ابي حصري لصفحة روايات رولا

مشّي أبوكي من بيتي يا رحمة، إحنا مش هنأوي مديونين هنا!”.. حماتي صرخت بالكلمات دي وهي بتشاور على الباب، في الوقت اللي كان فيه أبويا بيضغط على طاقيته بين إيديه، وعينيه باصة لطبق الشوربة اللي مالحقش يدوق منه معلقة واحدة.
​أنا اتسمرت في مكاني، حافية القدمين جمب السفرة. أبويا كان واصل في الليلة دي بقميص مكرمش، ودقنه ما حلقهاش من أيام، وعينيه غارزة لجوه من التعب والهم. مكانش جاي يطلب فلوس؛ كل اللي كان عايزه إنه يشوفني للحظة، وكأن وشي كان آخر مكان أمان فاضله في الدنيا دي.
​أبويا قال بنبرة خجل قطعت قلبي: “يا ست غادة، سامحيني على تأخير الوقت.. أنا مريت بس أسلم على بنتي، وماشي حالاً”.
​ردت عليه وهي بترفع سماعة التليفون: “طبعاً هتمشي.. ولو مخرجتش حالاً، هطلب أمن الكومباوند. مش ناقصة وجع دماغ ومحصلين ديون يقفوا لي على الباب بسببك”.
​تخيلوا.. الست دي هي نفسها اللي عاشت 8 سنين تتباهى بأبويا في كل عزمة وعيد!
​لما كانت بتوصل كراتين اللحمة الفاخرة من الجزار، أو أكياس ياميش رمضان، أو شنط الهدايا، والأظرف المليانة فلوس عشان مصاريف علاجها ودكاترتها، كانت حماتي (الست غادة) تطلع تقف في مدخل العمارة في “مصر الجديدة” عشان الجيران كلهم يسمعوها وهي بتقول:
​”شفتوا نسيب ابني، الحاج جلال رضوان بعتلي إيه؟ هو ده الراجل اللي كلمته سيف بجد!”.
​أبويا بدأ من الصفر، بنى بإيديه مصنع لقطع غيار العربيات في “المنطقة الصناعية بـ 6 أكتوبر”. كبرت وأنا بشوفه بيصحي في الفجر، وريحة الشحم في إيديه، وجاكت البدلة متعلق ورا في العربية. ولما اتجوزت مازن، أبويا مابصش عيلته معاها كام، قالي جملة واحدة:
​”يا بنتي، لو بتحبيه وهو بيصونك ويحترمك، الفلوس بتيجي بالسعي والشغل”.
​ده غير إنه دفع دم قلبه وشق عمره عشان يشتري لنا الشقة اللي بدأنا فيها في “التجمع”، لأن مازن وأمه كانوا لسه عايشين في بيت قديم في “شبرا”، وأبويا مكانش عايزني أبدأ حياتي في كفاح وتبهدل. وأنا اللي وافقت إن الست غادة تيجي تعيش معانا عشان, على كلامها، كانت وحيدة بعد وفاة جوزها. كنت عايزة أحبها زي أمي، ولفترة طويلة افتكرت إنها بتحبني بجد.
​أمي اتوفت بالسرطان بعد سنة من جوازي، وأبويا بقى بطوله. ولما كانت حماتي تطبخ له يوم الجمعة وتناديله “يا نسيبى العزيز”، كنت بقول الدنيا عوضتني بعيلة تانية تشيل معايا.
​نقطة التحول
​لحد ما الشغل عند أبويا بدأ يتهز..
زبون كبير أكل عليه فلوس بملايين، ومحاسب كان فاكره ابن حلال هرب بفلوس الخزنة، والبنوك قفلت حنفية القروض في وشه بين يوم وليلة. أبويا طلب مني مقولش لحد:
​”هعدي منها يا رحمة.. مش عايزهم يبصوا لك في بيتك نظرة تانية بسبب مشاكلي”.
​بس “سحر”، أخت جوزي، عرفت بالموضوع من جوزها “مدحت”، اللي أبويا كان مشغله معاه في المخازن لما اتطرد من شركته القديمة. وأول ما الخبر وصل لودن حماتي، حنيتها نشفت زي الفوطة المبلولة المرمية في شمس أغسطس.
​قدام مازن، كانت الست غادة تسأل على أبويا بوش القديسين:
​”قول لنسيبك ييجي يتغدى معانا يا بني.. ده قاطع بيا ووحشني، وشكله خاسس أوي ومقلقني عليه”.
​لكن أول ما مازن ينزل الشغل وبنتي “فريدة” تروح مدرستها الابتدائي، كانت تقفل باب المطبخ وتبخ سمها في وشي:
​”أبوكي أعلن إفلاسه صح؟ بلاش استعباط.. إياكي تجري رجل ابني في الديون دي!”.
​”أبويا عمره ما هيطلب مليم من مازن يا طنط”.
​”هو ده كلام المفلسين.. يعيطوا الأول، وبعدين يسحبوا العيلة كلها معاهم لقعر البير”.
​استحملت وكتمت في قلبي عشان مأخربش على بيتي، وعشان محطش مازن في مواجهة مع أمه. كنت خايفة ميصدقنيش، وخايفة تطلع هي تتبلى عليا وتعيط، فأبان أنا الشرير في الآخر.
​الليلة الصادمة
​في الليلة اللي أبويا ضرب فيها إنتركوم العمارة، مازن كان في مأمورية شغل في “الإسكندرية”. شفته في شاشة الإنتركوم وجريت فتحت له الباب.. جزمه كان عليها تراب واديه كانت بترتعش.
​”أنا جيت أشوفك بس يا بنتي.. في ناس بيدوروا عليا في المكتب ومبقتش أنام.. والله ما هعملك أي مشكلة”.
​غرفت له طبق شوربة دجاج لسان عصفور سخن، كنت عاملاه لفريدة. وما لحقش يرفع المعلقة، لحد ما الست غادة خرجت من أوضتها، وطلعت كل الغل والشر اللي شايلاه:
​”الراجل اللي وراه ديون ومشاكل ميتخطاش عتبة البيت ده! أنت مبقتش نسيب حد خلاص!”.
​صرخت فيها: “كفاية يا طنط! ده أبويا!”.
​”كان أبوكي فكر في كده قبل ما ييجي يلوّث اسم ابني وسمعتنا”.
​وراحت رافعة التليفون ومكلمة أمن الكومباوند وبأعلى صوت عندها:
​”في واحد غريب دخل شقتي ومتهجم علينا.. تعالوا ارموه بره حالاً”.
​أبويا حط المعلقة ببطء.. ماداقش لقمة. قام وقف وهو حاني ضهره، وكأن ظهره شال هموم عشرين سنة زيادة فوق عمره.
​”سامحيني يا بنتي.. الذنب ذنبي إني جيت”.
​طلع ت وراه عند الأسانسير وأنا بانهار من العياط، بس هو فك إيديه من إيدي براحة وقال:
​”بلاش تتخانقي بسببي.. خدي بالك من بنتك”.
​باب الأسانسير اتمسح وقفل، وأنا قعدت على أرض الطرقة الساقعة بصرخ وببكي بحرقة. وجوه، كانت حماتي لسه بتبرطم وتسمعني:
​”عشان تتربي وماتدخليش الأشكال دي وكسر الحُقة بيوت الناس تاني”.
​بس اللي مكانتش تعرفه.. إن من كام يوم، كنت شريت كاميرا صغيرة مخفية وحطاها في الصالة عشان أتابع “فريدة” وهي بتلعب، والكاميرا دي كانت بتسجل بالصوت والصورة كل كلمة سم رمتها في وشي ووش أبويا.
الجزء الثاني
​تاني يوم الصبح، اتصلت بأبويا أكتر من 30 مرة، تليفونه مقفول وما بيردش. بعتله رسائل على الواتساب، وفويسات، وحتى صور لـ “فريدة” وهي بتقوله “يا جدو تعالى شوفني”، بس مفيش غير الصمت.. والصمت ده كان بيوجع أكتر من صريخ حماتي في وشنا.
​لما مازن رجع من مأمورية الإسكندرية، دخل وهو شايل شنطته، والهم باين على وشه:
​”رحمة، أمي قالت لي إن الحاج جلال جه هنا امبارح.. بتقول إنها شافته في حالة وحشة جداً وصعب عليها أوي”.
​حسيت بغصة في حلقي.. وسألته:
​”هي قالت لك كده؟”
​”آه.. وطلبت مني ندور عليه ومناسبهوش لوحده في الأزمة دي.. أمي بتحبه أوي يا رحمة وماتستحملش عليه الهوا”.
​كنت عايزة أصرخ في وشه وأقوله إن أمه طردت أبويا كأنه حرامي وغريب! بس الست غادة ظهرت فجأة من وراه، وهي شايلة فنجان قهوة وبعيون كلها حنية مصطنعة:
​”يا بني، حماك ساب روحي معلقة بخيط.. مسكين الراجل ده، الشماتة وحشة”.
​بصت لي نظرة واحدة في ثانية.. وفي الثانية دي فهمت التهديد؛ لو اتكلمت دلوقتي، هتتباكى وتعمل دور الضحية وتقول إني بتبلى عليها بسبب ضغط أعصابي.
​الأسبوع ده كان جهنم حمرا.. كل يوم الصبح، أول ما مازن ينزل وفريدة تروح المدرسة، ترجع تبخ سمها:
​”رحمة، لسه قدامك الفرصة تمشي بالذوق”.
​”أمشي منين يا طنط؟”
​”من الجوازة دي.. لو بتحبي مازن بجد متخربيش عليه.. الست الأصيلة بتعرف امتى تنسحب قبل ما تبقى عبء على جوزها وعيلته”.
​هنا بقى بدأت أسجل كل حاجة.. كاميرا الصالة كانت بتبعت التسجيلات أول بأول على الموبايل، وكمان كنت بسجل بصوت موبايل في جيب المريلة وأنا واقفة في المطبخ.. مكانش غرضي الانتقام، بس كنت عايزة أثبت لنفسي وللدنيا إني مش مجنونة.
​في نص الأسبوع، رحت لمحامي في “مصر الجديدة” عشان أستشيره، قالي إن المعاملة دي ترفع قضية ضرر ونفصل، بس خرجت وقلبي مكسور.. أنا مش عايزة أطلق، أنا عايزة الحقيقة بس تطلع للنور.
​وأنا راجعة، لقيت الست غادة بتكلمني في التليفون:
​”أنتي فين يا بنتي؟ أنا عملت لك طاجن لسان عصفور بالفراخ اللي بتحبيه.. تعالي يلا قبل ما يبرد”.
​كنت هضحك بسخرية:
​”طاجن؟” جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​”آه يا حبيبتي.. شايفاكي خاسة اليومين دول.. وبعدين عايزة أقولك كلمتين، أنا كنت قاسية معاكي شوية وسامحيني يا بنتي”.
​لما وصلت، لقيتها حاطة ميك أب كامل, ومجهزة السفرة، والابتسامة على وشها:
​”رحمة، أنا مكنتش عايزة أضايقك.. موضوع أبوكي فكرني بأيام صعبة.. أنتي عارفة إن حماكي الله يرحمه خسر فلوسه زمان وأنا اتبهدلت مع المحصلين، ومكنتش عايزاكي تدوقي المر ده.. بس أنا عمري ما فكرت أفرّق بينك وبين مازن”.
​”بس أنتي طلبتي مني أمشي يا طنط”.
​”كانت زلة لسان يا بنتي.. حماقة مني.. بلاش تقولي لمازن حاجة، ماشي؟ ده بيموت في أمه ومش عايزاه يشيل هم”.
​في اللحظة دي موبايلي رن.. كان أبويا!
دخلت الحمام وقفت الباب، ورديت وصوتي بيرتعش:
​”أنت فين يا بابا؟ مبتردش عليا ليه؟”
​”سامحيني يا بنتي.. كنت برتب ورقي.. وعندي ليكي خبر بمليون جنيه.. المصنع رجع يقف على رجليه!”.
​حطيت إيدي على بوقي ومش مصدقة:
​”إزاي يا بابا؟”
​”توكيل عربيات كبير من “منطقة برج العرب” مضى معانا عقد ضخم، ودفعوا مقدم كبير جداً.. سددت مرتبات العمال، وقسط البنك، وجزء كبير من الديون.. لسه في التزامات، بس الرقبة اتفكت والحمد لله”.
​قعدت على أرض الحمام أبكي في صمت وسندت ضهري على الباب:
​”بابا.. في حد عرف بالخبر ده؟”
​”آه، مدحت عرف، والنهاردة كان في اجتماع في المخازن والكل عرف.. وأكيد سحر مراته عرفت”.
​هنا كل الأقنعة سقطت وفهمت سر الطاجن والابتسامة! مكانش ندم.. دي حسابات ومصالح! طول ما أبويا غرقان، أنا ماليش لزمة وعبء.. ولما الفلوس رجعت، بقيت “الزوجة الصالحة وبنت الأصول”.
​خرجت من الحمام لقيتها بتغرف الأكل:
​”كله تمام يا بنتي? ”
​”تمام يا طنط.. كله بقا واضح أوي”.جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​الليلة دي مقلتش كلمة.. اتعشينا وهي بتطبطب على كتفي وتقول “العيلة لازم تلم بعضها”.. هزيت راسي، وطلعت أوضتي، وفتحت فايل التسجيلات على اللاب توب.. استمعت لصوتها وهي بتقول على أبويا “مفلس” و”أشكال متتسمّاش”، وصوتها وهي بتطلب مني الطلاق، وصوتها وهي بتتوسل لي “متقوليش لابني”.
​تاني يوم الصبح، أول ما مازن وصل مكتبه، كلمته:
​”مازن.. محتاجاك تسمع حاجة، ومتقاطعنيش أرجوك”. جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​”في إيه يا رحمة؟”
​حطيت الموبايل جمب سماعة اللاب توب ودوست تشغيل..
في الأول ظهر صوت أمه: “أبوك مابقاش نسيب حد خلاص.. ده واحد مديون ومتهجم على بيوت الناس”.. وبعدين مكالمتها لأمن الكومباوند.. وفي الآخر توسلها: “ماتقوليش لابني يا رحمة”.
​مازن قعد دقيقة كاملة ساكت تماماً.. مفيش غير صوت أنفاسه المخنوقة وهي بترتعش:
​”أنا جاي حالاً”.
​الجزء الأخير (الخاتمة)
​مازن وصل قبل الظهر.. دخل وشه أصفر زي الليمونة ومشمر كمامه. كانت الست غادة قاعدة في الصالة مع بنتها سحر، بيشربوا شاي وبياكلوا كيك وكأن مفيش حاجة.
​”يا بني.. إيه اللي جابك بدري كده؟” حماتي سألته بابتسامة.
​مازن حط الموبايل وكارت ميموري الكاميرا على الترابيزة:
​”جيت أسمع الحكاية من أمي”. جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​سحر لوحت بإيدها بضيق:
​”يووه يا رحمة.. هو إحنا هنبدأ في جو الدراما بتاعك ده تاني؟”
​مازن مرفعش عينه عن أمه وصوته طالع زي الرعد:
​”ردي عليا.. أنتي طردتي الحاج جلال من البيت هنا؟”
​حماتي حطت إيدها على صدرها وتمسكنت:
​”يا بني مكانش قصدي.. كنت خايفة، والبنت كانت نايمة، والوقت كان متأخر”.
​”وعشان كده قولتيله يا مديون؟ وعشان كده قولتيله مالكش نسب عندنا؟ وعشان كده طلبتي من مراتي تطلقني؟”
​بدأت تعيط، بس مازن شغل تسجيل تاني.. صوتها ملى الصالة وهي بتقولي: “لو بتحبي ابني امشي قبل ما تخربيها عليه وعلى عيلته”.
​وش سحر اتقلب فجأة وبصت لأمها:
​”ماما! أنتي قولتِ الكلمات دي وهي بتسجلك؟”
​”اخرسي أنتي خالص!” مازن زعق في أختها.. “أنتي وجوزك اللي نقلتوا كلام المصنع لهنا.. محدش طلب منكم تعملوا من مصيبة حمايا مادة للرغي والشماتة”.
​سحر ربعت إيدها وقالت:
​”جرى إيه يا مازن؟ ما تعذر أمك برضه.. الواحدة بتخاف على بيت ابنها”.
​مازن ضحك ضحكة كلها وجع:
​”بيتي؟ الحاج جلال هو اللي شغل جوزك الفاشل لما مكانش لاقي مكان يقبله! هو اللي دفع ملايين في عمليات أمك ودكاترتها! هو اللي جاب لنا الشقة دي عشان منتبهدلش.. طول ما في هدايا وفلوس كان اسمه (حبيبي ونسيبي)، ولما وقع، عاملتوه كأنه جربان!”.
​الست غادة قعدت على الكنبة وهي بتبكي:
​”يا بني أنا أمك”.
​”ورحمة مراتي.. وأبوها هو الراجل اللي فتح لي بيته وشالني لما مكنتش حيلتي حاجة.. أمي، أنتي النهاردة هتمشي مع سحر”.
​حماتي اتصدمت:
​”أنتي بتطردني يا مازن؟”
​”زي ما سمعتي.. البيت ده مش هيبقى المكان اللي مراتي تعيط فيه في السر، وحمايا يخرج منه مكسور ومهان في الأسانسير.. سحر، خدي مامتك”.
​الست غادة صرخت:
​”بتطرد أمك عشان حتة تسجيل؟”
​”لا.. بطردك عشان اللي عملتيه لما كنتي فاكرة إن مفيش حد شايفك ولا سامعك”.
​الجملة دي قطعت النفس في الصالة.. سحر حاولت تتكلم، بس مازن دخل أوضة الضيوف وبدأ يلم هدوم أمه بنفسه في الشنطة.. مكانش في زعيق وخناق، كان في صوت سحاب الشنطة وأمه بتعيط وهي شايفة ابنها بيقفلها.
​على المغرب، رحت أنا ومازن لأبويا في المصنع بـ 6 أكتوبر.. لقيناه واقف وسط العمال بالخوذة البيضاء وبيتابع الشغل. أول ما شافني ابتسم كأن مفيش حاجة، بس لما مازن قرب منه ووطى على إيده يبوسها، دموع أبويا نزلت:
​”يا حاج جلال، سامحني.. مكنش ينفع بيتي يعاملك بالدناوة دي.. كان لازم أكون واخد بالي من مراتي ومنك”. جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​أبويا طبطب على كتفه وقال بنبرة راجل شبعان:
​”ارفع راسك يا مازن.. الذنب مش ذنبك، الراجل بيبان في موقفه.. خد بالك من بنتي، وده كل اللي عاوزه منك”.
​حضنت أبويا، ولأول مرة من أسابيع أحس إنه بيتنفس بجد.
​الأيام اللي بعد كده كانت غريبة، بس كانت صح.. مازن نزل لأمن العمارة وبلغهم إن الحاج جلال صاحب بيت ويطبع له كارت دخول في أي وقت. وبدأنا نروح لاستشاري علاقات زوجية؛ مش عشان مبنحبش بعض، بس عشان الصمت والسر المكتوم جرحنا، وكان لازم نداويه.
​أما “مدحت” جوز سحر، فأبويا رفده من المصنع.. ومش انتقام زي ما سحر قعدت تصرخ في التليفون، الحقيقة إنه كان بيغيب وبيتأخر ويسرب بضاعة من ورا الإدارة، وأبويا كان مستحمله عشاني.. بس بعد الليلة دي، أبويا قال إن الشغل مش ملجأ لأي حد مبيحترمهوش.
سحر كلمتني وهي بتعيط:
​”قولي لأبوكي مدحت هيتصلح حاله”.
​”أبويا ساعده لما كان قادر.. دلوقتي جه دوركم تعتمدوا على نفسكم”.
​الست غادة انتهى بيها المطاف قاعدة في شقة سحر، في أوضة صغيرة كركوبة جمب المطبخ.. كانت بتتصل بمازن كل يوم تعيط وتقول إنها ندمت وعايزة تشوف “فريدة” وإن الوحدة هتموتها.
​في يوم أنا اللي رديت عليها:
​”رحمة.. سامحيني يا بنتي، خليني أرجع وأنا اتعلمت الدرس”.
​أخذت نفس طويل، ومكانش في قلبي غل، كان في تعب بس:
​”أنا مطردتكيش يا طنط، مازن هو اللي مش قادرك.. لو عايزة ترجعي اتفاهمي معاه.. بس قبل ما تتكلمي، افتكري حاجة واحدة: أبويا برضه جه في الليلة دي تعبان، وجعان، وخايف.. وأنتي مستخسرتي فيه حتى الكرسي يقعد عليه”.
​التليفون سكت ومسمعتش منها غير صوت نفسها وهو مكتوم.
​بعد سنة.. أبويا عزقنا كلنا على الغدا في بيته.. مكانش في مظاهر فخمة مبالغ فيها؛ شغل الشواية في الجنينة وعملنا كفتة وفراخ مشوية، وساب فريدة تبوظ له قميصه بالكاتشب وهي بتلعب.. ومازن كان واقف في المطبخ بيغسل الأطباق من نفسه وبسعادة.
​وأنا باصة له وهو واقف جمب الحوض في بيت أبويا، فهمت إن الحق مابيرجعش بالزعيق والخناق.. الحق بيرجع لما الأقنعة تقع، وكل واحد بيقعد في المكان اللي فصلته له أفعاله.
​أبويا رجع له مصنعه، وأنا رجع لي صوتي وكرامتي، ومازن رجع راجل في بيته مش ابن بيمشي ورا أمه بـ “عَمى”. والست غادة اتعلمت، بس بعد فوات الأوان، إن قيمتك مش بفلوسك اللي في جيبك، قيمتك بتبان في معاملتك للناس لما يمروا عليك وهم عاجزين وفاضيين الإيدين.
​سؤال للمناقشة: لو كنتِ مكاني، هل كنتِ ممكن تسامحي حماة أهانت أبوكي وكسرت نفسه بالشكل ده لما الدنيا ضاقت بيه، ولا كنتِ هتقفلي الباب ده في وشها للأبد؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *