سيب العيال حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
​”سيب العيال تنام عندكوا النهاردة حتى لو مش عايزيني.. لكنه قفل الباب في وشنا”
​الجزء الأول: اليوم اللي أهلي اختاروا فيه ييجوا عليه
​وقفت قدام باب شقة أبويا في شبرا، والشمس بتاعة شهر ٦ كانت بتحرق في ضهري، بس إيديا كانت تلج من الخوف. ورايا تلات عيال مرعوبين، وكل اللي حيلتنا في الدنيا حتتين شنط هدمة متقطعين وكياس بلاستيك.
​بنتي الكبيرة، سارة، عندها ٩ سنين، كانت ماسكة إيد الشنطة بأيديها الاتنين وعينيها بتدور في الشبابيك كأنها حاسة إننا مش مرحب بينا. مريم الصغيرة (٦ سنين) ماسكة في دبدوبها، وياسين (٤ سنين) ماسك في جليبتي وبيسألني ببراءة: “هو تيتة عندها لبن بالشوكولاتة يا ماما؟”.
​قبلها بـ ١٢ ساعة بس، اكتشفت إن جوزي، عمر، بيخونني بقاله ٨ شهور. شفت الصور والمحادثات على تليفونه وهو بيكلمها وبيقولها إن جوازنا ده مجرد سبوبة وهيفركش أول ما يظبط أموره المادية.
​الباب اتفتح، وطلع أبويا، الحاج مصطفى، وهو لابس الجلابية وعليها وش واحد جاي على كرهه:
— “خير يا ولاء؟ فيه إيه في نص النهار كده؟”
​— “يا بابا، أنا محتاجة مكان آمن يقويني أنا والعيال لحد ما نشوف المحامي هيقول إيه.. أنا سبت البيت.”
​بص للعيال، وللشنط، وبعدين بص في عيني وقال ببرود:
— “رجوعك هنا يا ولاء مش هيحل المشاكل، كدة بتعقدي الأمور أكتر.”
​اتصدمت، صدمة التعب والخيانة خلت صوتي يعلى غصب عني:
— “يا بابا ده بيخونني! وجاب واحدة بيتنا لما العيال كانوا عندكوا الشهر اللي فات!”
​أبويا اتضايق من صوتي العالي أكتر ما اتضايق من الكلام نفسه:
— “أنتِ منفعلة ع الفاضي، والست العاقلة متهدش بيتها في لحظة غضب!”
​من وراه طلع أخويا أحمد (٣٢ سنة) وهو حاطط السماعات في ودنه ولابس شورت. عايش في الأوضة الملحقة ع السطوح ببلاش بقاله ٦ سنين، معزز مكرم:
— “إيه يا جدعان الصوت ده؟ وبعدين الأوضة فوق ضيقة أوي يا ولاء، ومش ناقصة دوشة عيال طول النهار!”
​استخفافه وضحكته الساخرة وجعوني أكتر من قسوة أبويا.. كأن ذلي وفضيحتي حاجة بتسليه!
​وطلعت أختي الصغيرة شهيرة (٢٨ سنة)، لسه متجوزة بقالها سنة وطالعة فيها عاملة نفسها خبيرة أسريّة:
— “جريكِ من البيت في نص الليل ده طيش، العيال محتاجين استقرار ومش ذنبهم تدفعيهم ثمن نرفزتك!”
​مريم وقعت الدبدوب من إيدها، وطيت أجيبه عشان محدش فيهم اتكرم حتى يمد إيده.
​وفي الآخر، ظهرت أمي، الحاجة ماجدة، لافة شالها ومربعة إيديها:
— “عمر اتصل بينا امبارح وشرح لنا كل حاجة.. قال إنك قريتي كلمتين على التليفون وكبرتي الموضوع وركبتِ رأسك من غير ما تسمعيه!”
​كل حاجة وضحت في لحظة.. ودماغي دارت من القرف:
— “يعني اتصلتوا بيه واتفقتوا عليه قبل ما تعرفوا بنتكوا وعيالها بايتين فين؟!”
