ف المطعم
مريم بصت له نظرة أخيرة وقالت:
—المحل ده كان نور بوجود الحاجة نفيسة.. مش بوجودك ولا بطمعك. وأنا لا يمكن أشتغل في مكان فيه ناس تبيع كرامة البني آدم عشان الفلوس.
وقبل ما تمد إيدها تاخد برطمانها وتمشي، باب المطعم اتفتح على مصراعيه.
الكل لف وشاف المفاجأة اللي هزت المكان كله..
الحاجة نفيسة.. واقفة على رجلها، مسندة على إيد ممرضة وابنها التاني، وشها منور وفي عينيها نظرة قوة ما شافوهاش قبل كدا. الدكتورة والممرضة كانوا معاها لأنها صممت تخرج وتروح المطعم حالاً لما عرفت باللي حصل.
—محدش يطرد بنتي من هنا! —قالت نفيسة بصوت ثابت وقوي خلت المحل كله يسكت.
حسام جري عليها مذهول:
—يا أمي! إنتي جيتي هنا ازاي؟! الدكاترة قالوا لازم ترتاحي!
الحاجة نفيسة بصت لابنها بعتاب شديد، وبعدين بصت لصورة 1967 اللي على الحيطة.. الصورة اللي فيها تلات بنات شابات بيضحكوا.
—أنا جيت عشان أشهد الحق يا حسام.. الصورة دي اللي كنت ببحلق فيها كل حد.. مش مجرد صورة ناس قديمة. دي صورتي أنا وصاحباتي لما كنا بناسس مطعم “الحبايب” ده.. العمارة دي كلها والمحل ده، كانوا ملكي أنا.. وأنا اللي كتبت العقود وسمحت لعم رجب يمسكه شريطة إنه يفضل فاتح بوابه لكل محتاج وغلبان، بس هو نساها وبع ضميره لأول صفقات الفلوس.
الكل بلع ريقه بصدمة مدوية، وعم رجب وقع على الكرسي وعينه بترمُش مش مصدق وذنبه ماسكه.
الحاجة نفيسة قربت من مريم، ومسكت إيدها بحنان ودموعها نازلة على خدها:
—الـ ١٨٠ ألف جنيه اللي كتبتها لك يا بتي.. مش هبة ولا منة، دي حاجة بسيطة قصاد السنتين اللي جبرتي فيها خاطري وكنتِ بنتي اللي ما خلفتهَا، والمطعم ده وكل ملكيته.. أنا كتبته لاسم “مريم” في الشهر العقاري من أسبوع.. عشان يرجع لأصله، لمكان بيحترم البني آدم ويحفظ كرامته.
مريم عيونها دمعت وحضنت الست العجوزة بكل حب وقوة.
وحسام وقف مكسور العينين، بيشوف قدامه إزاي الإنسان بيفقد كل حاجة لما ينسى إن القيمة الحقيقية للدنيا مش في الفلوس اللي في البنك، بل في الأثر الطيب والقلب الصافي اللي بيفضل حي حتى لو الزمن اتغير.