شهر العسل حصري لصفحة روايات رولا
ا
شهر العسل بتاعي مأخدش حتى وقت عشان يبتدي، أول ما شفت بنت بعينيَّ قاعدة على حجر الست اللي أهلي غصبوني أنساها.
كنت لسه متجوز ليلتها من “فريدة الألفي”، البنت المثالية لراجل من عيلة “السيوفي”. الفرح كان في فيلا كبيرة في المنصورية، ورد أبيض، وزراء ومسؤولين، رجال أعمال بيشربوا نخب الجوازة، وأبويا كان بيتبسم كأنه لسه ممضي أكبر صفقة في حياته.
ويمكن هو ده فعلاً اللي حصل.
تاني يوم الصبح، كنت أنا وفريدة في صالة الVIP في مطار القاهرة، مستنيين طيارتنا لـ شرم الشيخ. أهلها كانوا حاجزين لنا فيلا على البحر، أسبوع كامل من الرفاهية، وفوتوسيشنز عشان يثبتوا للناس إن عيلتين من أكبر عائلات البلد اتحدوا من غير ولا غلطة.
فريدة كانت ليدر في نفسها، لابسة بدلة بيج شيك، النظارة الشمس فوق شعرها، وخاتم الألماظ في إيدها بيلمع كأنه وعد لسه شاريينه من دبي. كانت مؤدبة، راقية، وبتعرف تتكلم إمتى وتسكت إمتى. بالظبط الست اللي أبويا كان دايماً بيقول لي إنها دي اللي تليق بيا.
وفجأة… شفت “نوران رضوان”.
كانت واقفة جنة الشباك الإزاز الكبير اللي بيبص على الممرات، لابسة فستان لبني فاتح وكوتشي أبيض، وحاضنة بنت صغيرة عندها حوالي سنتين ونص. البنت كانت ماسكة أرنب دبدوب من ودنه وبتبص على الطيارات بجدية غريبة خلتني أشرق ومقدرش أخد نفسي.
كانت عينيها هي عينيَّ بالظبط.
مش شبهي، ولا “يمكن”… لأ، عينيَّ أنا. نفس اللون العسلي المايل لرمادي اللي أمي كانت بتقول عليه زي سما الشتا قبل ما تمطر. وكان عندها نفس الخط العند اللي بين الحواجب، نفس التكشيرة بتاعة الطفلة اللي أخدت قرارها خلاص قبل ما الكبار يخلصوا كلامهم.
”شريف؟” فريدة قالتها وهي بتبص لي.
مردتش عليها.
من تلات سنين، نوران خرجت من شقتي في الزمالك ودموعها في عينيها، بعد ما قالت لي جملة عمري ما نسيتها: “إنت مش بتسيبني يا شريف. إنت بتسيب أهلك يختاروا مكانك.”
وأنا ممشيتش وراها.
أبويا، “عاصم السيوفي”، قال لي وقتها إن نوران بتدور على اسم، على حساب في البنك، على سبوبة. أمي اتعلمت تعيط وتترجاني مهدش “مستقبل العيلة كلها” عشان حتة مدرسة حضانة ملهاش ضهر ولا معارف. أنا كنت جبان. اخترت السكوت. اخترت مرفعش السماعة. اخترت أكون الابن البار اللي هما عايزينه.
ودلوقتي نوران واقفة هناك، ومعاها بنت كأنها حتة من دمي.
وقفت من غير ما أفكر.
”رايح الحمام”، كدبت.
فريدة بصت لي بنظرة كأنها عارفة إن الكدبة دي وراها اسم ست تانية.
مشيت ناحية الشباك. نوران رفعت عينيها وجسمها اتخض قبل صوتها. حضنت البنت أكتر، مش بخوف، بس بقوة الأم اللي بتدافع عن ضناها قبل ما تسأل أي سؤال.
”شريف”، قالتها.
سماع اسمي بصوتها وجعني أكتر من أي شتيمة.جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
”نوران.”
البنت الصغيرة رفعت الأرنب ناحيتي.
”هو كمان مسافر معانا”، قالت بصوت نونو.
وطيت شوية وبصيت لها براحة.
”يا بختو.”
البنت كشرت وحطت إيدها في وسطها.
”مش هو.. دي بسبوسة.”
نوران أخدت نفس طويل وهدت نفسها.
”اسمها ليلى.”
ليلى.
الاسم نزل على قلبي زي الصدمة.
”زي القمر”، قلتها، مع إن اللي كنت عايز أقوله وأسأله كان أكبر من إنه يكفي في الصالة دي كلها.
نوران بصت لبنتها وبعدين بصت لي.
”عندها سنتين وسبع شهور.”
سنتين وسبع شهور.
إيديا تلجت.
تلات سنين من آخر مرة شفت فيها نوران. تلات سنين من ساعة ما بطلت أرد على مكالماتها لأن أبويا أقنعني إنها عايزة تدبسني. تلات سنين كنت فاكر فيهم إن السكوت ده قرار نظيف ومفهوش أذى.
ليلى مدت إيدها الصغيرة ومسكت صباعي.
حركة صغيرة، بريئة، بس حسيت إن في حاجة جوايا اتكسرت بصوت عالي محدش سمعه غيري.
من ورايا، سمعت صوت كعب فريدة بيقرب.
”شريف”، قالت بصوت واطي ومحرج. “النداء الأخير للطيارة.”
نوران بصت لخاتم فريدة قبل ما تبص في وشها.
”مبروك”، قالتها.
مفيش أي غل في صوتها، وده اللي خلى الوجع أكبر.
فريدة ابتسمت ببرود شيك.
”الله يبارك فيكي. رايحين شهر العسل.”
ليلى شدت صباعي تاني.
”إنت هتركب الطيارة الكبيرة؟”
فريدة ردت قبل ما أنا أنطق.
”آه يا حبيبتي، هو لازم يمشي دلوقتي حالا.”
نوران نزلت عينيها الأرض.
وأنا مكنتش قادر أتحرك خطوة واحدة.جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
”ممكن أكلمك؟” سألت نوران.
بصت في عيني ثانية طويلة جداً.
”إنت لسه فاكر رقمي؟”
”عمري ما نسيته.”
ابتسامتها كانت حزينة، يدوب باينة.
”يبقي جرب.”
طلعت الطيارة مع فريدة، بس سبت روحي في الصالة دي. طول وقت الإقلاع، فريدة مانطقتش ولا كلمة. كانت بتراقبني بس وأنا باصص من الشباك ومش شايف السحاب أصلاً.
أول ما الطيارة بدأت تستقر فوق البحر، تليفوني اتهز.
رقم غريب.
فتحت الرسالة.
كانت صورة لنوران على سرير مستشفى، وشها شاحب وتعبانة جداً، وشايلة بيبي لسه مولود ملفوف في بطانية بينك. وجنب السرير كان واقف أبويا، عاصم السيوفي، حاطط إيده على سور السرير كأن ليه حق يكون هناك.
وجنب ستارة الأوضة، كان واقف محامي العيلة، “مدحت علام”.
تحت الصورة كانت مكتوبة جملة واحدة بس:
”اسأل أبوك دفع كام عشان متعرفش إنها ولدت.”
فريدة شافت وشي اتخطف، سحبت التليفون من إيدي.
أول ما شافت الصورة، الشبه اختفى من شفايفها ووشها جاب ألوان.
”مش ممكن…” همست بذهول.
أنا مكنتش قادر أفكر في أي حاجة، والطيارة ماشية بينا لرحلة شهر عسل كانت خلاص ماتت قبل ما تبدأ:
مكنتش مصدق اللعنة اللي هتحصل دلوقتي.
الجزء الثاني
فريدة قفلت الرسالة ورجعت لي التليفون بهدوء يرعب.
”البنت دي بنتك”، قالتها.
مستنتش مني رد، دي كانت حقيقة هي شايشاها.
فضلت باصص للصورة لحد ما عيني حرقتني. أبويا في المستشفى. المحامي. نوران والبيبي. كل اللي مكنتش أعرفه كان قدامي، متثبت في صورة، كأنه تريقة من الدنيا عليا.
”والله ما كنت أعرف”، قلت وصوتي بيترعش.
فريدة بصت لي بحزن بارد.
”أتمنى يا شريف. لأنك لو كنت عارف واتجوزتني، يبقى مفيش كلام هيتقال بنا تاني.”
حاولت أتصل بالرقم الغريب، الخط كان مقفول. حاولت أبعت رسالة، مكنتش بتوصل.
الطيارة كانت واسعة ومريحة ومزيفة جداً. المضيفة جت تقدم عصير، وفريدة شاورت بإيدها لأ. كنت حاسس إن دبلة الجواز في إيدي أتقل من جبل.
”احكي لي عنها”، فريدة طلبت.
”عن نوران؟”
”عن الست اللي أول ما شفتها حسيت إن الدنيا اتدمرت فوق دماغك.”
مبقاش فيا حيل أكدب.جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
”كنت بحبها.”
فريدة نزلت عينيها.
”دي كنت عارفاها. اللي مكنتش عارفاها إنك سيبت وراك بنت.”
وصلنا مطار شرم الشيخ على الظهر. كان في سواق مستنينا بيافطة مكتوب عليها “شريف وفريدة السيوفي”. ورد، حجز في سويت ملكي، بحر، حياة كاملة تنفع لغلاف مجلة. بس فريدة قلعت النظارة وبصت للبحر كأنه حيطة سد.
”أنا مش هبدأ حياتي على كدبة”، قالت بقوة.
”أنا هقفل وأرجع القاهرة.”
”وأنا معاك.”
حجزنا على أول طيارة راجعة القاهرة في نفس اليوم العصر. محدش كان فاهم حاجة في الأوتيل. شهر العسل خلص قبل ما رجلينا تلمس الرملة.
أول ما نزلنا مطار القاهرة، لقيت سواق أبويا مستنينا بره.
هنا اتأكدت إن عاصم السيوفي عارف كل حاجة بتحصل في نفس اللحظة.
”عاصم بيه قال لي أجيبكم على الفيلا في التجمع”، السواق قال.
فريدة جزت على سنانها.
”طبعاً.. لازم يقول كده.”
فيلا أهلي في التجمع الخامس دايماً كانت بتحسسني إنها مكان متقدرش تلمسه. جناين متظبطة، إزاز مفي بره، لوحات غالية، هدوء بتاع ناس معاها فلوس من زمان. أبويا كان قاعد في مكتبه، لابس بدلة كاملة، كأنه صاحي عشان اجتماع مجلس إدارة مش عشان يواجه مصيبة دمرت حياة ناس.
رميت التليفون على مكتبه.
”إنت كنت بتعمل إيه في المستشفى لما نوران ولدت؟”
أبويا مبصش للصورة حتى. غمض عينه ثانية واحدة بس.
متفاجئش.
افتكر.
”إنت مش في وعيك”، قال ببرود.
”رد عليا!”
فريدة كانت واقفة جنب الباب، خشب مش بتتكلم.
أبويا عدل نظارته.
”البنت دي جت لي المكتب وقالت إنها حامل منك.”
حسيت إن الأرض بتلف بيا.
”ومقولتليش؟”
”أنا كنت بحمي مستقبلك.”
”مستقبلي أنا؟ ولا صفقاتك مع عيلة الألفي؟”
عرق في رقبته ظهر وهو بيحاول يمسك نفسه.
”نوران مكنش معاها إثبات.”
”فدعت لها فلوس.”
”قدمت لها مساعدة.”
”اشتريت سكوتها!”
فريدة خدت خطوة لِقدام.جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
”بابا كان عارف؟”
أبويا بص لها بزهق.
”أهلك عرفوا اللي المفروض يعرفوه بس.”
فريدة وشها بقى أبيض زي الورقة.
”اللي المفروض يعرفوه؟”
أبويا تنهد كأننا عيال صغيرة ومتعبة.
”كان في شغل ومشاريع وملايين بين العيلتين. قرى سياحية، أراضي، قروض من البنوك. وجود بنت حامل في النص كان هيهد كل حاجة بنيناها.”
قالها كده. “بنت حامل”. كأن نوران ملهاش اسم. كأن ليلى ملهاش عيون.
”وقلت لها إني مش عايز أشوفها؟” سألته وصوتي مخنوق.
أبويا سكت.
والسكوت ده كان الإجابة اللي دمرتني.
فريدة قلعت دبلتها براحة جداً. معيطتش، بس صوتها كان طالع مكسور.
”إنتوا استخدمتوني زيها بالظبط.”
أبويا ضرب المكتب بإيده.
”فريدة! بلاش دراما.”
بصت له باحتقار حقيقي ونظيف.
”جوازي مستحملش يوم واحد لأنكم بتتعاملوا مع العيلة كأنها شركة مقاولات.”
خرجت من الفيلا ومسمعتش حاجة تاني. فريدة حصلتني لحد العربية.
”روح لنوران”، قالت.
”فريدة…”
”متطلبش مني أجي معاك أدور على ست تانية. بس متكونش جبان للمرة التانية في حياتك.”
حطت الدبلة في إيدي.
”اعرف مين ليلى دي.. ولما تعرف، ولأول مرة في حياتك، خد قرارك بنفسك.”
بعد كام ساعة، كنت واقف قدام عمارة نوران في مصر الجديدة. عمارة قديمة شوية بس شيك، في زرع في البلكونات وعجلة أطفال صغيرة جنب الباب.
لما فتحت الباب، ليلى كانت شايلاها على إيدها.
”ده عمو بتاع المطار”، البنت قالت وهي بتشاور عليا.
نوران مابتسمتش.
”إيه اللي جابك هنا؟”
”شفت الصورة.”
وشها اتغير تماماً.
وسابتني أدخل.
البيت كان دافي، ريحة أكل بيتي، وألوان خشب، وصابون لافندر. على الترابيزة كان في رسومات أطفال وكوباية فيها أقلام تلوين. حياة بسيطة، حقيقية جداً.
نوران فتحت درج وطلعت منه ورقة مطبوعة.
”أبوك وراني دي.”
كانت سكرين شوت لشات واتساب المفروض إنه بيني وبينه.
أبويا كاتب: نوران بتقول إن البيبي منك. عايز تشوفها؟
وتحتها رد من رقمي: لأ. اتصرف معاه. مش عايز القرف ده يدخل حياتي.جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
حسيت إني هترع من القرف.
”والله العظيم ما كتبت ده!”
نوران بصت لي بعيون تعبانة من كتر العياط بتاع السنين.
”دلوقتي أنا عارفة. بس وقتها، الكلام ده كان شبه الراجل اللي سابني ومشى.”
ليلى جت وحطت مكعب أصفر على رجلي.
”شيل ده معاك.”
أخدته وإيديا بترحش، مش قادر أتكلم.
نوران فتحت علبة كرتون بيضاء. كان فيها حظاظة المستشفى البلاستيك، ورق، طاقية صوف بينك، وتحليل DNA مقفول بالورق بتاعه لسه متفتحش.
”عملت التحليل ده لما ليلى كان عندها 6 شهور”، قالت. “بس خفت.”
”خفتي من إيه؟”
”خفت أتأكد.. فأفضل مستنياك طول عمري.”
في اللحظة دي، تليفونها رن. كانت فريدة.
نوران ترددت، فأنا فتحت الاسبيكر.
صوت فريدة كان بيترعش من الناحية التانية.
”مامي لسه حالا بتسألني لو نوران لسه معاها حظاظة المستشفى بتاعة البنت.”
نوران رفعت الحظاظة البلاستيك في إيدها.
”ليه بتسأل سؤال زي ده؟” قلت.
”عشان بتقول إن يمكن يكون حصل لغبطة في اسم البيبي.”
نوران قلبت الحظاظة الناحية التانية.
المكتوب من فوق: ليلى رضوان.
بس من تحت، لزق أبيض داري كتابة تانية، كأن في حد حاول يخبيها بس واضحة.
بيبي بنت الألفي.
فريدة بدأت تعيط بهيستريا على الخط.
ونوران، والحظاظة في إيدها، فهمت إن السر مكنش عندي أنا وبس.
السر كان مغرق الكل.
الجزء الثالث
محدش نطق كلمة لمدة ثواني طويلة.
ليلى كانت قاعدة على السجادة بترص المكعبات، مش فاهمة إن اسمها، وحياتها، ومكانها في الدنيا كله اتهز بسبب حتة بلاستيك قديمة من المستشفى.
نوران كانت ماسكة الحظاظة وصوابعها متخشبة.
”ده مش منطقي.. في حاجة غلط”، همست.
بس لأ، كان منطقي جداً، وبطريقة مرعبة.
فريدة كانت لسه على الخط، بتنهج كأنها كانت بتجري ماراثون.
”أنا جاية لكم حالا.”
”لأ”، نوران ردت بسرعة.
”نوران أرجوكي! أهلي كمان غرقانين في القرف ده.”
”أهلك حطوا اسمهم تحت اسم بنتي!”
فريدة سكتت ومبقتش عارفة تقول إيه.
أنا أخدت نفس طويل.
”لازم نعرف إيه اللي حصل ليلتها في المستشفى.”
نوران مسحت دمعة قبل ما تنزل.
”أنا عارفة جزء.”
قعدت على كرسي المطبخ، والحظاظة قدامها على الترابيزة. ليلى راحت لها وحطت راسها على رجل أمها.
”لما ولدت ليلى، كنت لوحدي تماماً. أمي كانت اتوفت السنة اللي قبلها، وبابا سافر الخليج ومكنش بيسأل. الممرضة الوحيدة اللي عاملتني كأني بني آدمة كان اسمها “مدام مرام”. قالت لي متفضيش على أي ورقة من غير ما تقريها.”
”كانوا عايزينك تمضي على إيه؟” سألتها.
”تنازل.”
الكلمة نزلت عليا كأنها رصاصة.
نوران هزت راسها، كأن الكلمة لسه تقيلة على لسانها.
”أبوك والمحامي قالوا لي إنك مش عايز تعرف حاجة عننا. وإن لو اتكلمت، هيعملوا لي قضية ابتزاز وتشهير. عرضوا عليا شقة، ومبلغ كل شهر، وشغل في جمعية خيرية بتاعتهم.. بس قصاد إن ليلى متكتبش باسمك ولا تاخد اسم السيوفي أبداً.”
”نوران… أنا…”
”متقاطعنيش.”
صوتها اتهز، بس كانت قوية.
”في نفس الليلة دي، كان في ست من عيلة الألفي بتولد في نفس المستشفى في المهندسين. “ميرنا الألفي”، أخت فريدة الكبيرة. كانت والدة بنت سبعة (قبل ميعادها)، والبيبي ماتت بعد كام ساعة بس.”
صوت فريدة جه من التليفون، مكسور تماماً:
”ميرنا أختي عمرها ما رجعت طبيعية من بعد الليلة دي..”
نوران غمضت عينيها.
”سمعتها بتصوت وتعيط في الممر. وبعدها سمعت راجل بيزعق مع مدحت علام المحامي. كان بيقول إن مش مسموح إن ‘البنت الوحيدة اللي صاحية وعايشة’ تتسجل باسم السيوفي وتعمل فضيحة للكل. أنا كنت تحت تأثير البنج، بس الجملة دي حفرت في دماغي.”
البنت الوحيدة اللي عايشة.
الجملة دي خلت الأوضة مفيهاش هوا.
فريدة وصلت بعد أربعين دقيقة. مكنتش حاطة ميكب، ولا ليدر، ولا محمية بفلوس أهلها. كانت جاية بعيون منفوخة من العياط وفي إيدها فايل أسود.
”مامي أدتني ده قبل ما تقفل على نفسها الأوضة وتاخد مهدئات”، فريدة قالت وهي بترمي الفايل.
حطت على الترابيزة ورق قديم: إيصالات مستشفى الصفا والمروة، حسابات المحامي مدحت علام، وجواب رسمي مكتوب فيه اسم مولود محجوز.
الاسم المؤقت: بيبي بنت الألفي.
الأم: ميرنا الألفي.
الأب: لم يستدل عليه / غير مدون.
نوران حطت إيدها على بقها بصدمة.
فريدة اتكلمت بصوت واطي ومبحوح.
”أختي ميرنا ولدت بنت الفجر ده. البنت ماتت، بس أهلي مكنوش عايزين حد يعرف إنها كانت حامل أصلاً، لأن الموضوع كان من راجل متجوز وصاحب بابا في الشغل. كانوا عايزين يدفنوا القصة. لما لقوا إنك ولدتي في نفس الوقت يا نوران، المحامين لعبوا في الورق عشان يداروا مصيبتين بكذبة واحدة.”
”إنتي عايزة تفهميني إنهم كانوا عايزين ياخدوا بنتي ويسجلوها باسم أختك الميتة؟” نوران سألت بذهول.
فريدة عيطت في صمت.
”ده اللي باين في الورق.”
أنا بصيت للحظاظة. ليلى رضوان من فوق، وبيبي بنت الألفي من تحت. اسمين. عيلتين. طفلة حولوا حياتها لورقة بتتعدل بقلم.
”بس ليلى بنتي أنا”، قلت وأنا ببص لهم.
نوران بصت لي.
”منعرفش.”
”أنا متأكد.”
”لا يا شريف. إنت حاسس.. والإحساس مش كفاية عشان يحميها من الناس دي.”
كان عندها حق.
في نفس اليوم بالليل، عملنا تحليل الDNA. دفعت الشيء الفلاني في معمل خاص عشان النتيجة تطلع مستعجلة، ولأول مرة في حياتي، مكلمتش أبويا أقوله، ولا أستأذنه، ولا أطلب رأيه.
فريدة هي اللي وصلت للممرضة “مدام مرام”، اللي اسمها كان مكتوب في نوتة قديمة عند نوران. لقيناها قاعدة في بنها، طلعت معاش وعايشة مع بنتها.
في الأول خافت تتكلم. بس لما سمعت اسم ليلى رضوان، بدأت تعيط.
”كنت عارفة إن هيجي يوم وتدوروا عليها”، قالت في التليفون.
وحكت لنا كل حاجة.
المحامي مدحت علام جه مع عاصم السيوفي ومع “إسماعيل الألفي”، والد فريدة. طلبوا يغيروا السجلات، ويمسحوا أسماء الدخول، ويلغوا أي مكالمات. كانوا عايزين نوران تصدق إن شريف باعها، وكانوا عايزين عيلة الألفي متتبهدلش بقصة ميرنا. كانوا عايزين الشراكة والملايين اللي بين العيلتين تفضل في أمان.
”أنا مبدلتش العيال”، مدام مرام قالت. “والله العظيم ما حصل. بنت الألفي كانت ماتت خلاص. بس أنا شفتهم وهم بيلزقوا التيكيت التاني تحت الأولاني عشان لو حصل أي تحقيق قدام، يقدروا ينكروا إن البنت دي بنت نوران ويقولوا دي غلطة إدارية. عشان كده صورت اللقطة دي بالموبايل وبعتها لكم لما شوفت فريدة وشريف بيتجوزوا في التليفزيون.”
”يعني إنتي اللي بعتي الرسالة؟” سألتها.
”آه.. شفت صور الفرح في الأخبار، وشفت صورة للبنت في المطار كانت منزلاها واحدة مسافرة بالصدفة على جروب فيسبوك، ولقيت الشبه أعمى.. قلت حرام، كفاية كده كدب.”
تاني يوم، النتيجة ظهرت.
نسبة الأبوة: 99.9998%.
ليلى بنتي.
مكنش في مبروك، ولا أحضان، ولا مشهد سينما نظيف.
نوران قعدت على الأرض في الطرقة تعيط وهي حاضنة ليلى، والبنت الصغيرة بتمسح على وشها وتقول لها:
”مامي متعيطيش.. أنا هنا.”
قعدت على ركبي قدامهم، ومكنتش قادر حتى ألمسهم.. مكنش ليا حق في حاجة مكنتش راجل كفاية إني أحميها.
”سامحيني”، قلت ونفسي مقطوع.
نوران هزت راسها لأ.
”م تطلبش مني في يوم واحد أصلح وجع سنين.”
”عارف.”
”أنا مش عايزة اسمك كأنه جائزة، ولا عايزة فلوسك كأنها تعويض. مش عايزة تظهر فجأة وتفتكر إنك بقيت أب عشان شوفت ورقة من المعمل.”
كل كلمة قالتها كانت صح وسكاكين في قلبي.
”أنا عايزة ليلى تعرف الحقيقة”، قالت بقوة. “وعايزة محدش يستخدمها تاني في صفقة بيع وشرا.”
الليلة دي، واجهنا العيلتين.
المواجهة كانت في بيت الألفي في جاردن سيتي. كان قاعد أبويا، إسماعيل الألفي، أم فريدة، المحامي مدحت علام، وكام مستشار قانوني وشهم كان يجيب الفقر وكأنهم عايزين يختفوا في هدومهم.
نوران دخلت وماسكة ليلى في إيدها. أنا كنت ماشي جنبها، مش قدامها. وفريدة كانت ورانا، شاحبة بس ماسكة الورق بقوة.
أبويا وقف.
”شريف، الكلام ده ينفع نتناقش فيه في بيتنا في وسطنا.”
”لأ”، قلت وصوتي هز الأوضة. “الكدب هو اللي كان في السر. الحقيقة هتتقال قدام الكل وعلي العلن.”
إسماعيل الألفي ضرب الترابيزة.
”احترم نفسك وإنت بتتكلم في بيتي!”
فريدة رمت الفايل في وشه.
”دي مش قلة احترام يا بابا. دي وصلات، رشاوي، تزوير ورق رسمي، وشهادة ممرضة مسجلة.”
أم فريدة بدأت تصوت وتعيط.
”عملنا كده عشان نحمي أختك ميرنا وسيرتها!”
نوران بصت لها بنظرة هادية وتموت من الرعب.
”لأ.. إنتوا استخدمتوا وجع بنكتم عشان تسرقوا عمر بنتي.”
المحامي مدحت علام حاول يقوم ويمشي.
”الورق ده ملوش أي قيمة قانونية في المحاكم.”
فريدة طلعت موبايلها.
”أنا بعته للمحامية بتاعتي، ونسخة لجرائد وصحفيين صحابي. لو حد فكر بس يلمس نوران أو ليلى، بكرة الصبح مصر كلها هتعرف عائلات السيوفي والألفي بيعملوا إيه في المستشفيات.”
أبويا بص لي كأني خاين.
”إنت بتهد عيلتك بإيدك يا شريف.”
لأول مرة في حياتي، مبصيتش في الأرض ومخفتش منه.
”لأ يا بابا. العيلة دي اتهدت يوم ما إنت قررت إن حتة لحم من دمك تسوى أقل من شيك في صفقة.”
السكوت اللي بعد الجملة دي كان قذر، ومليان بسنين من الكدب.
وبعدها.. كل حاجة انهارت.
المحامي مدحت علام اترفد من نقابة المحامين ودخل قضية تزوير. إسماعيل الألفي استقال من مجلس إدارة شركاته عشان يشوش على التحقيقات. وأبويا اتجمدت أرصده وشركاؤه في المجموعة غصبوه يتنازل عن الإدارة، لأنهم عرفوا إن الراجل اللي يبيع حفيدته، يبيع أي شريك في ثانية.
فريدة رفعت قضية خلع وطلبت بطلان الجواز. مكنش في بنا خناق. كانت قعدة حزينة في كافيه في الزمالك.
”أنا مكنتش امرأتك”، قالت لي وهي بتبص في الفنجان. “أنا كنت العروسة اللعبة اللي بيكملوا بيها الديكور.”
”أنا آسف يا فريدة.”
”وأنا كمان.. بس على الأقل مبقناش بنمثل مسرحية كتبها ناس جبابرة.”
نوران مرجعتش ليا.
مش بالسهولة دي، ومش في أسبوع. ومع إن في جزء جوايا كان عايز يصلح تلات سنين في يومين، فهمت إن الحب مش شقة مقفولة هترجع لها بمجتاح قديم صدى.
بدأت أعمل الحاجة الوحيدة اللي ليا حق فيها: أكون موجود.
كنت بروح القضايا. مضيت على إقرار النسب في السجل المدني. عملت حساب في البنك لليلى نوران هي الوحيدة اللي تتحكم فيه، مش أهلي. بدأت أروح لدكتور نفسي. عرفت أغاني ليلى المفضلة، بتأكل الفراولة إزاي، ميعاد نومها، وإن دبدوبها “بسبوسة” ده خط أحمر ومينفعش يتغسل من غير ما نقول لها.
في يوم حد، في حديقة الأورمان، ليلى جرت عليا وفي إيدها ورقة شجر ناشفة.
”بص يا شريف.. شبه القلب إزاي؟”
لسه بتقولي يا شريف.. مقالتش “بابا”.
نوران كانت وافقا وشايفانا، بصت لي بنظرة فيها وجع بس فيها أمل مكنتش عايز أستعجله.
”سيب لها وقتها”، نوران قالت.
هزيت راسي بالموافقة.
سنين طويلة سيبت الناس هي اللي تختار أنا مين. الابن المطيع. الزوج المناسب. الوريث المثالي. بس بنت صغيرة بعيون شبه عيوني علمتني إن الحقيقة متموتش لمجرد إن عيلة غنية خبتها في درج مكتب.
الحقيقة ساعات بتكبر في السكات.
وساعات بتتعلم تمشي على رجليها.
وساعات بتظهر في صالة المطار، وماسكة دبدوب في إيدها، عشان تفوق كل الجبناء.
وإنت بقى.. لو كنت مكان شريف وعرفت في ليلتك الأولى في شهر العسل إن أهلك خبوا بنتك السنين دي كلها.. كنت هتعرف تسامح؟ ولا كنت هتحرق الكدبة دي باللي فيها؟