​أمي ردت ببرود ودفاع عن نفسها:
— “هو طلب مننا نلم الدور وما نشجعكيش على التهور، وإحنا شايفين إنك لما ترجعي بيتك ده الأصح للعيال.”
​سارة مسكت في إيدي وجسمها بيتشف. بصيت لأبويا وقلت بكسرة وصوت مخنوق.. رجاء أخيل من أم غلبانة:
— “عشان خاطر ربنا.. سيب العيال تنام عندكوا النهاردة، حتى لو مش عايزيني أنا جوة البيت.”
​أبويا بص لأمي، وبعدين مسك الباب وبدأ يقفله بالهداوة:
— “معلش يا ولاء.. روحي بيتك وحلي مشاكلك مع جوزك، إحنا مابندخلش بين الراجل ومراته.”
​الباب اتقفل في وشنا.. وياسين لسه بيسأل على اللبن بالشوكولاتة.
​من ورا الباب الخشب، سمعت أحمد بيحدف كلمة تضحك شهيرة، وأمي بتقولهم: “هي ساعتين وتهدى وترجع لبيت جوزها”.
​سارة بصت لي بعيون أعمق من سنها، وسألتني السؤال اللي مفيش طفل المفروض يسأله:
— “هنروح فين دلوقتي يا ماما؟”
​رفعت الشنط الكياس، وضهرك اتفرد، ومسحت دموعي وقلتلها أول وعد في حياتنا الجديدة:
— “هنروح مكان مابيقفلش بابه في وشنا أبداً يا سارة.. مسيرها تروق وهتشوفوا.”
​ليلة في لوكاندة أجرها على قد الجيب
​أخدت العيال ونزلنا على لوكاندة شعبية قديمة جنب الموقف. المكان كان ريحته ديتول معتق وموكيت قديم، بس الباب كان بيكرّب بالمفتاح، والملايات كانت نظيفة، ومحدش كان بيملي عليا أعمل إيه.
​مريم افتكرت إننا طالعين رحلة، وياسين ينط على السرير لحد ما التعب غلبه ونام. بس سارة راحت وقفت جنب الباب، شيكت على الترباس مرتين، وقعدت جنب الشباك:
— “هو تيتة وطنت مش عايزين نبيت عندهم عشان إحنا شقايا يا ماما؟”
​قعدت جنبها وما رضيتش أخدعها بكدبة مريحة:
— “لأ يا سارة، هما أخدوا قرار يوجع عشان كانوا فاكرين إنهم بكده هيجبروني أعمل اللي هما عايزينه، بس إنتوا مالكوش أي ذنب.”
​— “طب هو أنتِ السبب عشان سبتي بابا؟”
​السؤال نزل على قلبي زي الس\كين:
— “أنا مشيت عشان لو فضلت مع حد بيكدب عليا وبيستغفلني، هتعلموا إن الحب معناه إنكم تقبلوا الإهانة.. وأنا مش هسمح بكده.”
​سارة سكتت شوية، وبعدين حطت راسها على كتفي:
— “طب وهنعمل إيه بكرة؟”
​— “بكرة هنسيب بكرة للظروف، محدش بيعرف يبني حياة كاملة في ليلة واحدة خايفة.”
(والجملة دي بقت أول قانون في بيتنا الجديد).
​تاني يوم الصبح، أخدت العيال وطلعت على مكاتب المساعدة القانونية والتضامن. ورا المكاتب كان فيه مكنة بيع شيبسي وبسكوت، حطيت فيها آخر جنيهين حيلتي، فالمكنة علّقت وما نزلتيش البسكوتة اللي ياسين كان عايزها. وقفت متنحة للزجاج المخدوش والدموع اتجمعت في عيني.. الخيانة وطردة أهلي ما كسرونيش، بس بسكوتة محشورة في مكنة كانت هتهدني!
​ست كانت واقفة ورايا حطت إيدها على كتفي وطلعت بسكوتة ثانية من شنطتها وإدتها لياسين:
— “المكن دي بتستغل الناس الغلبانة عشان عارفة إن محدش عنده وقت يفاصل مع حديد.”
​الست دي كان اسمها مدام هدى، شغال سكرتيرة عند محامية تعويضات وأحوال شخصية في الدور اللي فوق. لما عرفت إن معايا ٣ عيال وقاعدين في لوكاندة، كتبت لي رقم المحامية على ضهر كارت: الأستاذة ثريا.
​ساعتها قابيلت الأستاذة ثريا.. ست صارمة بحدود واضحة وصوت جاد:
— “إحنا محتاجين قرار تمكين، ونفقة زوجية، ونفقة صغار، وحظر تصرف في أموال الزوج.”
​حكيت لها عن اللوكاندة ورأي أهلي وكلام عمر إني سبت البيت بمزاجي. بصت لي وقالتلي بوضوح:
— “أوعي تعتمدي على وعوده، وأوعي تفتكري إن النخوة أو العيب هيخلوا أهلك يتراجعوا عن اللي عملوه.”
​عملت لي نظام تقسيط للمصاريف، وقدمت لي أوائل العرائض القضائية قبل ما الشمس تغيب.
​ومن الشارع، اتصلت بمديرة القسيمة والمستندات في المستشفى الحكومي اللي كنت شغال فيها دوام جزئي، الحاجة سامية.
— “أنا محتاجة أزود ساعات شغلي، ومستعدة لأي شفت نازل.”
​سكتت شوية، وقلبي كان هيقف من الخوف إنها ترفض:
— “تعالي بكرة الساعة ٧ الصبح يا ولاء، فيه درجة وظيفية كاملة لتنظيم الأرشيف اتفتحت ومحتاجين حد أمين.”
​— “هكون عندك قبل ما نور الصالة يتفتح.”
​ردت بصوت أهدى:
— “المهم تكوني قد الحمل، عشان الاستقرار اللي بيتبني على الهدد والتعب بس.. ببيقع بسرعة.”
​بناء بكرة بالورق والقانون
​على مدار ٦ أسابيع، حياتنا بقت عبارة عن ساقية مابتقفش: توصيل مدرسة، حضانة ياسين، أرشيف المستشفى، شفتات بليل، أكل في اللوكاندة، ومواعيد محامين. كنت بأكل العيال على طقطوقة صغيرة، وأسخن الأكل في ميكروويف اللوكاندة اللي كانت ريحته فريسكا قديمة.
​عمر بدأ يبعت لي رسايل حنينة في الأول:
— “بلاش تعملي شو وتفضحينا قدام الناس، ارجعي بيتك بلاش تشتتي العيال.”
​ولما ثريا طلبت النفقة التمكينية، الحنية تحولت لاتهامات وشتيمة:
— “المحامية لعبت في دماغك وخلتك تبيعيني وتجري على القرش!”
​الأستاذة ثريا كانت بتقرا الرسايل وتضحك:
— “سيبيه يبعت.. هو بيكتب إدانته بإيده أسرع مما إحنا نعمل!”
​في الجلسة المبدئية، عمر جه لابس بدلة شيك ووش الأب المظلوم، ومحاميه قال إن ولاء أخدت العيال وربت بيهم من غير ما تدي فرصة لحل المشاكل.
​ثريا طلعت إيصالات اللوكاندة، كشوفات المستشفى، رسايل عمر اللي بيقول فيها إنه مسافر وممش فاضي ياخد العيال، وطلعت برينت بحساباته اللي سحب منها فلوس عشان يربك الموقف.
​خلال ١٠ سنين جواز، تعبي كان مخفي ومحدش حاسس بيه.. الطبيخ، والتربية، والغسيل، والدكاترة.. لكن في المحكمة دي، كل ورقة وإيصال خلوا تعبي يتقري بالقرش والمليم.
​القاضي حكم لي بتمكين مؤقت، ونفقة صغار، وأمر بحظر سحب أي فلوس من الحسابات المشتركة.
​بعدها بأسابيع، مضيت عقد إيجار شقة صغيرة أوضتين في منطقة شعبية جنب مدرسة العيال (في المطرية). المطبخ كان فيه درفة معصلجة، والحمام بلاطه أصفر قديم، وشباك الصالة كان باصص على ظهر عمارة.. بس لما فتحت الباب، مريم جرت في الصالة وهي بتصرخ من الفرحة، وياسين قعد يتنطط على السيراميك، وسارة مشيت إيدها على الحيطان ببطء:
— “يعني محدش هييجي يطردنا من هنا يا ماما؟”
​وطيت عندها وحضنتها:
— “العقد ده باسمي أنا يا سارة.. ومحدش في الدنيا يقدر يخرجنا منه عشان طبق ما اتغسلش أو عشان بقينالهم تقال.”
​أكلنا كشري في أطباق فوم يومها، لأن عفشنا كان عبارة عن مرتبة كابوتونيه على الأرض، وأربع كراسي بلاستيك سلف. وسارة لزقت رسمة رسمتها بالب his فيها شمس كبيرة وعيلتنا تحتها جنب كبس النور.
​لما أمي اتصلت أخيرًا، سبت التليفون يرن لحد ما فصل، وبعدها بعتت لي رسالة:
«عرفنا إنك أأجرتِ شقة.. كويسة إن عقلتِ ورجعتِ لرشدك.»
​ولا اعتذرت عن اللوكاندة، ولا سألت العيال بياكلوا إيه، ولا اعترفت إنها رمتنا. رسالتها كانت معتبرة إن نجاتنا دي دليل إن طردتها لينا كانت صح!
​قفلت الإشعارات بتاعة أهلي كلهم من غير ما أعمل بلوك.. زي ما ثريا نصحتني: بلاش خناقات وأنا لسه بقفل القضايا، بس المسافة مش محتاجة استئذان.
​الجزء الثاني: الأيام اللي كبرتنا
​الشقة بدأت تتظبط واحدة واحدة، بس العيال كانوا بيستوعبوا التغيير بطرق مختلفة. مريم صادقت عيال الشارع كله، وياسين كان بيصحى من الكوابيس يجرى ينام في حضني قبل الفجر. أما سارة فبقت شاطرة بزيادة عن سنها.. تغسل المواعين، تلف السندوتشات، وتراجع على كوالين الباب كل يوم بالليل.
​في ليلة لقيتا بتتغسل الكبابي البلاستيك بتركيز مرعب، مسكت إيدها بشويش:
— “أنتِ مش مسؤولة عن الشقة دي يا سارة.. أنتِ لسه بنت عندك ٩ سنين.”
​ردت وهي عينها في الأرض:
— “عشان لو ساعدتك أوي، مش هنحتاج نمشي من هنا تاني.”
​أخدت الكباية من إيدها وحضنتها جامد:
— “المواعين المش نظيفة مش هتشردنا، وتعبي مش ذنبك أنتِ تحمليه.”
​عيطت في صدري لحد ما جسمها هدي.
​ومع الوقت، بقت ليالي الجمعة هي ليلة “الفطاير والبتزا”. نقعد كلنا على ملاية في الصالة، ونضحك وننسى إننا كنا في الشارع من كام شهر.
​في الوقت ده، عمر كان بيطالب برؤية مناصفة، وهو أساساً بيفوت مواعيد المكالمات وبيجي متأخر عن أوقات التسليم. الخبيرة الاجتماعية زارت البيت وسألت مين بيتابع المذاكرة والدكاترة والتمارين؟
​إجابتي كانت واحدة: “أنا اللي بشيل كل حاجة من يوم ما اتولدوا.”
​عمر حاول يبان الأب المهتم، بس لما الخبيرة سألته عن اسم مدرسة ياسين معرفش، ولما سألته عن مقاس جزمة مريم هبد، وماكنش يعرف إن سارة عندها حساسية من المكسرات!
​الحكم النهائي صدر بعد ٨ شهور من يوم ما أبويا قفل الباب في وشي. ساعتها كنت اشتريت سرير حقيقي، وطقطوقة سفرة قديمة، وكان معايا ألفين جنيه حصالة في البنك.
​القاضي حكم لي بحضانة كاملة، ونفقة متأخرة ٨ شهور، ورؤية أسبوعية لعمر.
