التوام
أنا ومريم كنا توأم، وبقالها عشر سنين ميتة بالنسبة لي. لحد ما يوم الإثنين اللي فات، جالي مكالمة من عيادة أسنان بكل بساطة بتقولي إن اختي قاعدة في صالة الانتظار ومحتاجاني أروح أخدها عشان تليفونها فصل شحن.
عشر سنين بعد ما اختي التوأم شهد المفروض إنها ماتت، يجيلي التليفون ده. في الأول افتكرت الرقم غلط، لحد ما خلوها تكلّمني بنفسها.
”مريم؟ أرجوكي تعالي خديني.”
أول ما نطقت اسمي، جسمي كله اتجمد. الصوت ده أنا عارفاه كويس.. قضيت عشر سنين بحاول أنسى قد إيه كنت مشتاقة أسمعه. كان عندي ثلاثين سنة، قاعدة على ترابيزة المطبخ واللابتوب مفتوح وقبالي كوباية قهوة نصها مشربتهوش. من ثواني بس كان صبح عادي جدًا، ودلوقتي أنا ماسكة في رخامة المطبخ بإيديا لدرجة إن صوابعي وجعتني. لما موظفة الاستقبال رجعت تتكلم، غصبت على نفسي أنطق:
”أنا آسفة.. مين بالضبط اللي قاعدة عندكوا؟”
ردت الموظفة: “اختك شهد، عملت حشو عصب الصبح ولسة دايخة شوية من البنج. تليفونها فصل، فعطتنا رقمك.”
نفسي كان مقطوع: “اختي ماتت من عشر سنين.”
سكتت الموظفة شوية، وبعدين قالت بحذر: “أنا آسفة جدًا.. تحبي أديها التليفون تاني؟”
”ايوة.”
سمعت صوت حركة وشخشخة، وبعدين الصوت ده تاني: “مريم؟”
صدري اتعصر بالوجع: “أنتِ فين؟”
أدّتني عنوان العيادة.
”ما تمشيش.. خليكي عندك.”
“مش همشي.”
مسكت مفاتيحي وطلعت أجري من البيت. أنا وشهد كان عندنا عشرين سنة لما “ماتت”. عربيتها اتزحلقت على طريق الإسكندرية الصحراوي في ليلة ضلمة، ونزلت في حتة غويطة وولعت قبل ما الإسعاف توصل. بتوع الشرطة قالولنا وقتها إن ما فيش ج/ثة يتقدر يتعرف عليها. عملنا جنازة بمدفن مقفول. أمي كانت بتروح تزور مدفن شهد كل أسبوع لسنين، وأبويا رفض تمامًا يمشي من الطريق ده تاني. وأنا قضيت معظم عشريناتي بتعلم إزاي أعيش من غير الإنسانة اللي كانت جنبي من قبل ما أي واحدة فينا تستوعب الدنيا.
العلاج النفسي ساعدني شوية. مع الوقت، عزلت في بيت يبعد نص ساعة عن بيت بابا وماما في المعادي، لقيت شغلانة ثابتة واشتريت شقة صغيرة. اتعلمت أعمل خطط لحياتي ما فيهاش شهد.. بس الحزن بيسيب عادات غريبة؛ ساعات كنت أشتري قطعتين باتيه من غير ما أخد بالي، ولسة عندي مجين زرق شبه بعض، واحد ليا وواحد طول عمرية بسميه “المج الاحتياطي”.
لما وصلت عيادة الأسنان، فتحت باب صالة الانتظار.واحدة كانت قاعدة في الزاوية وقفت ببطء. نفسي اتكتم. كانت باينة أكبر في السن.. طبعًا أكبر، ما أنا كمان كبرت. شعرها كان أقصر من زمان، وفيه ندبة باهتة على جنب فكها. بس عينيها هي هي. وكانت بتلف خاتم فضة في صوابعها بنفس الطريقة اللي شهد كانت بتلف بيها أساورها لما تتأثر أو تتوتر.
”أهلاً،” همست.
بصيتلها وقولت: “ما تقوليش أهلاً بس كده.”
ابتسامتها المتوترة اختفت: “تمام.”
ما قدرتش أخدها في حضني.. مش دلوقت.
”كنا بنسمي الخرم اللي في حيطة أوضتنا إيه؟”
عينيها اتملت دموع فورًا: “القمر.”
بطني اتعصرت: “ومين اللي كسر فازة بابا في الشتا؟”
”أنا.. وأنتِ شيلتي الذنب عشان بابا قال هيحرمني من الخروج وأنتِ كنتِ عايزاني أروح أعيش مع أصحابي في رحلة الشاليمو.”
ركبي كانت هتخوني. شهد قربت مني، فرجعت خطوة لورا.
”أنتِ طلعتِ بجد.”
قالتلي: “مش لازم تفهمي كل حاجة دلوقت.”
رديت بحسم: “ما لكيش دعوة تفهميني إيه وما تفهمينيش إيه.”
سكتت وقالت: “عندك حق.”
نفس العينين.. نفس الخط الصغير بين حواجبها لما تخاف. دي شهد. وللأسف الإدراك ده خلاني أحس بوجع أكبر مش براحة.
”أنتِ عايشة إزاي؟”
بصت حواليها في العيادة: “ينفع نمشي الأول؟”
“لأ.”
“مريم—”
“أنتِ عايشة إزاي؟”
صوتها وطي: “أنا نجيت من الحادثة.”
بصيتلها بذهول: “إحنا دفناكي!”
“التابوت كان فاضي.”
“أمي لسة بتحط ورد على قبرك!”
غمضت عينها: “بابا ما كانش بيقدر يسوق على الصحراوي لخمس سنين.”
“عارفة.”
بطني اتعصرت أكتر: “عرفتي منين؟”
فتحت عينها، وفي اللحظة دي فهمت إن رجوع شهد للعيشة مش هو السر الوحيد اللي مستنيني.
لما طلعنا برة، طلبت مني أوديها بيتها. للوهلة الأولى افتكرتها تقصد بيت بابا وماما.
“هكلم بابا وماما.”
“لأ.”
بصيتلها: “إيه؟”
“أرجوكي وديني شقتي الأول.”
“شقتك؟”
أدتني عنوان في زايد.
“دي في مدينة تانية!”
“عارفة.”
ضحكت بقلة حيلة وعدم تصديق: “يعني أنتِ مفروض ميتة بقالك عشر سنين، وقاعدة على بعد نص ساعة مننا في زايد؟”
“مش كل الفترة دي.”
“من إمتى؟”
“بقالي كام سنة.”
سوقت في سكوت. أنا لما بخاف ببدأ أعمل قوائم في دماغي، وفي الصبح ده مخي ما كانش فيه غير أسئلة. في الآخر شهد اتكلمت:
“فيه حاجة لازم أوضحها بخصوص المكالمة بتاعة العيادة.”
بصيتلها: “إيه؟”
“أنا ما اخترتش رقمك بقصد.”
“يعني إيه؟”
“كنت دايخة من البنج، ولما سألوني يتصلوا بمين، رقمك طلع من لساني بالتعود تلقائيًا.”
بصيت على الطريق: “شهد، الرقم ده معايا من أكتر من عشر سنين.”
“عارفة.”
“وفكراه؟”
“باين كده.”
حاجة جوايا اتكسرت.. تحت عشر سنين من حياة منفصلة تمامًا، رقم تليفوني فضل محفور في ذاكرتها.
”ليه رقمي بالذات؟”
“مش عارفة.”
بعد شوية سألت بهدوء: “بابا وماما كويسين؟”
“عايشين.”
“قصدي نفسيًا..”
“عارفة.”
أمي كانت بتكلمني كل أحد بعد الحادثة، وبابا ما كانش بيضغط عليا أتكلم، كان يقعد جنبي في سكوت لما الحزن يخنقني. هما ساعدوني أتجاوز موتك.. في الوقت اللي أنتِ كنتِ فيه عايشة!
قولتلها: “فتكرتي رقمي، بس ما تعرفيش بابا وماما عاملين إيه؟”
دارت وشها للشبك: “الموضوع معقد.”
“يبقا ابدئي اشرحي.”
لما وصلنا شقتها، حتة تانية جوايا اتدمرت. دي ما كانتش أوضة مؤقتة، ده كان بيت بجد. زرع مالي الشباك، صور ببراقع على الرفوف، مج أصفر جنب الحوض.. شهد بقا ليها تفضيلات، روتين، أصحاب، حياة! مسكت كتاب عن الزراعة:
“أنتِ بتكرهي التراب.”
“كنت بكرة زمان.”
“ده أنتِ مرة موتّي صبارة!”
شفايفها ابتسمت، وبعدين لمحت الصور: شهد بتضحك في عزومة، شهد بتتزرع، شهد واقفة جنب ناس ما شفتهمش في حياتي.. وما فيش صورة واحدة ليا!
”عايشة هنا من إمتى؟”
“ثلاث سنين.”
“وقبل كده؟”
“كنت أبعد.”
لفيت ليها: “ابدئي من الحادثة.”
قعدت شهد وقالت: “أنُطيت من العربية قبل ما تولع. وظاهر إني مشيت وتاهت، لحد ما حد لاني على طريق تاني بعيد.”
“ما كانش معاكي إثبات شخصية؟”
“ولا حاجة.”
“وذاكرتك؟”
“راحت شبه خالص.”
بدأت تلف الخاتم الفضة: “كنت عارفة أستخدم المعلقة قبل ما أفتكر اسم عيلتي إيه.”
ما ردتش.
“اسمي الأولاني رجعلي بدري.. بس إني أعرف إني شهد ما كانش بيعرفني أنا بتبع مين.”
الذكريات رجعت بالتدريج.. فتافيت؛ مطبخ أمي الأصفر، صوتي، أماكن الطفولة.. أجزاء منها. وبعدين سألت السؤال اللي كنت بهرب منه:
“افتكرتيني إمتى؟”
بصت بعيد: “مريم..”
“من إمتى يا شهد؟”
“أرجوكي..”
“من إمتى؟!”
عينيها اتملت دموع: “من ست سنين.”
تنحتلها: “ست سنين؟!”
هزت رأسها.
“كنتِ عارفة أنا مين من ست سنين؟”
“ايوة.”
“وعارفة إني فاكراكي ميتة؟”
“ايوة.”
إيديا بدأت تترعش: “حاولتي تتصلي؟”
“حاولت مرة.”
“مرة واحدة؟”
“لقيت رقم بابا وماما القديم مقفول.”
“واستسلمتي عادي كده؟”
“لأ.”
“أمال عملتي إيه؟”
“كتبت جوابات.”
صدري اتعصر: “وبعتيها؟”
وطت عينها: “لأ.”
مسكت شنطتي: “يبقى الجوابات دي ما كانتش لينا يا شهد.. كانت ليكي أنتِ عشان تريحي ضميرك.”
اتخضت: “مريم أرجوكي..”
وصلت للباب: “أنا ممكن أشرحلك.”
“كان عندك ست سنين تشرحي فيهم.”
وخرجت. ما قلتش لبابا وماما في الليلة دي، ده قرار شهد مش هتاخده عني، هي تحكمت في الحقيقة كفاية. بالليل فتحت درج المطبخ ولقيت المجين الزرق.. واحد ليا وواحد احتياطي، وفهمت فجأة إني كنت بشتري الحاجات جوز بقالي عشر سنين عشان فيه جزء جوايا ما كانش متقبل إنه بقى لوحده.
تاني يوم الصبح كلمت أمي: “أنتِ قاعدة؟”
“مريم، أنتِ عارفة إني بكرة الدخلة دي!”
“أرجوكي يا ماما..”
صوتها اتغير: “خير؟”
غمضت عيني: “شهد عايشة.”
سكوت تام.. ولا حتى صوت نفس. بعدين أمي همست: “يا بنتي..”
“أنا شفتها.”
سكوت تاني.
“فاكرة حاجات محدش يعرفها غيرنا.. القمر اللي في الحيطة، فازة بابا.. دي هي بجد.”
بابا دخل على الخط، ما سألش هي فين ولا طلب إثبات، قال بس: “محتاجة إيه مننا يا مريم؟”
الكلام ده كسَرني: “مش عارفة.”
“يبقى نبتدي من هنا.”
بعد يومين، أخدت بابا وماما لشقة شهد. أمي وقفت أول ما دخلنا. شهد كانت واقفة جنب الشباك. لكام ثانية محدش اتتحرك، بعدين أمي قربت: “بنتي..”
شهد اتخَشبت، وبعدين اترمت في حضنها بتعيط. بابا فضل واقف بعيد يمسح عينيه: “أهلاً يا حبيب بابا.”
دورت وشي. أنا بحب شهد، بس كنت غليانة منها في نفس الوقت.. الشعورين كانوا مع بعض. بعد ما الكل هدي، أمي بدأت تتكلم بسرعة محتاجة تعوض عشر سنين في دقايق:
“أنا لسة بعمل فطير المشلتت اللي بتحبيه، وأوضتك القديمة ممكن ندهنها تاني.. فاكرة الأغنية اللي كنتوا بتغنوها؟”
المج اللي في إيد شهد وقع على الرخامة: “بس بجد!”
أمي اتجمدت: “شهد؟”
“أرجوكي كفاية!”
أمي بصلتها بذهول: “أنا بس كنت—”
“أنا مش قادرة أعمل كده!”
الأوضة هديت خالص. شهد حطت إيديها على وشها وبعدين بصتلنا: “ده بالضبط السبب اللي خلعني وما خليتنيش أرجع.”
أمي اتكسرت: “عشان جيبت سيرة الفطير؟”
“لأ يا ماما..” صوتها كان بيترعش: “عشان بعد خمس دقايق من شوفتي، بتحاولي ترجعي البنت اللي كنتها زمان!”
“افتكرت الحاجات القديمة هتهون..”
“أنا مابقتش بحب الفطير اصلاً!”
أمي تنحتلها: “بس مريم بتحبه! انتوا كنتوا بتحبوا نفس الحاجات!”
شهد ضحكت ضحكة مريرة: “أهو! هي دي!”
شاوَرت على أمي: “بالظبط كده!”
حسيت ببرودة في جسمي: “أنتِ بتقولي إيه؟”
شهد لفتلي: “طول ما إحنا كبار، كانت دايماً مريم وشهد!”
كشرت: “أنتِ كنتِ بتجيبي درجات أحدث، الناس تقارننا. أنتِ تدخلي فريق، يسألوني ليه أنا لأ. أنتِ تكسبي، يبصولي كأني النسخة البايظة منك!”
“أنا عمر ما طلبت من حد يعمل كده!”
“عارفة.”
“أمال بتبصيلي كأني أنا السبب ليه؟”
“عشان أنتِ عمرك ما اضطريتي تفكري في الموضوع ده!”
صوتها اتشرخ: “أنتِ كنتِ بتدخلي الأوضة وتبقي مريم.. أنا كنت بدخل نفس الأوضة وأبقى توأم مريم!”
أمي بدأت تعيط: “عمرنا ما عرفنا إنك حاسة بكده..”
“ولا أنا كنت فاهمة كليًا.. غير بعد الحادثة.”
شهد مسكت رخامة المطبخ: “في الأول فقدان الذاكرة كان يرعب، بس بعدين حصل حاجة غير متوقعة.. لأول مرة في حياتي محدش كان بيقارنني بيكي، محدش بيسأل فين توأمها، محدش بيقول مريم بتحب إيه.. بدأت أكتشف حاجات لمجرد إني بحبها أنا؛ الزراعة، أكل مختلف، أصحاب جُداد.. حياة ما فيهاش أنتِ كمرجع لييا.”
بصيتلها: “يعني لما افتكرتينا، قررتِ تفضلي اختفية؟”
“في الأول كنت خايفة..”
“وبعدين؟”
شهد بلعت ريقها: “بعدين.. اخترت نفسي.”
رجعت خطوة لورا: “اخترتي نفسك بأنك تسيبينًا ندفنك؟”
“عارفة قد إيه ده بشع..”
“بشع عشان هو فعلاً بشع!”
هزت رأسها: “عارفة.”
أمي مدّت إيدها، شهد أخدت خطوة لورا بتلقائية: “أنا كنت بحبكم كلكم،” همست. “بس كنت مرعوبة إن لو رجعت، هبطل أكون شهد تاني.”
بصيتلها: “وكان ثمن إنك تبقي شهد، إني أقضي عشر سنين فاكرة اختي ميتة؟”
مسحت خدودها: “أنا دورت عليكِ من أربع سنين.”
دي وجعتني أكتـر: “وصلتيلي؟”
“ايوة.”
“وشفتي إيه؟”
“بيتك.. شغلك.. أصحابك.”
“وعشان شكلي مبسوطة، قلتي تفضلي بعيد؟”
“كنت عايزة أطمن إنك كويسة.”
“عندك فضول تدوري عليا بس ما عندكيش فضول تتصلي؟”
وطت رأسها: “لأ.”
شرحت شهد إن العلاج والروتين مسكوها في الدنيا قبل ما ذاكرتها ترجع، ولما افتكرتنا كانت بنت حياة جديدة، وكل سنة بتعدي كانت بتخلي الرجوع أصعب. كانت بتقنع نفسها إننا اتعافينا، وإن ظهورها هيهد كل حاجة، وإنها تسيبنا في حالنا أرحم.
قولتلها: “كنتِ تقدري تقولي محتاجة مسافة.”
“عارفة.”
“كنتِ تقدري ترجعي وتقولي عايزة حياتي الخاصة.”
“عارفة.”
“كنتِ تقدري تطلبي مني أبطل أتقارن بيكي!”
“عارفة..”
“بس بدل كل ده، سبتيني أحزن عليكِ عشَرة سنين.”
عينيا اتملت دموع: “ده الجزء اللي مش هعرف أدافع عنه.”
“يبقى ما تدافعيش.”
هزت رأسها: “أنا كنت أنانية.. كنت عايزة الحرية، وكل سنة ببعد فيها كانت بتصعّب عليا أعترف باللي عملته، لحد ما أقنعت نفسي إن رجوعي هيوجعكم أكتر من غيابي.”
”وصوري وأنا عايشة حياتي سهلت عليكي الفكرة دي.”
وشها اتعصر: “ايوة.”
لفت وشي، وبعدين بصيتلها تاني: “أنا متفهمة إنك عايزة تبقي نفسك.. متفهمة كرهك للمقارنات، ومتفهمة الخوف من إن الرجوع يمسح الشخصية اللي بنيتيها.. بس عمر ما هفهم ليه حزني أنا كان الثمن اللي تدفعيه عشان تاخدي حريتك.”
شهد بدأت تعيط: “عارفة.”
“لأ، اسمعي!”
سمعتني.
“مش مسموحلك تختفي تاني كل ما كُونك اختي يبقى مش مريح ليكي.”
هزت رأسها.
“وأنا مش هسحبك لورا وأتوقع منك تبقي شهد بتاعة العشرين سنة.”
هزت رأسها تاني.
“طب إيه اللي يحصل دلوقت؟” همست.
”المرّة دي، أنا اللي هقرر.”
استنت.
“نبتدي بالراحة.”
“يعني إيه؟”
“ما تظهريش وتختفي على مزاجك، ما تقرريش إيه المعلومة اللي أستحملها، وما تاخديش قرارات نيابة عني عشان فاكرة إنك عارفة المصلحة.”
“ماشي.”
“بابا وماما من حقهم يزعلوا ويغضبوا، ومش هحميكي من أسئلتهم.”
“عدل.”
“أنا مش بحاول أكون عادلة.. أنا بحاول أفهم إزاي يبقى عندي اخت عايشة بعد ما قضيت عشر سنين فاكراها ميتة.”
مسكت شنطتي.
“طب عايزة مني إيه دلوقت؟”
فتحت الباب: “غدا.. يوم الخميس.”
إعادة بناء العلاقة مع شهد ما كانتش درامية؛ ما كانش فيه مشهد سينمائي، ولا مكالمة واحدة أصلحت كل حاجة. بدأنا بغدا، وبعدين غدا تاني، بعدين قهوة. ساعات نتكلم في اللي فات، وساعات نتعمد ما نفتحوش. عرفت إن شهد بقيت بتشرب شاي أكتر من القهوة، بتحب الزرع، وبتقرف من الفطير المشلتت. بقى ليها أصحاب ما أعرفهمش بس كانوا جنبها في السنين اللي كنت فاكراها ميتة فيها.
وهي كمان عرفت عني حاجات؛ عرفت إني غيرت مجالي مرتين، إني بقيت بخاف من السواقة في المطرة، وإني ما بقتش أسمع نص الأغاني اللي كنا بنحبها وإحنا أطفال. لأول مرة، بنتعرف على بعض كبار بدل ما نفترض إننا عشان توأم فاهمين كل حاجة.
أمي تعبت أكتر، كانت بتحاول ترجع العادات القديمة، الأكل القديم، الذكريات. بابا كان مختلف، كان بيسمع أكتر. في يوم شهد اعتذرتله، بابا بصلها كتير، وبعدين قال:
“أنا مبسوط إنك عايشة.”
شهد عيطت.
“بس زعلان إنك سبتينا نصلّي على روحك.”
هزت رأسها: “عارفة.”
بابا كمل: “الشعورين صح وموجودين.”
الكلمات دي علقت معايا.. عشان ده بالضبط اللي كنت بحاول أفهمه. أقدر أحب شهد وأكون زعلانة من اللي عملته. أمي تقدر تكون شاكرة إن بنتها عايشة وبتعيط على العشر سنين اللي اتسرقوا. شهد كانت مظلومة فعلاً من المقارنات وهي صغيرة، وبس هي مسؤولة عن الوجع اللي سببتوله ببعدها. ما فيش حقيقة فيهم بتمسح التانية.
بعد ثلاث أسابيع من رجوع شهد حياتنا، وقفت عند محل حلويات قبل ما أقابلها على الغدا. البياعة عرفتني:
“الطلب العادي؟ قطعتين باتيه باتسيه؟”
بصيت من الإزاز. بقالي عشر سنين بشتري الحاجات بالزوج تلقائيًا.. مجين، قطعتين باتيه، أي حاجة بحس إنها ناقصة لو لوحدها. كانت طقوس حزن مخفية ما كنتش حاسة إني بعملها. بصيت للباتيه، وبعدين هزيت رأسي:
“لأ.. واحدة بس.”
البياعة مدت إيدها للكياس، وبعدين لمحت دوناتس بالشوكولاتة. شهد كانت طلبتها الأسبوع اللي فات.
“وهاتي واحدة من دي كمان.”
حطتهم في كيسين منفصلين. واحدة باتيه، وواحدة دوناتس شوكولاتة.. مختلفين. ابتسمت، ده الصح. أنا وشهد مش بنكمل من المطرح ما وقفنا عند عشرين سنة، ما فيش نسخة قديمة مستنية نرجعها. هي قضت عشر سنين تبني شخص جديد أنا ما أعرفوش، وأنا قضيت عشر سنين بكون حد تاني من غيرها. مش هنعرف نمسح العيشتين دول.. والمفروض ما نمسحهمش.
لما وصلت الكافيه، شهد كانت قاعد مستنياني برة. بصتلي وأنا بتقرب: “جايبة أكل؟”
“أكيد.”
ديتها كيس من الاتنين، فتحته: “شوكولاتة؟”
“طلبتيها المرة اللي فاتت.”
ابتسمت: “افتكرتي.”
قعدت قدامها وفتحت كيسي. لكام ثانية محدش اتكلم. من عشر سنين، كنت هتوقع إننا نطلب نفس الحاجة بالظبط، عشان توأم، وعشان الكل فاكر إن التوأم بيحبوا نفس الحاجات. يمكن شهد نفسها كانت مصدقة ده زمان. دلوقت هي معاها شوكولاتة، وأنا معايا باتيه.. إنسانين مختلفين قاعدين على نفس الترابيزة.
ولأول مرة في حياتنا، محدش فينا محتاج يختفي عشان التاني يعرف يكون موجود.