الشبح حصري لصفحة روايات رولا

الفصل الأول: الشبح في بيت العيلة
​صوت تكسير الحصى تحت عجل عربيتي الـ “هوندا سيفيك” القديمة اللي بقالها عشر سنين معايا كان طالع كأنه اعتذار بيقطع صمت المكان. الصدمة كانت حقيقية لما قارنتها بالهدوء والفخامة بتاعة الممر المرصوف المؤدي للمنازل، واللي كان مركون فيه عربية “BMW X5” بيضا بتبرق، وجنبها عربية والدي الكلاسيك الـ “جاكوار”.
​— “ماما، هو إحنا هنقعد هنا كتير؟”
صوت ليلى بنتي طلع من الكنبة اللي ورا مليان قلق وتوتر، وهو ده القلق الفطري اللي العيال بتحسه قبل أهاليهم. كانت عندها 5 سنين، ودافنة وشها في أرنب قماش قديم ومتبهدل خيطتهولها تلات مرات قبل كده.
​— “على العشاء وبس يا حبيبتي،” قلتلها وأنا ببص عليها في مراية الصالون. “جدو وتيته عايزين يحتفلوا بالخبر الجديد بتاع خالتو إلهام.”
— “خالتو إلهام صوتها عالي أوي،” ليلى همست بالراحة.
— “عارفة يا روحي،” جاوبتها وأنا بفك حزام الأمان. “بس إحنا مش هنطلع صوت.. هنكون مش ميكروباصات، زي عادتنا دايماً.”
​بصيت لنفسي في المراية.. كنت لابسة كارديجان بيج بسيط فوق قميص أبيض شرياه من محل بالة، وبنطال جينز قديم ومستهلك، وشعري لمّاه كعكة عشوائية. بالنسبة للعالم، وبالذات لعيلتي، أنا “آية”.. الأم العازبة المطحونة، آية اللي سابت كلية الفنون الجميلة.. آية “الغلطة”.
​محدش فيهم شاف الست اللي قضت السبع سنين اللي فاتوا بتبني “مجموعة تايتان” للاستثمار، من مجرد لابتوب في بدروم مستودع، لشركة قابضة ضخمة قيمتها وصلت 4 مليار دولار. محدش منهم كان يعرف إن “شغل إدخال البيانات من البيت” اللي كنت بقولهم عليه، كان في الحقيقة إدارتي لمحفظة استثمارية بتضم شركات عقارية، وشركات تكنولوجيا ناشئة، ومؤسسات لوجستية.
​كنت مخبية حياتي عن الأضواء لسبب واضح؛ والدي “مدحت” كان بيقدس المظاهر والمنظرة فوق أي قيمة، ووالدتي “بهيرة” كانت بتموت في الشكليات أكتر من الحب نفسه، أما أختي “إلهام”.. فدي مكنتش بتشوف في الدنيا غير نفسها وبس.
​مشينا لحد باب الفيلا، مأعلنتش وجودي وخبطت.. فتحت ودخلت عل طول.
ريحة البيت كانت مليانة بلمسة اللحم الضاني المشوي وزهور الزنبق الغالية.. ريحة كانت بتجيبلي غثيان من أيام مراهقتي؛ ريحة المثالية المزيفة.
​”أوبااا! صالة المساعدات الاجتماعية وصلت يا جماعة!”
صوت إلهام وصل لمسامعي من الصالون.
​دخلت وأنا كابسة على إيد ليلى جامد. إلهام كانت مأنتخة على الأنتريه الجلد الإيطالي، وفي إيدها كاس شربات، ولابسة فستان أحمر قطيفة غالي جداً، تمنه يقفّل تمن عربيتي الهوندا دي. والدي ووالدتي كانوا بيبصولها بوشوش بتنور، كأنهم بيبصوا لإله نازل من السما.
​— “أهلاً يا إلهام،” قلت بصوت واطي. “مساء الخير يا ماما.. أهلاً يا بابا.”
— “آية،” أمي اتنهدت من غير ما تقوم من مكانها، وبصت للبس نظرة كلها قرف واستسلام: “هو أنا مش بعتلك كرتونة فيها لبس إلهام القديم؟ الكارديجان ده.. كله وبر وومشجر كده ليه؟”
— “أنا مرتاحة فيه يا ماما،” قلتلها.
— “طب تمام، حاولي متقعديش على الكراسي الصالون الحرير،” والدي اتكلم وعينيه مبحلقة في نشرة الأخبار الاقتصادية في التلفزيون. “جاييلنا ضيوف مهمين كمان شوية، ناس تقال.”
— “سمعتي الخبر؟” إلهام سألت وهي بتهز كاسها بامتياز. “شركة (فانغارد للتسويق) بتاعتي خلاص شركة استثمار مباشر ضخمة هتشيرها.. مجموعة اسمها (تايتان). تلاقيكي مسمعتيش عنها يا آية، أصلهم مبيشتغلوش في مجال كابونات التخفيضات والتموين.”
​كتمت ضحكتي بالعافية وقلت: “(مجموعة تايتان)؟ الاسم شكله كبير ويخوف.”
— ” طبعاً،” إلهام اتفشخرت. “هما اللي كلموني.. قالوا إنهم مراقبين طريقتي في الإدارة وبقالي شهور تحت عينيهم. عايزين يشتروا الشركة ويثبتوني في منصبي كرئيس تنفيذي مع زيادة خيالية في المرتب.. بنتكلم في ملايين يا آية، تخيلي!”
​مكنتش محتاجة أتخيل، لأن أنا اللي مضيت على الصفقة دي بنفسي من تلات ساعات! بس مكنتش شرياها عشان “حنكة” إلهام الإدارية، أنا شريتها لأني كنت عارفة إن شركتها بتغرق وبتخسر دم قلبها، وكنت عايزة أنقذ أختي من الإفلاس كآخر محاولة مني أكون أخت جدعة قبل ما أتحول لقرش في السوق المالي.
​— “مبروك يا إلهام، حاجة تفرح،” قلت.
— “الله يبارك فيكي،” إلهام تريقت. “يمكن ترحمي بابا بقى وتتوقفي عن طلب فلوس البنزين منه.”
​أنا مأخدتش من أبويا مليم من عشر سنين، بس هو كان بيموت في دور “الراعي الرسمي الشهم” قدام الناس عشان يحس بالود ع حسابي.
​— “يلا بينا،” أمي صقفت بإيدها. “الأكل جاهز. آية، خدي ليلى غسلي إيدها شكلها ملزق.”
​الفصل الثاني: مجزرة أحد الفصح
​الجو فضل مشحون ومتوتر في البيت لأسابيع، لحد ما انفجر الوضع كله يوم عزومة “أحد الفصح”. صفقة الشراء كان المفروض تخلص رسميًا تالت يوم الصبح، الاتنين الساعة 9 بالدقيقة. إلهام كانت هايبرة وبتتنطط من الفرحة بفلوسها اللي خلاص على وصول.
​السفرة كانت زحمة؛ أمي وأبويا عزموا الجيران، عائلة “روبنسون”، عشان يتفشخروا بـ “إلهام الناجحة”.
​— “آه طبعاً،” إلهام كانت بتتكلم بصوت عالي وبتلوح بالشوكة والسكينة. “المديرين في (تايتان) ناشفين جداً، بس أنا عرفت أظبطهم.. اللعبة كلها في فرض السيطرة، لازم توريهم العين الحمرا من الأول.”
​كنت قاعدة بقطع لقمة صغيرة لليلى في صمت. البنت كانت هبطانة وتعبانة لأن أمي صممت نيجي بدري نساعد في التوضيب، والمساعدة دي كانت معناها إني قعدت أمسح الأرضيات وأظبط الحوائط في حين إلهام واقفة فوق دماغي بتعدل على نضافتي.
​ليلى اتحركت في كرسيها.. كان كرسي خشب زان تقيل من طقم السفرة الأساسي، وأمي وافقت تقعدها عليه على ضيق بعد ما الكرسي اللي بيتفرد انكسر.
​— “ماما، عايزة أشرب،” ليلى همست.
حاولت أمد إيدي أجيب شفشق المية، بس إلهام سبقتني.. مكنتش عايزة مية، كانت بتمد إيدها تجيب كاس العصير بتاعها، ومع حركتها الحماسية والمنظرة، خبطت شفشق الكريستال التقيل.
​المية المتلجة غرقت السفرة، بهدلت المفرش الغالي ونزلت كلها على فستان إلهام القطيفة.
​”يا بنت الـ…!” إلهام صرخت بعلو صوتها.
طلعت كل غلها وعصبيتها في ليلى.. مع إن الذنب مش ذنب البنت خالص، البنت متحركتش من مكانها، بس إلهام كانت محتاجة كبش فداء، وليلى كانت أضعف حلقة.
​— “إلهام، البنت معملتش…” بدأت أتكلم.
بس إلهام مسمعتش، وزقت ليلى من كتفها جامد!
مكنتش زقة خفيفة، دي كانت خبطة بإيدها بكل غلها. ليلى كانت ضعيفة وصغيرة، فقَدت توازنها وطارت من على الكرسي الزان التقيل ووقعت على الأرض الخشب بصوت رزع يخوف.
​الصالون كله سكت فجأة.
ليلى نفسها انقطع لثواني من الصدمة، وبعدين انفجرت في عياط هستيري وصرخات وجع مرعبة.
​في ثانية كنت على الأرض وشايلها في حضني: “ليلى! حبيبتي أنتِ كويسة؟ وريني راسك كده!”
خدها بدأ يحمر جامد ومكان الوجع بيعلم.
بصيت لإلهام.. كنت فاكرة هشوف في عينها رعب أو أسف، لقيتها واقفة بتمسح فستانها بلمنديل ووشها قالب من الغضب: “بصوا الأشكال دي عملت فيا إيه! الفستان ده حرير طبيعي! أنتوا عارفين دراي كلين بتاعه بكام؟!”
​— “أنتِ زقيتيها،” قلت وصوتي بيترعش من الغضب البارد. “أنتِ رميتي طفلة عندها 5 سنين من على الكرسي!”
— “كانت مضايقاني في قعدتي!” إلهام صرخت. “هي دايماً واقفه في زوري.. زي أمها بالظبط! أنتوا شوية طفيليات وعالة! بتدخلوا البيت ده تاكلوا وتعيشوا على قفانا ومبتعملوش أي حاجة مفيدة!”
​بصيت لأبويا وأمي وأنا مش مصدقة.
— “بابا؟” قلتها وأنا بستنجد بيه.
والدي أخد بق من كاسه، ومبصش حتى لليلى.. بص للمفرش المبلول وقال: “آية، خدي بنتك ولميها.. بوظتوا العيد واللمة.”
— “البنت اتعورت يا مدحت،” قلتها من غير كلمة “بابا”.
— “هي كويسة وزي الفل،” أمي اتدخلت وهي بتبتسم بالعافية لجيراننا اللي وشوشهم اتقلبت من الإحراج. “إلهام مضغوطة بس بسبب صفقة الشركة الكبيرة، لازم تعذريها يا آية ومتبقيش درامية كالعادة.”
​— “درامية؟” همست الكلمة وأنا بقوم وبضم بنتي اللي كانت بتترعش في حضني.
— “آه درامية ونص!” إلهام زعقت. “أنتِ لزقة يا آية.. عالة في بيت هيبقى ملكي أصلاً قريب جداً، أول ما أدفع بقية رهن بيت بابا وماما. أنتِ متعرفيش يعني إيه شيل المسؤلية والنجاح.. خدي بنتك المزعجة دي واقعدي في المطبخ لحد ما تتعلمي الأدب وتحمدي ربنا على النعمة!”
​في اللحظة دي، في حاجة جوايا اتكسرت تماماً.
مكنش كسر بصوت عالي، كان أشبه بقفل خزنة حديد اتقفل للأبد. الجزء اللي جوايا اللي كان بيموت على حبهم، الجزء اللي خلاني أوافق أشتري شركتها عشان أحميها.. مات.
ضربات قلبي هديت تماماً، ومصرختش.
​— “أنتِ قلتي على بنتي عالة؟” قلت بصوت هادي وراسي جداً.
— “لأنها كده فعلاً،” إلهام رمت الكلمة في وشي. “وأنتِ كمان.”
— “تمام،” قلتها وأنا ببص لأبويا وأمي: “أنتم شوفتوا بنفسكم هي عملت إيه في ليلى، وكل اللي هاممكم المفرش؟”
— “أوه.. فكينا بقى من دور الضحية ده يا آية،” أمي اتنهدت بملل.
— “مع السلامة يا أمي،” قلتها.
​وتوجهت بالبنت للباب.
— “رايحة فين؟” والدي نطق ورايا. “لسه مأكلناش التورتة.”
— “ورايا شغل،” قلت.
— “شغل؟” إلهام ضحكت بسخرية. “يوم الأحد بالليل؟ هي بنزينة المحطة فيها عجز في العمالة ولا إيه؟”
​وقفت عند العتبة، ولفيت وشي عشان أحفر المنظر ده في دماغي لآخر مرة: المنظرة، القسوة، والافتراء.
— “اتبسطي بالبيت يا إلهام،” قلتلها. “طول ما لسه فيه سقف فوق راسك.”
ومشيت.
​الفصل الثالث: المدير التنفيذي في الظل
​طلعت بعربيتي عل طول على المقر الرئيسي لـ “مجموعة تايتان” فيحي المال والأعمال. الطريق أخد 40 دقيقة، وقت كافي إن ليلى تروح في النوم من التعب ووشها لسه معلم بآثار الدموع.
​ركنت في الجراج السفلي المخصص للمديرين، في المكان المكتوب عليه: “أ. فانس – الرئيس التنفيذي”.
شلت ليلى وطلعت لمكتبي في الدور الأربعين.. مكتب واسع بيطل على أنوار المدينة كلها، هادي ومريح. نيمت ليلى على الكنبة الجلد البيضا الكبيرة في غرف الاستقبال وغطيتها ببطانية كشمير غالية.
​قعدت ورا مكتبي وفتحت اللابتوب المؤمن بتاعي.
— “ماركوس،” قلت في الإنتركوم.
ماركوس، مدير التشغيل بتاعي، رد عليا فوراً رغم إنه يوم إجازة: “أفندم يا فندم؟”
— “صفقة (فانغارد)،” قلت. “الورق كله جاهز؟”
“تمام يا فندم، جاهز على الإمضاء بكرة الصبح الساعة 9 في مكاتبهم.”
— “تعديل في الخطط،” قلت ببرود. “فعلوا بند التدقيق المالي الجنائي حالاً. عايز تحليل كامل وتفصيلي لكل مليم دخل وخرج، وبالذات الحسابات والمصاريف الشخصية بتاعة المديرين.. الورق يكون على مكتبي الساعة 8 الصبح.”
“يا فندم؟ إحنا عملنا فحص نافي للجهالة والوضع كان مستقر.”
— “دوروا أكتر،” أمرته. “فتشوا ورا المصاريف الشخصية المستخبية تحت بند خدمات لوجستية. فتشوا ورا التحويلات الخارجية.. إلهام فانس مش مجرد فاشلة في الإدارة يا ماركوس، دي طماعة.. امسكوا عليها السرقة.”
​قضيت الليل كله صاحية منمتش دقيقة.. بتابع الأرقام وهي بتتحرك وفريق المحاسبة الجنائية بتاعي —اللي هما الأقوى في السوق— شغالين تفتيش في عظام شركة أختي.
​وعلى الساعة 3 الفجر، جرس الإنذار المالي ضرب.
كان فيه بند مستخبي وسط دفع الموردين؛ شركة وهمية باسم “لوكس للخدمات اللوجستية” مقرها في جزر الكايمان.. (فانغارد) كانت بتبعتلها 50 ألف دولار كل شهر تحت مسمى “استشارات”.
​تتبعت ملكية الشركة.. مكنتش شركة استشارات ولا حاجة، دي شركة وهمية بتدفع قسط شقة “بنتهاوس” فاخرة في ميامي وإيجار عربية بورش!
إلهام كانت بتختلس حوالي 1.2 مليون دولار من شركتها على مدار تلات سنين.. مكنتش بتفشل بس، دي كانت بتسرق فلوس ضرائب رواتب موظفيها عشان تمول الفشخرة الكدابة وتذلني بيها.
​الساعة 6 الصبح، تليفوني اتهز برسالة من أمي:
​بهيرة: “لازم تخجلي من نفسك على طريقتك المقرفة وممشيك امبارح.. إلهام قاعدة بتعيط وبتقول إنك نكدتي عليها قبل أهم يوم في حياتها.. إياكي أشوف وشك في عشاء الاحتفال بكرة.”
​كتبتلها رد قصير:
“مش هكون في العشاء.. بس هنتقابل في المكتب.”
ردت عل طول:
​بهيرة: “ابعدي عن مكتبها! أنتِ مش هتعملي حاجة غير إنك تحرجيها بسبب غيرتك السودا منها!”
​قفلت الموبايل.
— “ماركوس،” ندهت. “جهز العربية، وكلم الفريق القانوني.. إحنا طالعين على (فانغارد).”
“أجيب عقود العمل الجديدة للإدارة الحالية يا فندم؟” ماركوس سأل.
— “لا،” قلت وأنا بقوم وأظبط لبسي. “هات ورق الفصل الفوري.. وكلم مكتب النائب العام وبلغهم إن عندنا قضية احتيال جاهزة للمحاكمة.”
​بصيت في المراية.. قلعت الكارديجان القديم اللي كله وبر، وفتحت دولاب مكتبي السري اللي فيه لبسي الحقيقي.
لبست بدلة سودا كلاسيك حادة جداً من “أرماني”، ولبست حلق المات الماسي، ولميت شعري لورا شدة قوية وصارمة.
الأخت الغلبانة الطيبة اختفت.. و”التيتان” ظهرت.
​الفصل الرابع: سقوط الطفلة المدللة
​أوضة الاجتماعات في شركة “فانغارد” كانت كلها حوائط زجاج ومصممة عشان تخوف أي حد يدخلها. إلهام كانت قاعدة في أول السفرة كأنها ملكة زمانها، وأمي وأبويا قاعدين جنبها طبعاً؛ مدحت لابس أحسن بدلة عنده، وبهيرة مشغولة بترتيب ورد في فازة.
​كانوا مستنيين “الآنسة فانس” أو المندوب اللي كان بيفاوضهم باسم مستعار.. مكنش عندهم أي فكرة إن صاحب “مجموعة تايتان” ست، وميعرفوش طبعاً إن الست دي هي أنا.
​الساعة 9 بالدقيقة، باب الأسانسير اتفتح.
مشيت في الممر، وحواليا ماركوس واتنين من كبار المحاميين وأربعة حراس أمن أطوال وبعرض الباب. صوت كعب جزمتي على الرخام كان له رنة قوية، سلطوية، ومرعبة.
​فتحت الباب الزجاجي ودخلت أوضة الاجتماعات.
إلهام رفعت راسها، وعلى وشها ابتسامة صفرا ومتكبرة: “أهلاً.. أكيد حضرتك…”
الكلام وقف في زورها.
أبويا وأمي لفوا وشهم، ومدحت بقه اتفتح من الصدمة.
​— “آية؟” إلهام قالت بصوت مرعوب، وبعدين وشها اتقلب أحمر دم من الغل: “أنتِ بتعملي إيه هنا؟! فين الأمن؟! مين سمح ل دي تدخل هنا؟!”
— “أنا مش قلتلك مأشوفش وشك هنا؟!” أمي صرخت وهي بتقوم. “يا حقودة يا فاشلة، اطلعي برة! أنتِ هتبوظي فرحة أختك!”
​موقفتش.. مشيت لحد ما وصلت لرأس السفرة، وقفت فوق دماغ إلهام.
— “قومي من على الكرسي بتاعي يا إلهام،” قلت بنبرة هادية بس ترعب.
— “أفندم؟!” إلهام ضحكت بهستيرية وهي تبص للمحاميين اللي معايا: “إيه الهزار السخف ده؟ مين الناس دي اصلاً؟”
​ماركوس اتنحنح وخد خطوة لِقدام وبص لإلهام: “الآنسة إلهام فانس.. أحب أقدملك صاحبة ورئيسة مجلس إدارة (مجموعة تايتان)، المشتري لشركتكم: الآنسة آية فانس.”
​صمت قاتل حل على المكان.. صمت سحب الأكسجين من الأوضة كلها.
إلهام بصت لماركوس، وبعدين بصتلي، وبعدين بصت للوجو “تايتان” المحفور على الفايلات اللي ماركوس رماها على السفرة.
​— “لا.. مستحيل،” إلهام همست وركبها بتخبط في بعض. “أنتِ.. أنتِ بتركبي هوندا متبهدلة.. أنتِ شحاتة ومفلسة!”
— “أنا مدبرة وموفرة،” صححتلها. “فيه فرق كبير.. وأكيد مش مفلسة، على عكسك تماماً.”
​رميت ملف أزرق تقيل على السفرة، انزلق لحد ما وقف قدام أبويا مدحت.
— “افتحه يا بابا،” قلت.
إيدين مدحت كانت بترتعش وهي بتفتح الفايل وبتبص في الورق والمستندات.
— “إيه ده؟” تمتم بصوت ضايع.
— “ده الدليل على الـ 1.2 مليون دولار اللي إلهام سرقتهم من الشركة دي،” قلت ببرود. “تهرب ضريبي، اختلاس، وغسيل أموال.”
​وش إلهام بقى أبيض زي الأموات وقالت: “ده.. دي أخطاء حسابية! أنتِ مبتفهميش في البيزنس ومبتعرفيش بتقولي إيه!”
— “أنا فاهمة كويس جداً لأني أنا اللي شايلة ديونك يا إلهام،” قلت وأنا بميل عليها فوق السفرة. “أنا اللي شريت قروضك وشيكاتك اللي بدون رصيد من 6 شهور.. أنا اللي وقفت الشركة دي على رجليها بفلوسي الخاصة، على أمل إنك تتعدلي، على أمل إنك تكوني مجرد فاشلة في الإدارة مش مجرمة وحرامية.”
​سكت ثانية عشان أحسسها بتقل الكارثة، وبعدين كملت:
“بس أنتِ مديتي إيدك على بنتي امبارح.”
إلهام اتنفضت.
— “وقلتي عليها عالة،” قلت بصوت واطي جداً كأنه فحيح أفعى. “في البيت اللي أنا دفعت رهن العقاري بتاعه السنة اللي فاتت لما بابا كان خلاص هيعلن إفلاسه والبنك هيحجز عليه.. أنت مكنتش تعرف ده يا بابا، صح؟ كنت فاكر البنك (سامحك) في الأقساط المتأخرة من طيبة قلبهم؟”
​مدحت نزل رأسه في الأرض ووشه جاب ألوان من الخزي والإحراج.
“أنا السقف اللي حاميكم،” قلت وأنا ببص للكل. “أنا اللقمة اللي بتاكلوها.. وامبارح، أنتوا عضيتوا الإيد اللي بتأكلكم.”
​وقفت وربعت إيدي.
“إلهام فانس.. تم رفدك وفصلك من منصبك فوراً وبعزل قانوني وبسبب جنائي.. صفقة الاستحواذ اتلغت، وبدل كده، (مجموعة تايتان) بصفتها الدائن الأكبر هتحجز على كل أصول الشركة والممتلكات الشخصية اللي أنتِ ماضية عليها كضمان للمستحقات.. وده بيشمل المكتب ده، حساباتك، وعربيتك.”
وشاورت بصباعي للباب:
“برة.”
​— “أنتِ ميزيدش تعملي كده!” إلهام صرخت وهي بتترمي على السفرة. “أنا أختك! ماما.. اعملي حاجة!”
أمي بصتلي وعينيها طالع منها الرعب: “آية.. حبيبتي.. أرجوكي.. إحنا مكنّا مأخدين بالنا.. خلينا نقعد ونتكلم، الأخوات لبعضهم والعيلة بتستحمل.”
​— “عيلة؟” ضحكت ضحكة باردة ونشفت ريقهم: “العيلة مبيحدفوش عيال عندهم 5 سنين على الأرض، والعيلة مبيقولوش على أختهم لزقة وعالة.”
شاورت لحراس الأمن برأسي.
اتنين منهم تقدموا ومسكوا إلهام من دراعاتها جامد.
— “سيبوني! ارفعوا إيدكم عني!” صرخت وهي بتتسحل ناحية الباب. “دي شركتي! أنا اللي عملت الاسمي!”
— “أنتِ اللي سرقتيها،” صححتلها. “ودلوقتي جه وقت الحساب ودفع الفاتورة.”
​الفصل الخامس: الانهيار
​الضربة كانت سريعة ومفيهاش رحمة.
على الضهر، كانت البوكس والشرطة واقفين في الصالة تحت.. أنا سلمت الأدلة والملف للنيابة؛ مكنتش بعمل كده غل أو انتقام، ده واجبي القانوني قدام المساهمين التانيين في مجموعتي إني أبلغ عن أي احتيال.. بس الصراحة، منظر إلهام والكلبشات في إيدها وهي بتركب عربية الترحيلات كان بيرد الروح بشكل ميتوصفش.
​أبويا وأمي فضلوا واقفين على الرصيف، شايلين كرتونة فيها كراكيب إلهام الشخصية من مكتبها.
طلعت من المبنى وأنا لابسة نضارتي الشمسية السودا، وماركوس فتحلي باب العربية الـ “مرسيدس” السودة اللي مستنياني.
​— “آية!” والدي صرخ وهو بيجري ورا العربية.. شكلة انكسر وبان عليه العجز فجأة كأنه كبر 20 سنة. “آية.. أرجوكي.. البيت.. أنتِ قلتي إن الرهن معاكي.. هتطردينا في الشارع؟”
​بصيت له من ورا الإزاز اللي ينزل بالراحة، واشترت شريط السنين اللي خلاني أحس فيها إني ماليش لزمة، وكل المرات اللي سقف فيها لكدب إلهام وداس على كرامتي.
​— “البيت أمان يا مدحت،” قلت. “أنا مش وحشة.. تقدروا تعيشوا فيه.”
أخد نفسه كأنه كان هيموت وارتاح: “الحمد لله.. شكراً يا آية، كنت عارف إنك قلبك أبيض وبنت أصول، كنت عارف إنك…”
​— “بس،” قاطعت كلامه، “البيت بقى باسمي رسمي، وهغير الأقفال بكرة.. هتقعدوا فيه كمستأجرين عندي.. أما إلهام؟ رجلها متعتبش البيت، ولو عرفت إنها دخلت، هرميكم كلكم برة في ثانية.”
— “بس ملهاش مكان تروح فيه!” أمي صرخت وهي بتجري وراه وبتعيط: “شقتها الفاخرة.. البنك صادرها خلاص!”
— “تروح ملجأ بقا،” قلت ببرود. “أو تروح تقعد في محل بالة ملابس مستعملة.. بيقولوا هناك عندهم كارديجانات حلوة أوي وبتدفي.”
​— “آية.. إزاي بقيتي قاسية كده؟!” أمي بكت بدموع تماسيح.
— “اتعلمت من الأستاذة الكبار يا أمي.. اتعلمت منكم.” قلتها.
ورفعت زرار الإزاز؛ الإزاز الفاميه الأسود اتقفل وقطع صوت توسلاتهم تماماً.
​— “على المطار يا ماركوس،” قلت لمدير أعمالي. “أنا واعدة ليلى إننا هنقضي الأسبوع في ديزني لاند.”
​الفصل السادس: الإرث (بعد مرور سنة)
​حفلة الخيرية الكبيرة كانت والعة، والقاعة الملكية في فندق الـ “ريتز كارلتون” مليانة على آخرها بأكابر ورجال أعمال البلد.
كنت واقفة على المسرح بظبط المايك، ولابسة فستان حرير كحلي غامق ملكي.. وفي أول صف، كانت قاعدة ليلى بنتي مع المربية بتاعتها؛ بقت عندها 6 سنين، وبتلوحلي بإيدها الصغيرة بضحكة منورة الدنيا كلها.. مقتش فاكرة واقعة الكرسي دي خالص، كل اللي فاكراه ومقتنعة بيه إن مامتها دي “بطلة خارقة”.
​”النجاح،” قلت للجمهور في المايك، “غالباً الناس بتقيسه بالفلوس، بأسعار الأسهم، وبمساحة الفيلا والعربية.”
سكت ثانية، وبصيت لبحر الوشوش اللي قدامي.
“بس أنا اتعلمت إن القيمة الحقيقية هي في الحاجة اللي بتقدر تحميها.. في الكرامة الصامتة والمثابرة من غير شكوى.”
​بصيت بعيني لآخر القاعة، جنب باب المطبخ وخدمة البوفيه.. كانت واقفة ست شكلها متبهدل، باين عليها الهم والكبر، ولابسة يونيفورم عاملات النظافة والويترز.
كانت إلهام.
​كانت شغالة في الحفلة؛ لأن من شروط الإفراج المشروط عنها إنها تحافظ على وظيفة ثابتة عشان تسدد التعويضات والفلوس اللي عليها.. مكنش فيه شركة محترمة هترضى تشغلها بعد الفضيحة والفيش بتاعها، فملقتش غير إنها تشتغل نادلة بتقدم العصير والمشروبات للناس اللي كانت بتموت عشان تتفشخر قدامهم زمان.
​عيني جت في عينها.
محستش بأي غل أو غضب.. حسيت ببعد غريب، كأني ببص لواحدة غريبة تماماً معرفهاش.
رجعت بصيت لليلى بنتي.
​وختمت كلمتي: “الواحد مننا مش لازم يبني نجاحه عشان ياخد صقوف من الناس اللي شككت فيه.. إحنا بنبني نجاحانا عشان نأمن حياة الناس اللي وثقت فينا.”
​القاعة كلها اتهزت من كتر الصقف الحار والتحية.
نزلت من على المسرح، ليلى جريت عليا وحضنت رجلي جامد: “كنتِ شطورة أوي يا ماما!”
— “يا قلب ماما،” قلت وأنا بشيلها في حضني. “يلا بينا عشان نروح بيتنا.”
​وأنا خارجة، مريت من جنب صينية الشربات اللي إلهام كانت شايلاها ورأسها في الأرض، رافضة تحط عينها في عيني من الكسرة.
وقفت ثانية.
مديت إيدي وأخدت كاس من الصينية.
— “شكراً،” قلتها بكل أدب وزوق.
​إلهام رفعت راسها والدموع محبوسة في عينها، وكان باين إنها عايزة تتكلم، تتأسف، وتترجاني.
بس أنا مستنيتش؛ لفيت وشي ومشيت في هواء الليل المنعش وأنا ماسكة إيد بنتي.. سبت الطفيليات تاكل في بقايا الماضي، ومشيت في طريقي للمستقبل اللي بنيته بدمي وبإيديا الإتنين.
​النهاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *