ابني ومراته

حصري لصفحة روايات رولا
خلال سنين طويلة ساعدت ابني ومراته بكل اللي أقدر عليه، بس اكتشفت إن بالنسبة لهم ماكنتش أم، لا.. أنا كنت مجرد واحدة بيطلبوا منها فلوس وأكل وخدمات. واليوم اللي شفت فيه علبهم على تربيزتي، قررت أقول خلاص.. لحد هنا وبس.
​الجزء الأول
— ما تقلقيش يا حماتي، أنا جيبة علبي معايا. إحنا عارفين إن بيتك دايماً فيه خير وأكل بيزيد.
​دي كانت أول كلمة قالتها نادين وهي داخلة بيت ميرفت، قبل حتى ما تسلم عليها أو تحضنها أو تسألها لو محتاجة مساعدة.
​ميرفت وقفت تبص للثلاث شنط الشفافين اللي في إيد كنزة مرات ابنها. كان جواهم علب بلاستيك بأحجام مختلفة، كلهم أشكال جديدة ومترصين كأن الزيارة دي مش عزومة عائلية، لا دي فرصة يملوا منها الخزينة.
​وراء نادين كانت داخلة أمها، ناهد، وهي شايلة شنطة ماركة ولابسة نظارة شمس.
​— يا رب بس اللحمة تكون حلوة عشان إحنا جايين جوعانين —قالتها ناهد وهي بتحط شنطتها على الكرسي.
​ميرفت ابتسمت من باب الذوق، بس حست بوخزة صغيرة في قلبها.
​كان عندها ستين سنة، ومن الساعة سبعة الصبح وهي واقفة في المطبخ بتحضر عزومة مخصوصة في بيتها في شبرا. كانت شارية لحمة بلدي، وفراخ متبلة، وسجق، وسلطات، وطحينة، ورز بالمكسرات، وعيش طازة.
​ماكانتش عزومة عادية. دي كانت أول مرة من شهور العيلة كلها تتجمع فيها.
​جوزها، مجدي، كان شايفها وهي صاحية من بدري وبتخرط بصل، فقال لها:
​— يا ميرفت، انتِ مش محتاجة تثبتي حاجة لحد. لو جايين، ييجوا يساعدوكي.
​هي ردت بقلب طيب:
​— دول أهلي وعيلتي يا مجدي، وأنا بفرَح برحتهم.
​بس مجدي كان عارف اللي ميرفت بتحاول تتجاهله. من سنين والناس دي فاهمة حنيتها وطيبتها على إنها فرض وواجب عليها.
​على الساعة اثنين الضهر، وصلوا أخواتها ومعاهم السلطة والتحلية. وابن أختها جاب الساقط وسأل لو محتاجين يشعلوا الفحم. الكل كان بيساعد ويحرك إيده، إلا نادين وأمها ناهد.
​دخلوا على التربيزة على طول.
​— البيت متظبط وزي الفل يا حماتي —قالتها نادين وهي بتطلع تليفونها—. ابقي تعالى لي يوم بقى ساعديني أظبط عزومة زي دي في شقتي في التجمع.
​ميرفت ابتسمت:
​— من عينيا يا حبيبتي.
​دايماً كانت بتقول حاضر وتوافق.
​وده كان سر المشكلة.
​ميرفت ساعدت نادين من يوم ما اتجوزت ابنها كريم. سلفتهم فلوس لما زنقت معاهم مصاريف الإيجار. شالت عيالهم وشالت همهم لما نادين كانت بتقول إن وراها شغل كتير. حتى ساهمت معاهم في ثمن عفش شقتهم الأولى.
​وعمرها ما طلبت مقابل.
​كل اللي كانت مستنياه هو شوية تقدير واحترام.
​كريم جه بعدهم بساعة. كان ابنها الوحيد، عنده ثمانية وثلاثين سنة وشغال مدير في شركة عربيات. ميرفت لسة فاكرة لما كان عيل صغير وبيعيى كتير، وهي كانت بتعمل أكل وتبيعه من البيت عشان تجيب ثمن علاجه.
​— أهلاً يا أمي.. الريحة قلابة البيت!
​حضنته بلهفة وفرحة.
​بس بعدها شافت كريم بيبص لشنط العلب بتاعة نادين وبيبتسم.
​— أهو مراتي مجهزة نفسها من بدري —قالها بضحك.
​ميرفت ما ردتش.
​طول القعدة والأكل شغال، نادين كانت عمالة تصور الأطباق.
​وبعدها نزلت “ستوري” على الفيس بوك والإنستجرام:
​”أحلى حد يدلعني بالأكل البيتي يوم الأحد.”
​ميرفت شافت البوست وهي داخلة بصينية ثانية.
​الصور كان فيها اللحمة والمشويات والتربيزة مليانة على آخرها. بس الصورة ما أظهرتش إيديها اللي وجعاها من الوقفة، ولا الساعات اللي قضتها في المطبخ، ولا الفلوس اللي صرفتها من تحويشة عمرها عشان العزومة دي.
​ولما الكل بدأ ياكل، ناهد ضاقت اللحمة وقالت:
​— حلوة، بس لو كنتِ جبتِ حتة من العرق الفليتو كانت هتبقى أطرى.. القطعية اللي بشتريها من جاردن سيتي أطرى من كده بكثير.
​نادين ضحكت:
​— حماتي أكلها حلو بس ما بتعرفش تظبط الكميات.. دايماً بتعمل أكل يفوق الوصف ويزيد منها.
​ميرفت سمعت الكلام، بس كملت غرف وتوزيع الأكل.
​بعد ما أكلوا وجبة ثانية، نادين بصت لكريم:
​— حبيبي، هات العلب بقى.
​قام كريم وقاف.
​ميرفت حست بضيق في صدرها مش عارفة تفسره.
​نادين فتحت علبة كبيرة وبدأت تنقي:
​— حط لي من قطع اللحمة الكبيرة دي.. وحط سجق كتير. الفراخ سيبها، ما بحبش أكلها متسخنة.
​كريم مسك المساكة.
​وبدأ يشيل قطع كاملة وسخنة، ناس ثانية في القعدة لسة ما لحقوش ياكلوا منها.
​ميرفت قربت منه:
​— يا كريم.. لسة باقي الناس ما شبعتش ولا خلصت أكل.
​بص في الأرض وبصوت واطي:
​— يا أمي، الخير كتير والأكل ياما.
​— المشكلة مش في الخير يا ابني، المشكلة إن القعدة لسة شغال والأكل شغال.
​نادين ضحكت ضحكة مستفزة:
​— جرى إيه يا حماتي؟ إحنا مش بنسرق يعني، إحنا عيلة واحدة!
​الجملة دي بالذات صحّت في دماغ ميرفت ذكريات سنين.
​الفلوس اللي اتسلفتها منهم وما رجعتش.
​المرّات اللي شالت فيها العيال وسهرت بيهم من غير ما حد يفكر يسألها لو هي قادرة أو تعبانة.
​كلام نادين لما كانت بتقول: “هي دي التيتا الحقيقية اللي بتساعد وتستحمل”.
​ورسائل كريم اللي دايماً يطلب منها تجيش على نفسها وتستحمل عشان “نادين حساسك وحقك عليها”.
​بس المرادي، في حاجة جواها انكسرت وحاجة ثانية اتغيرت.
​كريم كان بيملا علبة ثانية بأحلى نسايل لحمة.
​ميرفت مدّت إيدها، أخذت العلبة من إيده، وحطتها على التربيزة بطريقة حاسمة.
​السطوح كله سكت.. والصمت عمّ المكان.
​— في إيه يا أمي؟ بتعملي إيه؟ —سألها كريم بذهول.
​ميرفت بصت لابنها.
​وبعدين بصت لنادين.
​وبعدين لناهد.
​واتكلمت بهدوء شديد لدرجة إنها هي نفسها اندهشت من ثباتها:
​— لموا حاجتكم ويا يلا من بيتي.. مش عايزه أشوف حد فيكم هنا.
​ما حدش نطق ولا كلمة.
​نادين فتحت بقها من الصدمة، وما عرفتش تطلع كلمة واحدة.
​عشان الكل في اللحظة دي فهم إن ميرفت ما كانش قصدهم على شوية الأكل اللي في العلب..
​كان قصدهم على سنين طويلة عاشتها وهي حاسة إنها مجرد وسيلة ومستغلة.
​شايفين إن ميرفت اتصرفت صح لما حطت حد وقالت خلاص بعد كل السنين دي من السكوت؟

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *