كارما حصري روايات رولا
الممر بتاع مستشفى “دار الفؤاد” في أكتوبر كان هادي جداً في ليلة يوم خميس. كنت ماشية وشايلة في إيدي بوكيه ورد كبير أبيض في لبني، من النوع الغالي اللي أختي الصغيرة “ملك” دايماً بتحبه بس مابتقدرش تجيبه. كنت لسه مخلصة يوم شغل متعب صعبة جداً مدته 16 ساعة في سلسلة المطاعم بتاعتي، بس الابتسامة ما كانتش مفارقة وشي.
أنا وملك مكانش بنا ود بقالنا سنين؛ هي شيفاني بنقد تصرفاتها، وأنا شيفاها مابتفتكرنيش غير لما تعوز مصلحة. بس لما أمي كلمتني وقالت لي إنها ولدت ولد زي القمر، قولت يمكن البيبي ده يرجع المياه لمجاريها.
وقفت قدام غرفة 427 بظبط شريط البوكيه.. الباب كان موارب سنة.
حصري روايات رولا
لمحت راجل واقف جنبه سرير ملك، حاطط إيده على خدها بحنية.. الصدمة إن الراجل ده كان شريف.. جوزي!
شريف اللي متجوزاه بقالي 11 سنة، اللي وقف جنبي في كل حفلات البيزنس، وساعدني افتح 4 فروع لمطاعمي، واللي كان بيمسك إيدي في كل عيادة دكتور لما عرفنا إن الخلفة مش هتبقى سهلة لينا. كان بيبص لأختي بنظرة حنان أنا بقالي سنين بترجاه يورهالي.
ملك كانت شايلة البيبي، وشريف لمس إيده الصغير وهمس: “واخد عينيكي.”
ملك ضحكت بدلع: “ودقنك الناشفة.”
الورد في إيدي بقا تقيل ومستحملتوش.. زقيت الباب ودخلت.
محدش فيهم اتخض أو بعد عن التاني.. شريف دار وشه وبصلي ببرود، وملك عدلت لفة البيبي وكأنها كانت مستنياني!
قالت لي بكل بجاحة: “منورة يا فريدة.”
بصيت لجوزي وبعدين للطفل وسألت: “ابن مين ده؟”
شريف حط إيديه في جيوب بالطو شيك جداً وقالي: “اسمه سليم.. ابني يا فريدة.”
حصري روايات رولا
العيلة اللي كانت طابخة الطبخة
في ثواني، الدنيا اسودت في عيني وما سمعتش غير صوت التكييف.. فجأة دخلت أمي “ميرفت” وشايلة سبت سبوع كبير بستان ستان دهبي. ما اتفاجئتش خالص بوجود شريف.. راحت علطول على البيبي وقالت: “يا يختي كميل.. نور عيني، حفيد الغالي.”
وأبويا “فاروق” كان واقف في الطرقة بره، عامل نفسه باصص في الموبايل ومستهبل.
ساعتها فهمت.. دي مش غلطة واتكشفت، دي مؤامرة عيلتي كلها مشتركة فيها!
سألتهم: “بقالكم قد إيه؟”
ملك بصت لشريف وقالت: “سنة وشوية.”
سنة كاملة! في السنة دي شريف كان بيشجعني أعمل عمليات حقن مجهري غالية، وبيواسيني وندور على مبررات، ويقولي لازم نصبر ونحوش في “حساب العيلة” اللي شيلناه على جنب للخلف. وفي نفس الوقت كان بيعمل عيلة تانية مع أختي!
ملك بصت للورد وقالت: “حطي الورد ده جمب الشباك يا فريدة.”
كنت هضحك من كتر الفجر.. بتكلمني كأني ضيفة جاية تبارك!
شريف قرب وقال: “فريدة، بلاش فضايح وقلة قيمة، إحنا جهزنا ورق الطلاق، هتاخدي شقة التجمع بحاجتك الشخصية وخلاص.”
”حاجتي الشخصية؟”
شريف كمل: “أنا وملك هنقل لفيلا الشيخ زايد أول ما توضيباتها تخلص، عشان البيبي محتاج مكان واسع.”
فيلا الشيخ زايد دي قصر على مساحة كبيرة، شريف كان قايلي إنه بيشرف على تشطيبها لمستثمر عربي بره مصر، وأنا دفع مئات الآلاف للمقاولين عشان قالي “المستثمر مسافر ومحتاجين نخلص”.
ملك ابتسمت وقالت: “يا ريت تكملي دفع مصاريف التشطيب لحد ما الورق يخلص، عشان سليم يعيش في مكان يليق بيه.”
كمية الجبروت كانت مرعبة. فجأة عيني جت على رقبتها.. كانت لابسة عقد فيه ماسة صفراء نادرة.. العقد ده بتاع جدتي “ليلى هانم”!
حصري روايات رولا
من 8 شهور، شريف قالي إن العقد اتسرق من الخزنة اللي في البيت، وعمل معايا محضر وواسي دموعي على آخر حاجة فضلالي من ريحة جدتي.. ودلوقتي أختي لابساه!
قولتله: “أنت مش قولت العقد اتسرق؟”
أمي ردت بداله: “يا بنتي العقد ده خسارة يفضل مدفون في الخزنة، ملك أولى بيه وهتعرف قيمته.”
حسيت ببرود غريب نزل عليا.. حطيت البوكيه على الشباك وقولت: “مبروك.”
شريف كشّر، كأنه كان مستني واصلة ردح وصويت. سبتهم ومشيت من غير ما أمضي على قشة.
الست اللي جدتي استأمنتها
الساعة 1:40 بعد نص الليل، دخلت مكتب المحاسبة فوق فرع مطعمي الرئيسي في مصر الجديدة. المطعم كان قفل بس النور فوق كان شغال.
كانت قاعدة “طنط نادية”.. الست دي اشتغلت مع جدتي 27 سنة، ولما فتحت أول مطعم وأنا عندي 26 سنة، بقت هي مستشاري المالي، والمحاسب وبمثابة حمايتي.
بصت في وشي وقفت اللاب توب علطول: “عرفتي؟”
قعدت قدامها: “الكل كان عارف.”
صبتلي شاي وقالت: “مش الكل.”
طلعت ملف تخين من تحت المكتب وحطته قدامي.. الورق كان فيه كشوفات حسابات، وعقود أملاك، وتحويلات بنكية مزورة.
شريف حول حوالي 8 مليون جنيه من حساب “توسعات المطاعم” لشركة خاصة اسمها “المنارة المضيئة”. ومش بس كده، ده سحب من حساب عمليات الحقن المجهري عشان يدفع لملك مصاريف شقتها الإيجار في الكومباوند ومصاريف مستشفى الولادة!
توقيعي كان على كل ورقة.. زي الحقيقة بالظبط.
نادية قالت: “نسخ الإمضاء الإلكتروني بتاعك من كمبيوتر البيت.. مكنش يعرف إن السيستم بيسجل كود أمان لكل عملية واللقطة دي هتكشفه.”
حصري روايات رولا
مسكت الورق بإيد بتترعش: “وفيلّا زايد؟”
حطت عقد الملكية: “الفيلا دي اشتريتها شركة (المنارة المضيئة).”
اسم الشركة استوقفني.. جدتي الله يرحمها كانت دايماً تقولي وأنا صغيرة “أنتِ منارتي المضيئة يا فريدة”. شريف أكيد قرأ الجملة دي في مذكرات جدتي القديمة وفكرها كلمة رومانسية.
نادية ضحكت وقالت: “افتكر نفسه ذكي وعمل الاسم ده عشان يبقى حركي.. ميعرفش إن جدتي مسجلة اسم (المنارة المضيئة) كشركة قابضة تابعة لـ (وقف عائلة ليلى هانم) من 34 سنة!”
رفعت راسي بصدمة. ونادية كملت: “يعني بمجرد ما استخدم الاسم ده وبفلوس مطاعمك وتوقيعك، الفيلا اتنقلت تلقائيًا وبقوة القانون تحت مظلة الوقف والميراث اللي أنتِ بتديريه!”
”يعني الفيلا بتاعتي؟”
”بالظبط.”
البند اللي مقراهوش
جدتي مكنتش بتثق في الوعود والكلام المعسول.. كانت بتثق في العقود.
لما شريف دخل معايا شريك بنسبة صغيرة (22%) في سلسلة المطاعم، جدتي صممت تحط بند في عقد الشراكة اسمه “بند حماية الأمانة المالية”.
البند ده بيقول: “إذا ثبت قيام أي شريك باختلاس أو تحويل أموال الشركة لصالح حسابات خارجية أو استخدام توقيع شريك آخر بدون وجه حق، يحق للشريك المتضرر فسخ الشراكة فوراً واسترداد الأسهم، بعد خصم قيمة كل الخسائر، والتعويضات، والمصاريف القانونية من قيمة أسهمه.”
نادية قعدت تحسب على الآلة الحاسبة، ولفت الشاشة ليا.. الرقم اللي مكتوب كان: 350 جنيه!
حصري روايات رولا
بصيت للرقم بذهول: “بس كده؟”
”آه.. بعد خصم الفلوس اللي سرقها للفيلا، ومصاريف أختك، والتعويض عن تعطيل فروع المطاعم، دي القيمة الفعلية الباقية لأسهمه.. شريف ضيع كل حاجة عشان فاكر إن جوازه منك هيديه حق تملك شقاكي، ميعرفش إن ليلى هانم كانت عاملة حساب اللي زيه.”
سألتها: “ننفذ البند ده إمتى؟”
”حالا لو عايزة.”
افتكرت شكلهم في المستشفى.. العقد اللي في رقبة ملك.. نظرة أمي.. وسكوت أبويا.
وقلت لنادية: “مش دلوقتي.”
نادية استغربت: “مستنية إيه؟”
فتحت الموبايل ووريتها بوست على الفيسبوك؛ شريف وملك عاملين حفلة سبوع وخطوبة ضخمة في جنينة فيلا الشيخ زايد بعد 12 يوم.. عازمين فيها كل المستثمرين، والصحفيين، ورجال الأعمال عشان شريف يعلن عن شركته الجديدة للمطاعم.
قلت لنادية: “مستنية يعزموا كل الناس اللي لازم يشوفوا حقيقتهم في وقت واحد.”
حصري روايات رولا
اللعب في الخفاء
شريف مقعدش ساكت؛ بعد مواجهة المستشفى بـ 3 أيام، بدأت تطلع أخبار وإشاعات على صفحات السوشيال ميديا بتهاجم مطاعمي.. أخبار كاذبة إن المطابخ غير صحية، وتسريبات لتقارير مالية متفبركة بتقول إني بختلس من الشركة، وشهادات من عمالة مؤقتة بتقول إني “مريضة نفسياً ومعاملتي وحشة”.
الحجز بدأ يتلغى، والمستثمرين طلبوا اجتماعات طارئة، وشريف استغل ده وعمل “إيقاف مؤقت” لإيميلي الإداري، وطلع في فيديو لابس بدلة شيك وبملامح كلها أسى مصطنع يقول: “أهم حاجة عندي حماية لقمة عيش موظفينا، واسم الكيان اللي بنيته أنا وفريدة سوا.”
أمي بعتتلي رسالة بالليل: “يا فريدة بلاش فضايح وسيبيه ينقذ الموقف.. امضي على ورق الطلاق وخلي أختك تربي ابنها في هدوء.” مسحت الرسالة وما ردتش.
كنت قاعدة أنا ونادية في شقة صغيرة فوق مخازن الشركة، بنجمع أصول تقارير الصحة، الحسابات المعتمدة، ونسخ السيرفرات اللي بتثبت إن كل الإشاعات دي طالعة من لابتوب شريف وببياناته هو. وحصّنا حسابات المطاعم بضمانات من أموال الوقف بتاع جدتي.
طول 9 أيام م نطقتش بكلمة.. وشريف افتكر السكوت ده استسلام.. وده كان غباءه الأخير.
فضيحة الشيخ زايد
حصري روايات رولا
الفيلا كان شكلها مبهر يوم الحفلة.. خيم بيضاء، إضاءة خافتة على شجر المانجو والزيتون، فرقة موسيقى كلاسيك، والويترز بيلفوا بكاسات العصائر والشمبانيا بدون كحول.
ملك كانت لابسة فستان سواريه أوف وايت وعقد جدتي في رقبتها، وشريف لابس بدلة بيضاء وبيستقبل حيتان السوق كأنه ملك المستقبل. وأمي شايلا الواد وبتلف بيه، وأبويا واقف بعيد لوحده مكسور.
أول ما دخلت أنا ونادية من البوابة، الصوت بدأ يقل تدريجياً.. كنت لابسة فستان أسود بسيط جداً وفي إيدي غويشة جدتي الدهب.
شريف شافني، ملامحه اتهزت ثانية، وبعدين جه عليا بابتسامة صفراء: “فريدة.. وجودك هنا مش مناسب.”
قلت له: “معاك حق.. مش مناسب فعلاً.”
ملك جت جاري: “أرجوكي بلاش تبوظي سبوع سليم عشان غيرتك.”
بصيت للشاشة الكبيرة اللي شريف مجهزها عشان يعرض عليها بروجكت شركته الجديدة، وقلت: “أنا محتاجة 10 دقائق بس.”
شريف شاور للأمن عشان يخرجوني، بس نادية كانت أسرع.. طلعت لمدير الأمن أمر قضائي بتمكين تفتيش وإثبات ملكية باسمي بصفتي الحارس على الوقف، وقالت له: “لو حد لمسها هتبقى قض..ية منع تنفيذ حكم قضائي.”.. الأمن انسحب فوراً.
350 جنيه
طلعت على المسرح ومسكت المايك: “مساء الخير.. منورين.. قبل ما شريف بيه يعلن عن شركته الجديدة، لازم تعرفوا الشركة دي متمولة منين.”
شغلت الشاشة.. أول صورة ظهرت كانت مقارنة بين إمضائي الحقيقي والإمضاء المزور اللي شريف استخدمه، والـ IP كود بتاع كمبيوتر البيت تحتها.
السلايد اللي بعده: كشف حساب بتحويل الملايين من حساب توسعات مطاعمي لحساب شركة “المنارة المضيئة”.
واللي بعده: تحويلات مستشفى ولادة ملك، وإيجار شقتها من حساب عمليات الخلفة الخاص بيا!
المعازيم بدأوا يتهامسوا والصدمة على وشوشهم.. ملك وشها بقا زي الأموات وزعقت: “الورق ده متزور!”
كملت بكل برود وعرضت “بند حماية الأمانة المالية” من عقد الشراكة القديم، وقفلت الشاشة الكبيرة بالسطر ده بالخط العريض:
[القيمة المستحقة لأسهم شريف Callan بعد خصم التعويضات والخسائر: 350 جنيه مصري لا غير]
القاعة اتملت همهمة وشهقات ذهول.. شريف طلع جري على المسرح: “أنتِ اتجننتي؟ مش هتقدري تاخدي شقايا!”
رديت في المايك: “عمرها ما كانت شقاك.. أنت كنت مجرد مدير مؤتمن وخنت الأمانة.”
شاور على الفيلا وقال بغل: “البيت ده باسم شركتي!”
رفعت إيدي اللي فيها الغويشة الدهب وقلت له: “الشركة دي فرع من وقف (ليلى هانم) لجدتي.. يعني بذكائك وتزويرك نقلت ملكية الفيلا دي ليا أنا بصفتي المتولي الشرعي للوقف.”
وظهرت على الشاشة شهادة الملكية الرسمية من الشهر العقاري باسمي.
شريف تيبس في مكانه، ملك ضمت البيبي ودموعها نازلة، وأمي الكاس وقع من إيدها واتكسر على النجيل.. وقالت بصوت يرعش: “فريدة.. إحنا عيلتك!”
بصيت لها وقلت: “افتكرتوا الكلمة دي متأخر أوي يا ميرفت هانم.”
العقد اللي رجع لمكانه
في نفس اللحظة، دخل اتنين باحثين من مباحث الأموال العامة مع محامين شركتي.. قربوا من شريف وطلبوا منه يرافقهم للتحقيق بتهم التزوير، واختلاس أموال شركات مساهمة، وتزييف مستندات رقمية.
محدش سقف.. السكوت اللي خيم على الجنينة كان كفيل ينهي كل حاجة.
ملك قعدت على الأرض تعيط: “هنروح فين دلوقتي؟”
بصيت للفيلا وقلت لها: “قدامكم ساعة تلموا لبسكم.. وفي شقة صغيرة مفروشة في المطرية مدفوع إيجارها شهر عشان خاطر البيبي ملوش ذنب.. أنا مبعاقبش أطفال بغلطات أهلهم.”
وهي ماشية بتجر رجليها، وقفتها وقلت: “العقد.”
حطت إيدها على رقبتها: “شريف اللي ادهولي!”
”مكانش بتاعه عشان يديهولك.”
أبويا فاروق اتدخل بصوت مكسور ومحرج: “اديها العقد يا ملك.. كفاية.”
فكت العقد وحطته في إيدي.. الماسة الصفراء كانت ساقعة بس رجعت لـ كف صاحبها.
خرجت من بوابة الفيلا الكبيرة مع نادية، والشمس كانت بتغيب على طريق الشيخ زايد.. الحفلة خلصت، والمطاعم فضلت بتاعتي، والفيلا بقت تبع الوقف، والعقد رجع في رقبتي.
بس مش ده اللي حسسني بالحرية.. الحرية الحقيقية إني مابقتش محتاجة ناس بيعتبروا طيابة قلبي نقطة ضعف.. الحرية إني بطلت أطلب من ناس خاينين يقولوا الحقيقة.. المستقبل بقا بتاعي لوحدي، ومن غيرهم.