هي اللي زقتها حصري،لصفحة روايات رولا
تيتا هي اللي زقتها!”
صرخ “ياسين” ابني اللي عنده 8 سنين بصوت مقطوع من العياط، ووقع علبة العصير من إيده على البلاط السخن بتاع الجنينة.
وقعت الكبشة من إيدي، واللحمة على الشواية بدأت تشكشك وتطلع دخان بقوة.
بصيت على حمام السباحة، لقيت “منار” مراتي غطست تحت المية في الجزء الغويط.
ما كانتش بتتحرك أو بتحاول تطلع. هي ما تقدرش.. عندها ربو حاد ورئتها ضعيفة من وقت ما جالها التهاب رئوي وهي صغيرة. مجرد ما وشها يلمس المية الساقعة فجأة، صدرها بيقفش وما بتعرفش تاخد نفسها.
فقاقيع هوا صغيرة كانت طالعة على الوش، باين عليها اليأس.
أمي كانت واقفة على الحافة بكل برود، بتعدل بلوزتها البيضاء الشيك اللي جايباها من “مول العرب”. ما كانتش بتبص على المية، كانت بتبص لابني اللي واقف بيترعش من الخوف وبتقوله بحدة:
“ما تمثلش يا ياسين! هي اللي اتزحلقت.. أمك طول عمرها بتحب تعمل أفلام ومسلسلات عشان تلفت النظر.”
فجأة، الجنينة كلها سكتت.
خالاتي، والجيران، والعيال.. حوالي تلاتين واحد اتجمدوا في مكانهم، الكوبايات والأطباق في إيديهم. سماعات الدي جي اللي مشغلة أغاني صيفية مبهجة خلت السكوت ده يبان أغرب وأرعب.
جريت بكل قوتي ناحية المية، بس كنت محبوس ورا ترابيزات البوفيه الطويلة، وكان بيني وبينها بتاع 12 متر.
ياسين كان واقع على ركبه جنب الحافة وبيعيط بهستيريا: “الحقوها يا بابا!”
إيدين منار الباهتة ظهرت بالعافية على الوش، بتحاول تمسك أي حاجة في بلاط حمام السباحة. كان ممكن تسمع صوت نَفَسها اللي طالع عامل زي الخروشة المكتومة تحت المية.
أمي خطت خطوة لقدام، وبحركة سريعة ومقصودة، ركلت عصاية التنضيف اللي كانت مركونة جنب الحمام بعيد، فخبطت في البلاط وعملت صوت عالي.
قالت أمي بصوت عالي عشان كل اللي في العزومة يسمع: “سيبوها تتعلم.. شوية مية ساقعة يربوها ويعلموها الأدب.”
منار غطست تاني.. وإيديها اختفت تماماً.
نطيت من فوق كرسي الحديقة، وقلبي بيدق في وداني من الرعب، كنت حاسس إن مش هلحقها قبل ما تفارقني.
بس قبل ما رجلي تلمس النجيل، باب “التراس” الألوميتال اتفتح بقوة وبخبطة خلت البيت كله يتهز.
ظهر خيال طالع في ضهر شمس العصر القوية.
أخويا الكبير.. “عمر”. جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
عمر لسه راجع من خدمته في الجيش، لسه لابس البوت العسكري الشديد وتيشرت أخضر بهتان. بقاله 4 سنين ما بيكلمش أمي ولا بيدخل البيت.
عمر ما زعقش.. وما جراش.
مشي بخطوات تقيلة ومنظمة، وعيونه فيها نظرة صمت مرعب، ناحية حمام السباحة.
أمي لفت وشافت نظرة عينيه اللي كلها غضب ميت، ورجعت لورا خطوة بسرعة، والابتسامة المستفزة اللي كانت على وشها اختفت في ثانية.
قالت بصوت بيترعش: “عمر.. استنى..”
عمر ما بصش حتى في وشها.
تكملة القصة:
”مارك” ما بصش حتى في وشها. عدى من جنب أمي كأنها مش موجودة، وسمعت صوت البوت العسكري التقيل وهو بيخبط في البلاط قبل ما يغطس ببراعة في الغويط. المية طرطشت على حافة الحمام، وأمي رجعت لورا وهي بتترعش وبتمسك صدرها كأنها هي اللي كانت بتغرق.
رذاذ المية وصل للكراسي والـ “كولمان”. كنت بجري بجسمي كله، بس رجلي كانت تقيلة كأنها مشلولة. منار غطست من غير صوت، في ثانية كانت واقفة، وفي الثانية اللي بعدها اختفت. مارك طلع للسطح بسرعة وفي إيده منار.. راسها مالت لورا وشعرها لزق على وشها. سحبها بحركة واحدة وطلعها على البلاط، والمية كانت بتنزل من بقها.
مارك قال بصوت ناشف: “مش بتتنفس”. ما كانش فيه ذعر في صوته، كان بيقول تقرير حالة.
وقعت على ركبي جنبهم، والبخاخ كان في إيدي. شفايف منار كانت زرقا وصدرها ساكن تماماً. النسيج الضعيف في رئتها قفل في اللحظة اللي لمست فيها المية الساقعة. رفعت راسها وفتحت بوقها، وضغطت البخاخ مرتين. جسمها انتفض، بس ما حصلش حاجة تانية.
الفناء كله سكت، ما بقاش فيه غير صوت الشواية وصوت عياط عيالنا جنب الحافة. الأطباق الورقية مبهدلة، والبرجر نص مأكول. أختي “ليزا” حطت إيدها على بوقها، وعمتي “كارول” خطت خطوة لقدام ووقفت لما لقت أمي بتعدل هدومها وبتقول ببرود:
“اهدوا يا جماعة.. هي بتعمل كده بالعمد، أنتوا عارفينها ضعيفة وبتحب تعمل أفلام عشان تاخد الاهتمام. بوظت العزومة بحركاتها دي.” جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
صوت عمتي كارول طلع خافت: “أكلم الإسعاف يا جماعة؟”
أمي حتى ما بصتش ناحيتها وقالت: “لا.. هتفوق كمان دقيقة. ما تزودوش الموضوع.”
منار فتحت عينيها وكحت جامد، والمية واللعاب طلعوا على البلاط. نفسها كان مقطع، ضغطت على البخاخ تاني. إيدها فجأة مسكت إيدي، صوابعها كانت تلاجة وبترعش.
همست بصوت مبحوح: “ياسين.. فين ياسين؟”
قلت لها: “جوه بيتفرج على التلفزيون. هو كويس، تنفسي بس.”
مارك كان قاعد جنبها، إيده ثابتة على كتفها. المية كانت بتنقط من تيشرته ومجمعة بركة تحت البوت بتاعه. ما بصش لأمي، كان مركز مع نَفَس منار.
”كلوي” بنت أختي كانت واقفة جنب السور، عندها 15 سنة، وتليفونها لسه بيصور الفيديو اللي كانت بتعمل فيه هي وأولاد العم رقصة “تيك توك”. الشاشة كانت ناحية أمي. “ليزا” قربت منها.
“كلوي.. وريني كده.”
صوت كلوي كان يا دوب مسموع: “كنت بصور الرقصة، بس التليفون فضل يسجل.. بصي على الغويط.”
ليزا بصت في الشاشة، وملامحها اتغيرت. خدت التليفون ووريته لأقرب خالة ليها: “كارول.. تعالي شوفي ده.. فوراً.”
أمي سمعت نبرة ليزا، ومشت بكعبها العالي ناحيتهم: “فيه إيه؟ كلوي هاتي التليفون ده وامسحيه.”
كلوي حاولت تستخبى ورا مامتها، بس ليزا رفعت التليفون في وش الكل: “يا ماما.. لازم تشوفي أمك عملت إيه.”
الفيديو اشتغل على الشاشة الصغيرة. في الأول رقص كلوي، وبعدين في الخلفية منار واقفة لوحدها، وأمي ماشية وراها. بَصّة سريعة على البلاط الأزرق المكتوب عليه “8 قدم”، وبعدين حطت إيديها الاتنين في ضهر منار، وزقتها بقوة. إيدين منار اتلوحت، ووقعت من غير صوت، بس صوت الارتطام بالماية.
شهقة طلعت من كل الموجودين. أمي مدت إيدها: “امسحي الزبالة دي فوراً.”
ليزا سحبت التليفون: “لا.”
أمي حاولت تاخده بالعافية، بس مارك قام من الأرض، المية لسه بتنقط منه. اتحرك بين أمي وكلوي، وجسمه الضخم المبلول ملى الفراغ. بص لأمي من فوق لتحت من غير ولا كلمة، بعيون ثابتة وميتة.
أمي اتجمدت، وإيدها اللي كانت ممدودة نزلت ببطء، والابتسامة الكدابة اختفت.
صوت سيارات الإسعاف بدا يقرب، والأنوار الحمراء نورت البيت. المسعفين نزلوا، ركبوا أكسجين لمنار وأخدوها بسرعة. المسعف بص للمسبح، وبعدين للحشد، وبعدين لأمي.
قال بحدة: “هناخدها المستشفى.. فيه احتمال كبير تكون مية دخلت الرئة مع نوبة الربو.”
أمي حاولت تتدخل: “هي كويسة، هي دايماً بتعمل كده عشان الدراما.”
المسعف ما عبرهاش وطلعوا بيها. منار لمحت عيني، كانت خايفة وبدور على ياسين.
مارك مشي يوجه النقالة ووقف جنبهم. كان قريب لدرجة إنه سمع أمي وهي بتهس في ودني بصوت واطي تحت صوت السارينة:
“لو حد شاف الفيديو ده، هبلغ الشؤون الاجتماعية إنها كانت سكرانة ومش مؤهلة لتربية ياسين. تفتكر حد هيسيب لها الولد بعد اللي حصل؟” جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
وبعدين عدلت هدومها، ورسمت ملامح “الحزينة” للجيران اللي طالعين يتفرجوا، ومشت تاني للفناء كأن ما فيش حاجة حصلت.
إحنا روحنا ورا الإسعاف في عربية مارك. 12 دقيقة طريق ما حدش فينا نطق بكلمة. إيدي كانت مقبوضة على ركبتي ومبلولة، ومارك إيد على الدريكسيون وإيد على تليفونه.
في المستشفى، منار استقرت، بس الدكتور قال لازم تبات للمراقبة. قعدت جنبها، ومارك واقف عند الشباك. فجأة تليفوني بدأ يتهز.. جروب العيلة. رسالة ورا رسالة.
فتحت، لقيت فويس نوت من أمي بصوت بيعيط:
“مش عارفة إيه اللي حصل.. كنت بحاول أمسكها لما اتزحلقت، أعتقد كانت شاربة حاجة قبل الحفلة.. أنتوا شوفتوا حالتها.. أنا خايفة على ياسين الغلبان، لو جرى لأبوه وأمه حاجة هنعمل إيه؟”
الخالات ردوا في ثواني: “يا حبيبتي.. إحنا جنبك”، “منار دايماً كانت مهزوزة”.
أمي بعتت فويس تاني: “مش بيردوا عليا.. شكلهم في صدمة أو بيخبوا حاجة.. أنا عايزة أتأكد إن ياسين بأمان، مش عايزاه مع غُرباء.”
مارك بصلنا وقال: “ما تردش.”
“عارف.”
“سيبها.. هي بتلعب على وتر التعاطف زي عادتها.”
فتحت ملفات العيلة السحابية اللي كنا شايلين فيها ورق البيت والتأمين. دخلت على ملف “الوصاية”. لقيت تاريخ التعديل: “آخر تعديل: من يومين بواسطة [أمي]”.
فتحت الوثيقة.. اسم منار متشال، ومكتوب إن في حالة وفاة الأب والأم، الوصاية تنتقل فوراً لأمي. وتوقيعي مكتوب تحت.. نفس خطي بالظبط، بس أنا ما وقعتش!
مارك بص من فوق كتفي: “كانت بتجهز لكل ده.”
أمي كانت ظهرت عندنا من 3 أسابيع ومعاها ورق: “يا ولاد عشان صحة منار، لازم نرتب كل حاجة عشان ياسين لو حصل حاجة.” منار كانت رافضة، بس أمي سابت الورق وقالت: “الحوادث ما بتستأذنش.”
مارك طلع تليفونه وكلم محامي: “رويز.. معايا فيديو اعتداء وورق تزوير وصاية.. كل حاجة هتكون عندك دلوقتي.”
بص لي: “كلوي لسه عندها الفيديو؟”
“أيوة.. بعتته لليزا، وليزا بعتته لي.”
مارك خد الملف، وعمل إيميل للشرطة فيه الفيديو وصور الورق المزور: “إثبات محاولة قتل وتزوير.. الأم بتهدد بانتزاع حضانة طفل.”
منار فتحت عينيها، بصت لي بخوف: “كانت عايزة ياسين.. صح؟”
مارك رد: “مش هتحصل عليه.”
ركبنا عربية مارك تاني ورجعنا البيت. الصمت كان تقيل كأنه سلاح. لما وصلنا، أنوار الفناء لسه منورة، والضحكات لسه مسموعة.
مارك ركن، وجاله رسالة: “الشرطة في الطريق.. 5 دقايق.”
دخلنا من البوابة الجانبية. أمي كانت قاعدة بتمثل دور “الحزينة” والخالات بيواسوها. شافتني وقامت بابتسامة صفرا: “أوه.. الحمد لله.. منار كويسة؟ لسه بتمثل؟”
محدش ضحك. مشيت لحد “البروجكتور” اللي متعلق في الجنينة، ووصلت تليفوني.
الخيال طلع على الحيطة البيضاء.. الفيديو بدأ.
صوت أمي طلع: “احذفه.. ده تزوير.. كلوي عيلة كدابة!”
جت ناحيتي تضربني، مارك نزل إيدها ولفها ورا ظهرها، ومشا بيها لحد “الغويط”.. نفس البقعة اللي زقت فيها منار.
صرخت: “مارك.. أنا أمك!”
ما ردش، ونزل وشها في المية ثانيتين. طلعت بتنهج ومكياجها سايح. جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
في اللحظة دي، الشرطة دخلت. الضابط “رويز” بص للفيديو اللي شغال على الحيطة، وبعدين بص لأمي:
“مدام.. أنتي مقبوض عليكي بتهمة الشروع في القتل والتزوير.”
كلبش إيديها وهي بتبص لمارك بذهول. مشيت وهي مطاطية راسها، والمية بتنقط من شعرها على البلاط.. نفس الأثر اللي سابته منار لما كانت بتحاول تطلع.
عمتي كارول بكت: “ما كناش نعرف.. صدقناها.”
مشينا أنا ومارك، ورجعنا للمستشفى.. ولأول مرة من سنين، الصمت ما كانش مخيف.. كان صمت الحرية.