بتبعت لي فلوس، بس مريم كانت بتبعت لي وقت.. وأنا كنت محتاجة الوقت ده أضعاف أضعاف الفلوس.”
حسام قرا الجملة دي بدل المرة عشرة. وجوة الظرف، لقى كمان صورة باهتة ومصفرة لشاب صغير قاعد قدام طبق شوربة على نفس الترابيزة دي بالظبط. وضهر الصورة كان مكتوب عليه بخط قديم: “يوم الحد، الساعة واحدة الضهر، سنة ١٩٦٧”.
—ده أيويا الله يرحمه.. —همس وهو مش مصدق—. عمره ما قال لي إنه كان بيجي المكان ده!
قبل ما يقوم، حط إيده في جيبه عشان يدفع تمن الأكل، بس مريم رفضت تاخد مليم.
—النهاردة الأكل على حساب الحاجة نفيسة.. بس قولها إن ترابيزتها مستنياها في أي وقت.
ولما حسام خرج من باب المحل، طلع عم رجب من المطبخ وزعيقه جايب آخر الشارع.
—أنتي عارفة مين ده يا غبية؟! ده صاحب شركة مقاولات ك think! شركته اشترت العمارة دي كلها وهيهدوا المحل عشان يبنوا مكانه مول تجاري كبير!
وش مريم اتخطف.. ابن الحاجة نفيسة هو اللي هيهد المكان الوحيد اللي أمه كانت بتلاقي فيه ونسها وراحتها!
في نفس الليلة، مريم راحت المستشفى ومعاها ترمس فيه شوربة دافية. الحاجة نفيسة أول ما شافتها وشها نور وابتسمت بالعافية. حسام كان واقف بعيد بيبص عليهم.. شاف مريم وهي بتأكلها بإيدها، وبتعدل لها المخدات، وبتسليها وتحكي لها عن الحكايات الصغيرة اللي حصلت في المحل. أمه كانت طول اليوم مستنية الزيارة دي بفارغ الصبر.
في الممر برة، حسام قال لمريم وهو حاسس بالذنب:
—أنا كنت بتبعت لها ٧٥٠٠ جنيه كل شهر.. كنت فاكر إني كده قايم بواجبي كابن وممشقصّر معاها.