​عمر جرى ورايا على سلم المحكمة وتحت المطر:
— “أنتِ تعمدتي تطلعي شكلي وحش قدام القاضي والناس!”
​رديت وأنا ضامة الورق لصدري:
— “أنا متلعّبتش بشرك يا عمر.. أنا بس بطلت أداري الورق اللي بيفضحك.”
​وسبته ومشيت ومردش بكلمة.
​الحياة اللي كانوا مستنيينها تتهد
​بعد ٩ شهور من ليلة اللوكاندة، الحاجة سامية ندتني مكتبها:
— “قسم المراجعة والتفتيش محتاج مشرف أرشيف جديد، وأنا رشحتك.”
​بصيت للمرتب والمميزات وماكنتش مصدقة:
— “أنا لسه بقالي سنة واحدة بس في الأرشيف يا حاجة!”
​— “أنتِ الموظفة اللي طلعتِ ٣٧ خطأ في الفهارس القديمة، وظبطتِ مراجعة السجلات من غير ما تحرجي حد.. أنتِ تستاهليها.”
​سارة قعدت تدربني على أسئلة الإنترفيو، ومريم عملت لي تاج من الورق كاتبين عليه “بطلة المستشفى”، وياسين سألني لو الترقية دي جابت فلوس كفاية نجيب بيها أباجورة على شكل سمكة.
​أخدت الترقية، وأول حاجة اشتريتها ماكانتش الأباجورة.. اشتريت ٤ أطباق صيني تقال ونظاف، عشان نحس بالاستقرار.
​بعدها بفي سنة، نقلنا شقة ٣ أوض في نفس المنطقة، بقى لكل طفل أوضته، والمطبخ أدواته كاملة.
​وهنا.. بدأ الأقارب اللي اختفوا يظهروا تاني!
​أختي شهيرة جات لي المستشفى ومعاها كوبايتين قهوة ووش كله رغبة في الصلح:
— “ماما قالت لي على مكان شغلك.. يا ولاء إحنا أسر، وسنة كاملة زعل كتير أوي بين الأوات!”
​سيبت القهوة على الترابيزة وما مدتش إيدي:
— “أنتِ جاية تعتذري عشان النتيجة بقت شكلها بايخ قدام الناس، بس عمرك ما اعترفتِ إنك شاركتِ في رمينا في الشارع.”
​عينها اتملت دموع:
— “أنا كنت خايفة على العيال وفاكرة إن رجوعك لبيتك هو الأمان!”
​— “أنتِ شفتِ العيال واقفين في الساقعة على الباب، وسميتِ أمهم طايشة!”
​— “طب نتكلم في مكان مقفول.. الناس تتفرج علينا!”
​— “القسوة مابتطلعش شيك لمجرد إنك بتوطي صوتك وأنتِ بتعمليها يا شهيرة.”
​وسبتها ومشيت.
​أمي بعتت لي رسالة بالليل تتهمني بإني قاسية وكسرت قلب أختي.. رديت عليها لأول مرة من شهور:
«اللي تسميه قسوة، أنا أسميه حماية لنفسي وعيالي بحدود صلبة.»
​أول عيد من غير إذن حد
​في العيد، أهلي حاولوا يلموا الشمل عشان الشكل العام قدام القرايب. أبويا اتصل يعزمني على الغدا من غير ما يفتح القديم، وأمي قالت إن العيد للصلح.
​سارة سمعت المكالمة وسألتني بخوف: “هو إحنا هنروح نقف على الباب تاني؟”
​حضنتها وقلت لها: “عمرك ما هتقفي قدام الباب ده تاني يا سارة.. محدش بياخد فرصة ثانية يرمينا فيها.”
​عملنا كعك في البيت، وزينا الشقة بنور بسيط، وفي ليلة العيد أكلنا بيتزا على الأرض في الصالة.. الطقوس اللي اتولدت في الوجع بقت هي أقدس حاجة عندنا.
​أمي وأبويا وشهيرة اتصلوا كتير.. سبت التليفون يرن. أحمد ما اتصلش كالعادة.
​في الربيع، علاقتي بعمر بقت رسمية جداً ومقتصرة على المواعيد والعيال. وفي يوم وأنا بشتري رفوف للكتب من محل أثاث، قابلت الأستاذ طارق، مدرس تاريخ مطلق، كان بيحاول يشيل صندوق تقيل وممش عارف:
— “عدّل الصندوق بالعرض الأول قبل ما الجاذبية تفضحك قدام المحل!”
​بص لي وضحك بإحراج:
— “أنا كنت هكتشف الحل ده بعد ما أجرب كل الطرق الغلط الأول!”
​نشأت بيننا معارفة بسيطة، ولما طلب رقمي، قلت له بصراحة:
— “أنا بانتشل حياتي مع تلات عيال، وحدودي صلبة ومفيش مكان للدوشة واللعب.”
​طارق هز راسه بفهم:
— “البنا اللي بيبدأ بعد تهديد.. بياخد وقت، بس بيطلع أمتن.”
​طارق ما جاش ينقذني، ولا حل لي مشاكلي، ولا جاب لي الشقة.. هو جه بعد ما الكوبري الصعب اتعدى خلاص، جه كرفيق مش كمنقذ.
​الجزء الثالث: المعرض اللي محدش اتعزم فيه
​في شهر مايو، مدرسة سارة عملت معرض لأبحاث الطلبة. سارة اختارت موضوع “المكابرة والبناء بعد الصدمات”، وكتبت جملة في آخر اللوحة بإيدها:
​”الناس القوية مابتستناش حد ينقذها.. هما بيتعلموا إزاي ياخدوا الخطوة الجاية بنفسهم.”
​كنت بقرأ الجملة دي والدموع في عيني، فجأة ضحكة سارة اختفت.. بصلت ورايا لقيت أبويا، وأمي، وشهيرة، وأحمد واقفين في صالة المدرسة!
​سارة استخبت ورايا فوراً.
​قربت منهم قبل ما يوصلوا لترابيزتها:
— “إنتوا محدش عزمهنا.. إيه اللي جابكوا هنا؟”
​أبويا واطى صوته لما شاف الناس بتبص:
— “أُمك شافت الإعلان على صفحة المدرسة، المعرض مفتوح للعامة يا ولاء.”
​أحمد لوى بوزه بنبرة الاستخفاف إياها:
— “ما خلاص بقى، محسسانا إننا عصابة!”
​— “إنتوا مش عصابة، بس إنتوا ناس غير مرحب بيها هنا عشان خضيتوا عيالي زمان.”
​أمي عينيها اتملت دموع:
— “غلطنا يا ولاء.. بس الأسر مابتهدمش عشان لحظة سوء فهم!”
​— “ده ماكانش سوء فهم.. إنتوا اتفقتوا مع جوزي عليا ورميتوني عشان ماليش ملجأ غيره!”
​شهيرة بدأت تعيط، وأبويا اتكلم بنبرة السلطة القديمة:
— “الفضايح دي مالهاش لازمة، ولازم تتصرفي بعقل!”
​— “العقل بقى مهم لما الغرباء بقوا سامعين؟ بس ماكانش مهم لما تلات عيال كانوا محتاجين مأوى؟!”
​أمي حطت إيدها على بقها وقالت السر اللي داروه سنة كاملة:
— “كنا فاكرين إنك لما تلاقي الشارع، هتهدي وترجعي لجوزك!”
​— “يعني رميتوا أحفادكوا في الشارع بقصد عشان تكسروني؟”
​— “مافتكرناش إنك هتبيتي في لوكاندة وتكملي!”
​طارق قرب وقوف جنبي بهدوء من غير ما يتدخل. ولما مدرسة جت تسأل لو فيه مشكلة، قلت لها:
— “الضيوف دول ماشيين حالاً، عشان بنتي تستاهل تعرض شغلها من غير ما تشوف اللي تخلوا عنها.”
​أبويا لف ومشي، وشهيرة وراه بتبكي، وأمي تنادي على سارة اللي أدتهم ضهرها، وأحمد مشي وهو ببرطم إنني بقيت حد يطاق!
​سارة سألتني بعد ما مشيوا: “هو أنا لازم أسامحهم عشان قالوا آسفين؟”
​— “الأسف مش مفتاح بياخده اللي كسر الباب عشان يدخل بيه تاني.. التسامح بيجي لما تحسي بالأمان، ومش فرض عليكِ تفتحي الباب.”
​الاعتذار اللي اعترف بالوجع
​بعد سنة ونص من ليلة الشارع، كنت واقفة في قاعة المستشفى بألقي كلمة في ورشة عمل بصفتي “مشرفة مراجعة الأرشيف والمستندات”. طارق كان قاعد مع العيال، بيساعد ياسين يربط كوتشيه ومريم بتوشوشه.
​بعد ما خلصت، لقيت أبويا وأمي واقفين ورا. جايين لوحدهم، ومستنيين لما الناس مشيت.
​أبويا قرب وهو شكله أصغر ومكسور:
— “كلامك وتعبك يثبت إنك بقيتِ حاجة كبيرة.. إحنا فخورين بيكِ يا ولاء.”
​— “شكراً.. بس الفخر مابيمحيش اللي حصل.”
​أمي مسكت شنطتها بتوتر:
— “إحنا آسفين يا ولاء.. آسفين إننا قفلنا الباب، وآسفين إننا سمعنا كلام عمر، وآسفين إننا خلينا العيال يحسوا إنهم اترفضوا.”
​المرة دي الكلام ماكانش فيه حجج.
​أبويا بص في الأرض:
— “كان المفروض أفتح الباب وأشيل عيال بنتي في عيني.. بدل ما أدور على راحتي.”
​— “فعلاً يا بابا.. كان المفروض تعمل كده.”
​أمي سألت بصوت مخنوق: “ينفع نبدأ من جديد؟”
​— “مفيش حاجة اسمها نبدأ من جديد.. لأن ده معناه إننا نمحي ليلة الباب الخشب، وده مش هيحصل.”
​دموعها نزلت، فكملت بجميع هدوء:
— “ممكن نبدأ من النقطة دي.. بزيارات قليلة، بحدود صارمة، وراحة العيال هي أهم حاجة. أحمد مش هيقرب من العيال لحد ما يعتذر عن ضحكته، وشهيرة تفهم إن الصلح مش بجدول زمني.”
​أبويا هز راسه: “اللي تقوليه هنمشي عليه.”
​أمي سألتني بكسرة: “لسه شايفانا عيلتك؟”
​بصيت على سارة ومريم وياسين وطارق..
— “أنا مش بكرهكم.. بس أنا بطلت أعتمد عليكوا عشان أحس بالأمان.”
​الكلام وجعهم، بس محدش قدر ينكر.
​بالليل، قعدنا ناكل بيتزا في الصالة على الأرض، طارق كان بيغسل الأطباق معنا، وسارة بتقرأ كتاب، وياسين بيلعب.
​بعد ما العيال ناموا، وقفت قدام أكرة الباب. افتكرت البنت اللي كانت شايلة شنط بلاستيك ومقهورة قدام باب أبويا مستنية رحمة محدش إدتاهلها.
​لو أقدر أرجع للوقت ده، هحس على إيدها وأقولها: «قَفْلة الباب دي مش نهايتك.. دي البداية لبيت محدش هيقدر يطردك منه أبداً.»
​أبويا فضل في شقته، وأحمد في السطوح، وعمر في أوهامه.. وأنا أخدت عيالي، وبنيت مستقبلي، وكسبت احترامي، وعرفت إن السلام محتاج حدود أقوى من الغضب.
​هما افتكروا إن القفلة هترجعني مكسورة.. بس الصوت ده هو اللي خلاني أبني بيت أدفي، وأقوى، ومتاع بملكي أنا بس.
​ولما رجعوا يطلبوا مكاناً في حياتي.. ماكنتش واقفة برا مستنية إذن حد.
​أنا اللي كنت ماسكة المفاتيح.. وأنا اللي قررت الباب يتفتح قد إيه.
​النهاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *