حبيبة جوزي الاولي
## الفصل الأول: القطيعة
الصبح اللي وصلت فيه “شيري” — حظيرة الطفولة وحب يوسف القديم — راجعة من أوروبا، قرر يوسف يعمل من رفضي استعراض شو قدام الشركة كلها.
الساعة كانت عشرة الصبح بالضبط أثناء اجتماع الاستراتيجية الأسبوعي في شركة “نوفاتيك للحلول الذكية”. البروجيكتور كان لسة شغال، معروض عليه على السبورة البيضا خطة التوزيع المبرد للمرحلة التانية — الخطة اللي أنا نزفت عليها دم وعرقت فيها على مدار تلات شهور بدون نوم. **يوسف** كان واقف على رأس سفرة الاجتماعات الماهوجني الكبيرة، وسابب صباعه على كارت التعريف (ID) بتاعي وبيضغط عليه بقوة. صوته ما كانش عالي، بس نبرته كانت هادية وسمية وتقطع:
— **«سمر.. من اللحظة دي، أنتِ متنازلة عن إدارة المشروع الأساسي.»**
نقلت نظرتي للست اللي كانت واقفة جنبه. **شيري** كانت لابسة طقم كلاسيك أوف وايت أنيق جدًا، وماسكة في إيدها الفايل الأزرق بتاع المشروع اللي أنا لسة مخلصاه بإيدي من 12 ساعة بس. ضوافرها المتركبة المتلونة كذا لون كانت بتخبط بإيقاع على حرف الفايل. بصتلي بابتسامة متصنعة وفيها شفقة ميتة، وعاملة نفسها كأنها دخلت قاعة الاجتماعات بالغلط.
— **«يعني إيه متنازلة؟»** سألته بصوت هادي بشكل يرعب.
يوسف رفض ييجي في عيني. بَصّ للزجاج الفاميه اللي ورائيا وقال: **«الشركة محتاجة واجهة أحدث.. فكر دولي. شيري لسة راجعة من لندن، وهي أجدر وأجهز إنها تقود المبادرة دي.»**
عيني نزلت للكارت اللي تحت صباعه. كان فيه تجريح فضي قديم في ضهر البلاستيكة الرخيصة دي. من تلات سنين، لما أجرنا المقر الضيق ده في أول أيامنا، يوسف اعترفلي إن السيولة ضايعة خالص، حتى طابعة الكروت كنا جايبينها مستعملة ومتهالكة. سهرت وقتها 36 ساعة متواصلة معاه أصلح في حبر الطابعة البايظ. ولما قدمتله كوباية القهوة، إيدي اتزحلقت وخربشت الكارت ده. يومها شبك صوابعه في صوابعي ووعدني إن أول ما شركة “نوفاتيك” تطرح أسهمها في البورصة، اسمي هيكون مكتوب في صدارة أوراق التأسيس.
الأسهم عمرها ما اتكتبت باسمي. وبدلاً من كده، كارتي بقى بيتسحب مني ويتسلط ضدها.
**طارق**، مدير المشاريع بتاعنا، عقد حواجبه والسكوت في القاعة بقى يخنق: **«يا يوسف، سمر هي الوحيدة الجاهزة لاختبارات القبول لمعاينة شبكة الصعيد بكرة. إنك تغير القائد في نص السكة ده انتحار للشركة!»**
فك يوسف اتشنج، وصوته نزل لدرجة التجمد: **«انفعالية سمر وعواطفها بتخليها غير مناسبة لمنصب قيادي حساس زي ده.»**
شيري دخلت في الخَط بسرعة بصوتها الناعم المتصنع: **«أوه يا يوسف، بلاش تبقى قاسي أوي كده معليش،»** حطت إيدها على دراعه وتابعت: **«يمكن سمر متضايقة بس من دخولي في الهيكل الإداري. لازم نكون صبورين مع الموظفين القدامى.»** أكدت على كلمة “القدامى” برذالة، مع إن الفرق بين ميلادي وميلادها ما كملش 8 أسابيع.
يوسف مسك في القشة اللي رمتها له: **«سمعتيها يا سمر. شيري بتحاول تتأقلم تاني على العيشة في مصر ومحتاجة مساحة. أنا بقترح تقدمي استقالتك، وتعملي تسليم وتسلم نضيف، والموارد البشرية (HR) هينزلولك مكافأة نهاية خدمة محترمة.»**
ابتسامة باهتة مرت على شفايفي. *أستقيل!*
زق فايل أصفر على السفرة الرخام، وبيطلب مني أوقع عليه من غير ما أعمل شوشرة. العنوان العريض بالأسود فوق كان بيحرق عيني: **«إخطار بفصل تعسفي»**. المخالفات المكتوبة كانت تضحك: *عصيان أوامر، رفض التكيف مع التغييرات الإدارية، وإثارة البلبلة بين الفريق.*
طراف صوابعي مشيت على طرف الورقة الحامي. ما نزلتش دمعة واحدة. ما عليتش صوتي. حوالين السفرة، زمايلي فجأة بقوا شايفين جزمهم أشكالها مغرية جدًا ومقضينها بصبصة في الأرض، والتانيين نازلين كتب ورغي فارغ على اللابتوبات.
شيري قربت مني ووطت صوتها بمسرحية: **«هو بيعمل اللي في مصلحة مجلس الإدارة يا سمر.. يا ريت ما تاخديش الموضوع بشكل شخصي.»**
— **«ما تبوظيش اليوم على شيري في أول يوم ليها!»** يوسف زعق، حمايته ليها كانت واضحة.
كانت لحظة تنوير مرعبة: وفي نفس اللحظة اللي شغلي ومستقبلي بيتدبحوا فيها قدام الكل، الشخص الوحيد اللي كان خايف على مشاعره ومدايقها هو شيري!
طلعت الموبايل، دوست على الشاشة عشان أحفظ تسجيل الصوت اللي شغال للاجتماع، رفعتها على السيرفر المشفر بتاعي في السحابة السحرية. بالراحة، فكيت السلسلة اللي فيها كارت الشركة ورميتها جنب الورقة المزوّرة بتاعته.
— **«أنا مش هوقع على الورق ده.»**
وش يوسف اسودّ بقى زي الغيم.
مديت إيدي عبر السفرة، وسحبت الفايل الأزرق بتاع المشروع بالراحة من تحت إيد شيري الناعمة. فتحت الغلاف الخلفي، وطلعت ورقة واحدة متصورة — تفويض قانوني بالنشر والترخيص — وحطيتها في شنطتي الجلد.
— **«لو عاوز توزع المناصب على كيفك، فده شأنك يا يوسف،»** زقيت الكرسي لورا ووقفت: **«بس في أصول وحاجات مش هتسلمها كده بسهولة لمجرد إنك اتأمرت!»**
يوسف ضحك ضحكة سخيفة وفارغة: **«ما تعيشيش الدور يا سمر، الشركة دي بتاعتي أنا، والمكان كله باسمي!»**
لأول مرة من خمس سنين – خمس سنين كنت بداري فيها على نرجسيته وبحافظ على منظره – بصيت في عينه ببرود تام.
— **«أنصحك ترجع للدفاتر القديمة يا يوسف.. رخصة التشغيل التجارية والمحرك الأساسي للبرنامج اللي شغال بيه شركتك كله.. ماليًا وقانونيًا متسجل باسمي أنا.»**
الأكسجين اتسحب من الأوضة فجأة. وش يوسف اتقلب وجاله ذهول ورعب مكتوم قبل ما يغطيه بقناع من الغضب المكتوم: **«أنتِ بتهددي الشركة يا سمر؟»**
ما ردتش عليه كلمة واحدة. حطيت الموبايل في شنطتي، لفيت ضهري، ومشيت. وأنا جوة الأسانسير والأبواب بتقفل، بتفصلني عن الحياة اللي بنيتها، سمعت صوت شيري المفزوع يتردد في الطابق: **«يوسف! هي بجد تقدر توقف المشروع وتخرب الدنيا؟!»**
بعد تلات ساعات بالضبط، الساعة اتنين الضهر، كنت قاعدة في السويت الشيك بتاع المقابلات في شركة **”جينيسيس تيك”** — أكبر غريم ومنافس لشركة يوسف في السوق، ومقرهم في القرية الذكية.
مدير الموارد البشرية كان لسة ممرر الفايل بتاعي للسي إي أو (CEO) بتاعهم، **آدم الشافعي**.
آدم شخصية هادية، نظراته حادة وذكية جدًا. فتح الصفحة الأولى، سكت لحظة، وبعدين بدأ يقلب في تاريخ المشاريع اللي عملتها بإمعان شديد، وحواجبه اتعقدت. وبدون أي مقدمات ولا كلمة معايا، مسك موبايله وطلب رقم:
صوته كان هادي بس كان فيه صدمة واضحة: **«يا حاج؟ الغي جوازة الصالونات والقعدة بتاعة آخر الأسبوع دي خالص..»**
برشت بعيني ومش مصدقة، افتكرت دماغي أهوست من كتر الضغط العصبي!
آدم ما شالش عينه من على السيرة الذاتية بتاعتي، وقال بنبرة واثقة ومسموعة جدًا:
— **«أنا لسة لاقي عروسي المكتوبة دلوقتي حالا.»**
القلم الفرنساوي الغالي اتزحلق من إيد مدير الـ HR ووقع بشرارة ورنّة عالية على الترابيزة الإزاز. وأنا كنت قاعدة هناك، مشلولة تماماً، وأنا حاسة إن أرض الواقع بتتفتح تحت رجلي.
## الفصل الثاني: الخروج
آدم قفل المكالمة، والسكوت في الأوضة بقى تقيل زي الأسمنت المبلول. حمرة خفيفة ظهرت على رقبته كأنه بيستوعب الجنان اللي لسة طالع من بقه. حط الموبايل مقلوب على وش الترابيزة، ظبط أكمام قميصه، وتنحنح.
— **«أنا بتأسفلك جداً،»** آدم قال، وقناعه العملي رجع في ثانية: **«الجملة دي ما كانش ينفع تتقال إطلاقاً في سياق شغل رسمي.»**
ظهري فضل مشدود: **«هو نظام المقابلات في جينيسيس بيبدأ بالاستفسار عن الحالة الاجتماعية للمتقدمين؟»**
مدير الـ HR أخد نفس مشحون بالخوف. بس آدم ما اتهزش؛ بل بالعكس، ابتسامة حقيقية وهادية ظهرت على وشّه. ما كانتش ابتسامة غرور من مدير تنفيذي، بل راحة راجل لسة فاكك شفرة بقالها تلات سنين.
— **«لا،»** آدم رد بصوت واطي: **«بس والدي بقى له تلات سنين بيدور عليكِ.»**
مسكت شنطتي الجلد بقوة لحد ما صوابعي ابيضت. لف السيرة الذاتية ناحيتي، وضغط بصباعه على سطر مدفون تحت خالص: *نظام التعافي من الكوارث لمخازن الميناء البري — شفرة التصحيح للمحرك الأساسي المكتوبة باسم المطور الوهمي X47.*
— **«ده كان أنتِ،»** آدم قالها بثقة، ما كانش سؤال.
ترددت. من تلات سنين، نوفاتيك ما كانتش حتى شركة مسجلة. يوسف كان أخد عقد فريلانس كبير وأكل بيه مقلمة وما كانش عارف يتصرف. أطنان من الأدوية المبردة في مخازن الترانزيت كانت على وشك التلف بسبب الكود البايظ بتاعه. وهو في أشد لحظات يأسه، طلب مني أتدخل. قضيت 48 ساعة متواصلة أكتب كود عبقري، ووقعت باسم **X47** عشان يوسف ما يتحرجش قدام العميل. هو أخد الفلوس الضخمة من الكود ده وأسس بيها شركة “نوفاتيك”. وأنا بقيت ضله الخفي، حبيبته، والروح اللي شغال بيها كيانه.
— **«والدي،»** آدم كمل وهو بيبص في وشي بتركيز: **«كان هو المسؤول التنفيذي عن أزمة المخازن دي. وبقال السنين دي كلها بيحاول يوصل للي كتب الشفرة دي عشان يشكره بنفسه.»**
صوتي كان طالع فاضي من أي نبرة: **«وماية يفرق إيه دلوقتي؟ أهو وصلتولي.»**
— **«كان عاوز يعتذر كمان،»** آدم كمل بهدوء: **«لأنه ما كانش يعرف الحقيقة وقتها، وخطاب الشكر والتكريم الرسمي للشركة اتكتب باسم يوسف.»**
بصيت على الورق اللي على الترابيزة الإزاز. مع الفجر، حبيبي استخدم ورقة فصل مزوّرة عشان يمسح وجودي. وعلى الضهر، راجل غريب بيثبت تاريخي الشغلي بناءً على نفس التاريخ ده. ما حسيتش بنصر؛ حسيت بوجع وعبثية. لما الست بيتم إخفاؤها لخمس سنين، أول غريزة عندها مش بتكون إنها تثبت قوتها، بل بس تثبت إنها لسة موجودة ولها مكان في الكون.
آدم ما عرضش عليا الشغل على طبق من دهب، وده الشئ اللي حماني من أني أشك فيه. بالعكس، فتح عليا كتيبة الاختبارات. وعلى مدار الساعتين اللي بعدهم، المدير التقني، والمستشار القانوني، ومدير المشروع استلموني. أسئلتهم كانت تشريح جراحي، أشد بكتير من أي مراجعة كود عملتها في نوفاتيك.
*هل معاكِ تخلي ملكية فكرية نضيف من يوسف؟ تعيينك في جينيسيس هيخرق بند عدم المنافسة؟ تقدرِ تثبتي سلسلة التفويضات؟*
كل سؤال كان مشرط، بس القطع كان بدقة. طلعت الورقة المتصورة اللي أنقذتها من فايل شيري المشفوط. شرحت إزاي محرك “نوفاتيك” كان أصله مشروعي في الكلية. وإني أعطيت يوسف ترخيص تجاري داخلي لمدة تلات سنين عشان يبدأ بيه. الترخيص ده بيمنع إعادة بيعه، أو نقله لأطراف خارجية، أو تضمين أصوله في البورصة.
— **«الترخيص ده ينتهي بعد 28 يوم،»** المستشار القانوني لجينيسيس قال وهو بيظبط نظارته: **«هل نوفاتيك دفعت الأرباح المستحقة؟»**
— **«عشرة آلاف جنيه عن السنة الأولى،»** رديت بدون مشاعر: **«وفي السنة التانية والتالتة، يوسف ادّعى إن فيه أزمة سيولة وطلب مني أأجل أرباحي.»**
المدير التقني بصلي بنظرة أقرب للشفقة. آدم اتدخل في الآخر: **«جينيسيس حالياً في حرب شرسة مع نوفاتيك على مناقصة شبكة الصعيد. لو عينّاكي، السوق هيقول إنك جاية تنتقمي وبتبوظي شغلهم. ده يضايقك؟»**
— **«وهو يفرق معاك لو يضايقني؟»** رديت بذكاء.
— **«جداً،»** آدم قال وهو بيميل لقدام: **«عشان كده إحنا بنعمل حماية قانونية. لو انضميتي، هتكوني معزولة تماماً عن أي داتا تخص نوفاتيك. هتبني برنامج جديد تماماً، متفوق ومظبوط رياضياً من الزيرو. تقدري تعملي ده؟»**
الشرط ده بالذات إداني أمان أكتر من الخمس سنين بتوع وعود يوسف المقطوعة. وافقت.
على ما خرجت للهوا الحامي بتاع القاهرة، شاشة موبايلي كانت مقبرة إشعارات. 27 مكالمة فائتة من يوسف. طنشتهم كلهم وركبت أوبر. رسالة نورت الشاشة:
*«سمر، ارجعي البيت لما تخلصي شغل الأطفال ده. شيري مش فاهمة العصبية دي، بلاش تستهدفيها. الفصل ده كان مجرد إجراء شكلي قدام المجلس. اهدي، واعتذري، وأنا هخلي الـ HR يحولها لنقل بمكان تاني. أنتِ ما تستحمليش تشوفينا بنخسر مناقصة الصعيد.»*
ضحكة باردة خرجت من زوري. هو ما كانش شاكك في عبقريتي؛ هو بس كان متأكد من استسلامي. كان فاكرني كلب هيرجع دايماً لباب سيده.
طلبت من سواق الأوبر يستناني تحت برج شركة “نوفاتيك” في التجمع. في الدور الـ 15، الأنوار كانت قايدة زي النجوم الغاضبة. لسنين، أنا كنت اللي بشيل سندوتشات أنصاف الليالي في الأسانسير ده، حافظة مين عنده حساسية من اللبن، مين بيمر بطلاق، وممشية المكن البشري ده كله ويوسف ياخد التصقيف.
النهاردة، فضلت في الشارع. كتبت إيميل لمجلس إدارة نوفاتيك، وحطيت يوسف، والشؤون القانونية، والـ HR في الـ CC:
**الموضوع: إخطار بعدم تجديد الترخيص التجاري لمحرك التشغيل.**
سردت حقوق الملكية الأصلية، ونطاق الاستخدام، وتاريخ الانتهاء المتبقي. جملتي الأخيرة كانت مقصلة قانونية: *بمجرد انتهاء المدة، يُحظر على شركة نوفاتيك حظراً تاماً استخدام أو بيع أو استغلال هذا المحرك في أي صفقات استثمارية تحت زعم أنه ملكية خاصة للشركة.*
دوست إرسال، قفلت الموبايل، ورجعت للشقة اللي كنت مشاركاها مع يوسف في المعادي.
أول ما حطيت المفتاح في الباب، شفتها. شنطة سفر بيج شيك كانت محطوطة على السجادة المستوردة في الصالة. وشيري كانت قاعدة على الكنبة القطيفة بتاعتي، ولابسة الشبشب الفرو بتاعي.
وقفت ببطء مستفز: **«سمر.. يوسف قال إن فيه أوض فاضية. أنا لسة ما حجزتش فندق، فقلت أبيت هنا.»**
يوسف خرج من المطبخ. في إيده مج فخار — نص الطقم الزوجي اللي كنت دهناه بإيدي في ورشة الفخار بالفسطاط. قدم الشاي لشيري قبل ما يكلمني: **«هي جاية تعبانة من السفر يا سمر، بلاش تعملي مشكلة.»**
ما نطقتش بحرف. دخلت غرفة النوم الرئيسية، طلعت شنطة سفري الكبيرة من الدولاب، وبدأت ألم هدومي بنظام. خطوات يوسف رنت ورايا، والحقيقة بدأت تكسر كبريائه.
— **«إيه التمثيلية دي؟»** زعق وهو بيمسك غطاء الشنطة: **«بتهدي شراكة خمس سنين عشان مسمى وظيفي مؤقت؟ شيري مجرد ضيفة!»**
بصيت على إيده. نفس الإيد اللي كانت بتمسح شعري وأنا سخانة. نفس الإيد اللي زقت ورقة فصلي على السفرة. بالراحة، فكيت صوابعه صباع صباع.
— **«الموضوع عمره ما كان مسمى وظيفي يا يوسف،»** همست، والنبرة الحاسمية خليت الدم يهرب من وشّه: **«الموضوع إن اكتشفت إن المساحة اللي سبتهالي في حياتك كانت ضيقة أوي، لدرجة إن أول واحدة تخبط على الباب قدرت تلبس جزمي وتقعد مكان بسهولة.»**
كحة متصنعة رنت من الصالة. راس يوسف لفت ناحية الصوت زي الكلب المدرب. الحركة الصغيرة دي موتت أي شك فضلي في قلبي.
شلت الشنطة ومشيت ناحية الباب. يوسف جرى ورايا والبهدلة باينة في صوته: **«لو مشيتي من الباب ده يا سمر، ما ترجعيلوش بكرة وتبكي وتقولي ياريت!»**
وقفت على العتبة والهوا البارد يضربني: **«المأساة الوحيدة هنا يا يوسف.. إنك فاكر إني أنا اللي هغرق في الندم.»**
الباب التقيل اتقفل ورايا. وبس قبل ما اللسان يقفل، موبايلي زمر في جيبي. رسالة من رقم مجهول. كانت صورة لمكتبي القديم في نوفاتيك، وشيري قاعد على كرسيي. وعلى طرف المكتب، كان فيه فايل أزرق.. *الفايل بتاعي المتصور.* الطعم اتأكل.
## الفصل الثالث: العرض والمصيدة
أول يوم ليا في جينيسيس ما كانش فيه هيصة. آدم ما إدانيش مكتب في زاوية مميزة؛ عين لي مكتب عادي جنب الشبابيك الشرقية.
— **«ما فيش معاملة خاصة،»** قالها وهو بيرمي مجموعة ملفات على مكتبي: **«مُسماكِ مستشارة أولى. فترة تجربة تطبق عليكِ. هتبني عرض مناقصة الصعيد، بس لو لقطت خط كود واحد مأخوذ من نوفاتيك، أنا اللي هفصلك بنفسي.»**
بصيت في عينه واحترمت حدوده الصارمة: **«موافقة.»**
مبرمج جونيور جنبي بص من ورا الشاشات ووشه أحمر: **«هو أنتِ.. سمر؟ اللي كتبتي كود التعافي بتاع الميناء البري؟ الدكتور بتاعنا في الجامعة بيشرح الشفرة بتاعتك كحالة دراسية!»**
اتسمرت مكانـي. في الوقت اللي يوسف كان مشغول فيه يقنعني إني مجرد ترث بديل، كان فيه عالم برة ما أعرفوش بيتداول اسمي باحترام.
بعد 72 ساعة، كنا غرقانين في شغل مناقصة التوزيع المبرد بتاعة الصعيد. طلبات العميل كانت تعجيزية: محتاجين نظام يغير مسار عربيات التبريد في ثواني لو حصل عطل في أي وحدة. استراتيجية جينيسيس القديمة كانت معقدة ومكلفة.
— **«مش هنكسب المناقصة دي لو اتكلمنا كأننا بنعمل فيلم خيال علمي،»** قلت في أوضة الاجتماعات وأنا برسم على السبورة: **«نوفاتيك هتحاول تبهرهم بمحرك “Ignite”. إحنا محتاجين حل واقعي. نظام يعزل العطل في 5 دقائق، مش يوقف الشبكة كلها.»**
آدم رجع بضهره وشبك صوابعه: **«محتاجة إيه عشان تبني ده من غير ما تمسي ملكيتهم؟»**
— **«اتنين مبرمجين مابيناموش، متخصص هاردوير، ومدير تنفيذي ما يتدخلش في تفاصيلي.»**
ضحكة خفيفة سرت في الأوضة. آدم ابتسم بس: **«أقدر أوافقلك على تلاتة من الأربعة.»**
صباح يوم العرض التقني لمناقصة الصعيد كان شبه الدخول لمعركة. قاعة الاجتماعات كانت ضخمة، يترأسها **المهندس حلمي**، مدير العمليات لمجموعة الصعيد. لما فريق جينيسيس دخل، عين يوسف علقت عليا، وشّه اتعصر بين الغضب والذهول. كان لابس بدلة تفصيل رمادي، والكرافتة الحرير اللي في رقبته كانت هدية عيد ميلاده اللي أنا اشتريتها له. الربطة كانت مظبوطة بالملي.. شيري هي اللي ربطتهاله.
شيري كانت قاعدة على يمينه، طالعة بمنظر الإدارة الأنيق، والفايل الأزرق المشفوط محطوط جنب كوعها. شاورلي بإيدها بابتسامة سمجة.
— **«سمر،»** يوسف اتكلم بتهكم وصوته ينضح بالاستعلاء وأنا بزق كارتي الجديد للعميل: **«بقتي “مستشارة” خلاص؟ بتتحركي بسرعة أوي لما تكوني ملهوفة.»**
المهندس حلمي بص ليوسف بنظرة حادة سكتته. العرض بدأ.
لازم أدي لشيري حقها — كانت ممثلة شاطرة. أخدت الشغل التقني بتاعي وغطته بشوية مصطلحات لميعة: *الذكاء الحراري، الخرائط العصبية.* مديري الصعيد كانوا بيهزوا راسهم ومصطادين بالشو الإعلامي.
وبعدين، شيري نقلت على شريحة الأرقام الحاسمة.
نبضي هدي وبقى منتظم. كانت نفس الجدول اللي سبته بلعاني جوة الفايل المتصور في مكتبي القديم.
— **«نظامنا يضمن استقرار درجات الحرارة في الأسطول خلال 30 ثانية فقط،»** شيري أعلنت بصوت فيه سلطة مزيفة: **«بكفاءة تصل لـ 99.3%.»**
المهندس حلمي رفع حاجبه بشك: **«30 ثانية؟ هل جربتم ده في اختبارات حية على أرض الواقع؟»**
شيري اتهزت، قناعها المظبوط اتشرخ، وبصت ليوسف. يوسف شال الشيلة بسرعة: **«نوفاتيك لها تاريخ طويل في القطاع ده يا باشمهندس حلمي. التجربة الحية ممتازة.»**
— **«عظيم، ورونا المحاكاة الحية دلوقتي،»** المهندس حلمي أمر.
وقفة يوسف الواثقة اتخشبت. شاور لـ طارق، المبرمج. طارق، وكان عرقان جداً، بدأ المحاكاة. أول ما البرنامج حاول يقرأ الداتا المخلطة بناءً على الأرقام المشفوطة بتاعة شيري، الشاشة هنجت. علامة التحميل فضلت تلف بمسخرة لمدة دقيقة كاملة قبل ما تظهر شاشة حمرا بعطل قاتل.
ابتسامة شيري اتمسحت: **«هو.. يظهر فيه مشكلة في الشبكة هنا،»** اتهتت وعينيها بتدور في الأوضة.
— **«المشكلة مش في الشبكة،»** دخلت في الكلام، وصوتي قطع ربكتها زي السكين.
وقفت، وحطيت الفلاشة المشفرة في الجهاز. واجهة برنامج جينيسيس ظهرت — من غير شو ولا ألوان، شغل صافي وعملي. **«المناقصة مش محتاجة نوقف المحافظة كلها لما كمبروسر عربية يعطل،»** شرحت وأنا ببدأ الاختبار الحي: **«ده بيعطل السواقين. أنت محتاج تعزل العطل.»** على الشاشة، عربية نورت بالأحمر. وبدلاً من إعادة حسابات الدولة كلها، النظام ربط العربية العطلانة بأقرب نقطتين صيانة وشحن عربية بديلة في أقل من 4 دقائق.
— **«اختباراتنا بتضمن أقصى زمن استجابة 7 دقائق،»** ختمت كلامي وأنا بتبص للمهندس حلمي: **«مش بنوعدك بـ 99.3% كفاءة وهمية. بنوعدك إنك مش هتخسر صندوق بضاعة واحد.»**
السكوت في الأوضة بقى تام. رجال النقل والتوزيع بيحترموا الشغل الفعلي على الأرض مش شو الباوربوينت.
يوسف ضرب إيده على الترابيزة وخسر كل مهنيته: **«ما عندكيش دم يا سمر؟ سرقتي شغل نوفاتيك عشان تبني بيه منصة مزيفة للمنافسين؟»**
بصيت في عينه ببرود: **«أنا ما لمستش سطر داتا واحد من نوفاتيك يا يوسف. كل اللي شفته ده شغال ببيانات تجريبية مفتوحة المصدر.»** سكت، وسبت السكوت ياكل الأوضة قبل ما أدي الضربة القاضية: **«بس أنا حافظة جدول الأرقام اللي شيري عرضتها النهاردة كويس أوي.»**
وش شيري بقى زي الرماد.
المهندس حلمي قفل فايله بصوت عالي: **«العرضين تحت المراجعة. النتيجة بعد 72 ساعة.»**
في الطرقات التعقيمية برة، يوسف زنقني، ونفسه طالع بغضب: **«أنتِ زرعتي داتا غلط! أنتِ حفرتيلها!»**
— **«حفرتيلها؟»** ضحكت، والضحكة رنت في الممر: **«لو شيري ما كانتش فتشت مكتبي وسرقت ملفاتي الشخصية، إزاي كانت هتعرض الداتا الوهمية بتاعتي قدام عميل بتقيمته دي؟!»**
شيري ظهرت وراه، وعينيها مليانة دموع متصنعة: **«يا يوسف، هي بتحاول تهينني عشان غيرانة ومغولة.»**
يوسف غطاها بجسمه، زي فارس بيدافع عن حرامي: **«أنا هرفعلِك ق\ضية سرقة أسرار تجارية يا سمر وهخرب بيتك!»**
— **«ارفع القض\ية،»** تحديته وقربت منه: **«أنا عاوزة القاضي يشوف العلامة المائية الميكروسكوبية المطبوعة في أصل الورقة اللي شيري لسة عرضاها قدام الناس كلها.»**
فك يوسف اتفتح. شيري مسكت في كمها، ورعب حقيقي ظهر في عينيها. ما كانش رعب خسران مناقصة، كان رعب النصبة الكبيرة وهي بتتفضح.
في نفس الليلة، في جينيسيس، آدم رما ملف تقيل وسري على مكتبي. أنوار المكتب الهادية كانت بتزن.
— **«المخبرين بتوعنا فتشوا ورا فترة شغل شيري في لندن،»** آدم همس وهو ساند على مكتبي: **«كانت شغالة موظفة جونيور في شركة استثمار اسمها “أبيكس”. وأبيكس حالياً بتجهز عقد شراء واستحواذ على شركة نوفاتيك.»**
فتحت الملف. بند متظلل في العقد المبدئي كان بينور: *يجب أن تمتلك الشركة المباعة ملكية تامة وغير مجادلة لكل البرامج. وبعد الاستحواذ، يحق لشركة أبيكس تعيين نائب رئيس للاستراتيجية.*
المكعبات تركبت ببعضها برعب. شيري ما رجعتش عشان تحيي حب قديم. شيري رجعت كجاسوسة لشركة الاستثمار! ويوسف ما فصلنيش في لحظة طيش؛ فصلني عشان ينضف أوراق الملكية الفكرية قبل ما المستثمرين يفتشوا وراه!
قلبت الصفحة التانية. كان إيميل متسرب من شيري لمدير في شركة الاستثمار: *يوسف سهل التلاعب بيه فيما يخص سمر. كملوا في العقد. أتوقع نقدر نبرم معاها اتفاق تنازل عن حقوقها بمبلغ رخيص أوي.*
*بمبلغ رخيص أوي.*
خمس سنين من التعب، والسهر، وبنا كيانه من الصفر، اتلخصوا في عبء رخيص عاوزين يكسحوه تحت السجادة.
— **«أنتِ كويسة؟»** آدم سأل، وصوته خف من النبرة الرسمية.
ما بكيتش. حسيت بنقاء ووضوح مرعب. بصيت لآدم، وخطة الرد كانت بتتجمع في دماغي: **«أنا كويسة جداً يا آدم. بالعكس، أظن جه الوقت اللي نخليهم يعلنوا صفقة الاستثمار الكبيرة دي قدام العالم كله.»**
## الفصل الرابع: الضغط والإنذار الاخير
الضربة المرتدة كانت سريعة وسمية. يوم التلات الصبح، مقال مدفوع نزل على أشهر موقع تقني في مصر. العنوان كان بيصرخ: *مطلقة طليقها تنتقم: موظفة سابقة تهرب للمنافس وتتسبب في أزمة سرقة أسرار تجارية!*
مع إنهم ما كتبوش اسمي بالكامل، المقال رسم صورة مسمومة: مبرمجة غير متزنة عاطفياً، استغلت علاقتها بمؤسس الشركة، ولما اتفصلت بسبب تقصيرها، هربت بالداتا. التعليقات كانت إعدام ميداني، بيوصفوني بالخائنة.
جوة جينيسيس، الجو بقى تلج. لقطت الموظفين الجونيور بيكلموا بوشوشة عند مكنة القهوة، ويسكتوا فجأة أول ما أعدي.
على الضهر، صلاحيات حساسي في السيستم اتقفلت.
دخلت مكتب آدم. كان قاعد بيبص على أمر الامتثال اللي على الشاشة. **«مجلس الإدارة ضاغط عليا يا سمر،»** قالها بنبرة مشدودة: **«نوفاتيك قدمت طلب تحكيم رسمي لجمعية تكنولوجيا المعلومات. ولحد ما التحقيق يخلص، أنتِ موقوفة عن مشروع الصعيد.»**
ابتسامة مريرة مرت على شفايفي: **«الكلام ده شبه كلام يوسف بتاع “إعادة التعيين”.»**
آدم وقف، وحط إيده الاتنين على مكتبه الرخام وميل ناحيتي: **«أنا مش يوسف. أنا مش هرميكي للكلاب عشان أنقذ نفسي. أنا ببعدك عن خط النار عشان تجمعي أدلتك بحرية. مرتبك شغال. والمستشارة القانونية بتاعتنا، أستاذة فريدة، تحت أمرك.»**
مد إيده بكارت دخول مؤقت: **«تقدري تمشي دلوقتي، أو تقدري تقفي وتحاربي. القرار قرارك.»**
بصيت للكارت. كان حد صارم بس محترم. أخدت الكارت: **«أنا محتاجة أقابل والدك.»**
**الحاج الشافعي** كان حالة نادرة في سوق الشغل. قاعد في ركن هادي في كافيه في الشروق، بيشرب قهوة سادة ولابس ترينج كلاسيك. لما قربت، ما صدرش منه أي تخويف؛ كان طالع منه هيبة وحزن هادي.
زق فايل أصفر على الترابيزة: **«إحنا مش جايين نتكلم عن جينيسيس النهاردة يا سمر. إحنا جايين نتكلم عن أزمة الميناء البري.»**
جوة كان فيه صورة طبق الأصل من خطاب الشكر والتكريم بتاع من تلات سنين. المكتوب اسمه: يوسف. التوقيع: الحاج الشافعي. الورقة دي هي اللي يوسف استخدمها عشان يجيب أول تمويل للشركة، الدرع اللي بنى بيه إمبراطوريته وأنا قاعدة بسخن في شقة ثلج.
الحاج الشافعي زق ظرف تاني جديد: **«ده بقى بتاعك أنتِ.»**
فتحته بإيد بتترعش. الخطاب كان إقرار صريح ورسمي، بيمهر إن الشفرة الرئيسية كتبها المطور X47، واللي هو سمر.
— **«بتديني ده ليه؟»** همست وأنا بتبص للحبس.
— **«أنا مش بعملِك جميل يا سمر،»** الحاج رد وعينيه بتضحك: **«أنا بصلح التاريخ. تقييم الراجل الفني أصدق بكتير من الملخصات المزوّرة. يوسف ما كانش يقدر يكتب بالجمال ده أبداً.»**
مسلحة بكرت الحاج الشافعي، قابلت يوسف الصبح اللي بعده في كافيه قديم في وسط البلد — نفس الترابيزة اللي كنا بنقعد ناكل عليها طعمية وفول بأقل الفلوس أيام ما بدأنا. كان شكله مبهدل، وهالات سودة تحت عينيه. كان طالبلي بيض بسطرمة من غير بصل، استعراض رخيص للذاكرة.
— **«بلاش الحرب دي يا سمر،»** يوسف اترجى وهو بيزق عقد قانوني تقيل على الترابيزة: **«شيري والمستثمرين نازلين زن فوق دماغي. وقّعي على تنازل الملكية الفكرية ده. أنا هطلعلك 500 ألف جنيه تحت الترابيزة. نخلص بشياكة. بلاش تخربي الشركة اللي بنيناها بدمنا.»**
بصيت للعرض المهين. نص مليون جنيه عشان يمسحوا اسمي من التاريخ.
مديت إيدي في شنطتي وشغلت مسجل الصوت: **«قولي الحقيقة يا يوسف. أنت بتعمل كده عشان شيري طلبت منك ورق نضيف عشان تاخد منصب نائب الرئيس في أبيكس؟»**
يوسف شد شعره بيأس: **«المستثمرين طالبين ورق نضيف قبل ما يحولوا الملايين! وقّعي الورقة الملعونة دي يا سمر! وأول ما الفلوس تنزل، أوعدك هعوضك صح. أنتِ عارفة إن عمرِي ما قصرت معاكي!»**
*مسكتك.*
بعد يومين، كنا قاعدين في قاعة جلسات التحكيم بالقرية الذكية. يوسف وشيري قاعدين قصادي، وجنبهم محامي بياخد أرقام خيالية. شيري كانت شايالة وش الضحية ولابسة بدلة رسمية وبتبصلي بغل.
رئيس لجنة التحكيم، **المهندس فاروق**، كان راجل عملي: **«يا أستاذة سمر، انتقالك لشركة منافسة بعد فصلك بأيام قليلة ده شيء يثير الشك. نوفاتيك بتقول إنك سرقتي برنامجهما.»**
أستاذة فريدة، محاميتي العبقرية، ما اتهزتش. رمت ملفات على الترابيزة: **«المستند أ: أوراق شغل أستاذة سمر في الجامعة، قبل تأسيس نوفاتيك أصلاً. المستند ب: عقد الترخيص التجاري الموقع من أستاذ يوسف، والمحدد للاستخدام الداخلي فقط. المستند ج: إيصالات التحويل البنكي اللي بتثبت إن نوفاتيك دفعت أرباح الترخيص ده لسمر.»**
محامي يوسف اتوتر ووشه أحمر: **«ده كلام غير مباشر! أستاذ يوسف هو اللي كان بياجه الشغل ده!»**
— **«المستند د،»** أعلنت، وحطيت الموبايل على الترابيزة ودوست تشغيل.
صوت يوسف اليائس رن في الأوضة: *«المستثمرين طالبين ورق نضيف.. أول ما الفلوس تنزل أوعدك هعوضك تحت الترابيزة..»*
ضوافر شيري غرزت في الترابيزة الخشب لدرجة افتكرتها هتتكسر. يوسف كان شكله كأن الأرض اتفتحت وتحت كرسيه.
المهندس فاروق قلع نظارته وضغط على مناخيره: **«بناءً على التسجيل الصوتي اللي فيه إجبار واستغلال للملكية الفكرية، اللجنة بترفض طلب نوفاتيك بوقف أستاذة سمر عن العمل.»**
كسبنا الجولة، بس وأنا طالعة من المبنى، الموبايل زمر بخبر صحفي: *شركة نوفاتيك تعلن عن صفقة استثمارية ضخمة مع شركة أبيكس. المؤتمر الصحفي يوم الجمعة في فندق الماسة.*
يوسف كان بيستعجل التمويل عشان ياخد الفلوس قبل ما القضايا تلبسه.
بصيت لفريدة، ونار باردة ولعت في صدري: **«جهزي إنذار قَضائي. بس ما تبعتيهوش دلوقتي.»**
— **«ناوية على إيه؟»** سألتني وعينيها بتديق.
— **«مش هبطل المؤتمر الصحفي بتاعهم،»** قلت وأنا بتبص للخبر: **«أنا هروح أحضره بنفسي.»**
## الفصل الخامس: الحساب
قاعة فندق الماسة كانت عبارة عن مسرح من الفخامة. الثريات منورة القاعة المليانة صحفيين، ومستثمرين، وكبار السوق. على الشاشة الـ LED الضخمة، لوجو نوفاتيك كان بيلف جنب لوجو شركة أبيكس للاستثمار.
كنت قاعد في الصف الرابع، وجنبي فريدة والحاج الشافعي. آدم كان واقف عند الباب الوراني، صالب طوله ومربع إيديه وبيراقب المسرح ببهدوء صائد.
يوسف طلع على المنصة، بيستحمى في أضواء الفلاشات. كان في قمة نشوته، وبيحكي قصة وهمية عن شركة ناشئة عدت من أزمة الميناء البري وطلعت بمحركها الخاص. **«التكنولوجيا دي،»** قالها بفخر: **«اتبنت جوة الشركة، بعرق وجهد فريقنا، وتحت قيادتي الفنية المباشرة.»**
حسيت بالوجع القديم في بطني — مسح وجودي بيتعرض بـ بث مباشر.
شيري طلعت على المايك التاني، وابتسامتها عريضة: **«ولما نكبر إقليمياً، خبرتي في إدارة العمليات في أوروبا هتضمن إن نوفاتيك تتصدر السوق.»** السيرة الذاتية الفايك بتاعتها اتعرضت على الشاشة وراها.
المذيع فتح باب الأسئلة.
الحاج الشافعي وقف ببطء. الهمس في القاعة سكت؛ اسمه له وزنه.
— **«أستاذ يوسف،»** صوت الحاج رن في السماعات من غير ما يمسك مايك: **«أنت اتكلمت عن أزمة الميناء البري. ممكن توضح للناس مين المطور اللي كود باسم X47، اللي بنى البرنامج الأساسي بتاعك؟»**
ابتسامة يوسف الواثقة اتكسرت: **«X47 ده.. كان مجرد اسم مستعار لفريق المبرمجين بتاعنا يا حاج.»**
الحاج الشافعي هز رأسه بحزن. شاور لـ فريدة، اللي وقفت فوراً ومعاها كابل. موظف الصوت، اللي كان بيحترم الحاج الشافعي جداً، وصل لابتوب فريدة بالشاشة الـ LED الرئيسية.
— **«أنا المستشارة القانونية للأستاذة سمر،»** صوت فريدة ضرب زي السوط: **«وجايين ننزل تصحيح رسمي للتدليس اللي بيحصل ده.»**
الشاشة الضخمة اتغيرت من لوجو الشركة لتفريغ صوتي لمكالمة الكافيه. صوت يوسف رن في القاعة كلها، أعلى وأوضح من مايك المنصة: *«المستثمرين طالبين ورق نضيف.. هعوضك تحت الترابيزة.»*
القاعة اتكهربت! المديرين بتوع شركة الاستثمار قاموا من أماكنهم في الصف الأول ووشهم اتقلب أصفر. شيري رجعت خطوة لورا، وكانت هتقع من على المنصة.
— **«اقفلوا الزفت ده!»** يوسف زعق، ومنظره الشيك اتدمر: **«ده تخريب من موظفة سابقة اتفصلت! شغلها ملك الشركة دي!»**
وقفت. ما كنتش محتاجة محامي يكمل المعركة دي. طلعت في الممر، وجيت في عين الراجل اللي باع روحي عشان شيك استثمار.
— **«هو الشغل كان ملك الشركة قبل ما الشركة تتأسس أصلاً يا يوسف؟»** سألته بصوت عالي جاب القاعة كلها: **«كان ملكك لما حولتلي 10 آلاف جنيه رسوم ترخيص؟ ولا كان ملكك لما جيت تترجاني أنقذ عقد الميناء البري وأنا قاعدة في شقة ثلج سهرانة بشتغل؟»**
يوسف مسك في طرف المنصة، وبينهج زي حيوان محشور: **«سمر، اسكتي! أنتِ بتخربي كل حاجة!»**
— **«أنا بس بحط الهوامش الحقيقية للقاطورة بتاعتك،»** رديت ببرود.
شيري جريت على المايك، وصوتها مسرسع وبيترعش: **«أنتِ كدابة! أنتِ بتعملي كده عشان تغلي من يوسف! أنتِ ما تستحمليش الإدارة والضغط!»**
بصيت لها بنظرة إعدام: **«وبمناسبة الإدارة يا شيري، تعالوا نراجع شغلك في أوروبا كده.»**
الشاشة الـ LED اتغيرت لإيميل رسمي من الشركة الألمانية اللي ادّعت إنها كانت بتقودها. الكلام كان متظلل بالأصفر: *الأنسة شيري كانت شغالة مترجمة تسويق فريلانس فقط. ما كانش عندها أي صلاحيات فنية أو إدارية.*
شهقة جماعية طلعت من الصحفيين. الفلاشات نزل ترف ضرب في وشهم.
يوسف لف راسه، وبص لشيري كأنه بيشوف كائن غريب. استيعاب إنه دمر علاقته بتاعة 5 سنين، ومبادئه، وشركته كلها عشان واحدة نصابة.. دمر وقفته تماماً.
— **«وللمشهد الأخير،»** قلت بصوت هادي يمت. الشاشة اتغيرت لإيميل شيري المتسرب لشركة الاستثمار: *يوسف سهل التلاعب بيه.. نضغط عليها وتتنازل بمبلغ رخيص.*
المدير الكبير لشركة الاستثمار ما تكلفش حتى يمسك المايك. شاور بصباعه ليوسف: **«الصفقة دي ملغية. ونحنا هنبدأ تحقيق جنائي في الشروع في النصب.»**
القاعة اتقلبت السيرك! الصحفيين جريوا على المنصة. المستثمرين بيجروا على الأبواب. شيري رمت المايك، وصوته عمل زنين يوجع البطن، وهربت من أبواب الخدمة.
يوسف فضل واقف مشلول على المنصة، ملك قاعد على كوم تراب بيتحرق.
لفيت ضهري للمزبلة دي ومشيت في الممر. ما بصيتش ورايا ولا بَصة.
## الفصل السادس: بداية جديدة
انهيار نوفاتيك كان كامل ومشيم. انسحاب شركة الاستثمار عمل هجوم من الدائنين. مجلس الإدارة طرد يوسف، ونزلوا برتبته لمجرد اسم لحد ما تصفية الأصول تخلص. شيري اختفت، ظهرت لفترة بسيطة على لينكد إن ببوست عن “بيئات العمل السامة” قبل ما تمسح أكونتها خالص بعد ما اسمها اتحدد في البلاك ليست بتاعة شركات التمويل.
بعد تلات أسابيع، التسوية النهائية حصلت في أوضة اجتماعات محايدة. يوسف كان قاعد في آخر الترابيزة، شكله خاوي، زي خيال مآتة للراجل اللي فصلني.
الجمارك والمحامين بتوع نوفاتيك عرضوا عليا مبلغ كاش ضخم عشان أمشي في السكت.
— **« لا،»** قلت وأنا بتبص ليوسف في عينه: **«الخيار التالت. تدفعوا أرشيف مستحقات الترخيص القديمة، وتردوا الـ 80 ألف جنيه اللي دفعتهم من جبي مقدم في شقتك، وتنزلوا اعتذار وتوضيح دائم على صفحة نوفاتيك الرئيسية، يقر بإن سمر هي المصمم والمهندس الوحيد للبرنامج.»**
المحامين اعترضوا، وقالوا ده هيموت القيمة المتبقية للشركة.
— **«اعملوها،»** يوسف قالها بصوت مكسور. كانت أول مرة يتكلم فيها من ساعة. بصلي بعيون مليانة ندم متأخر ووجع: **«هي اللي بنته. سيبوها تاخد اسمها تاني.»**
النصر ما كانش طعمه حلو وسكر. كان طعمه راحة وقفل صفحة.
بعد شهر، جينيسيس كسبت مناقصة الصعيد رسمياً. المرة دي، لما العرض النهائي اتعرض، ما كنتش مستخبية في الضلمة. كنت واقفة على رأس الترابيزة، وبجرد الأسئلة التقنية بثقة ودقة.
في الليلة دي، آدم ما عزمنيش في مطعم فاخر في الزمالك عشان نحتفل. بدلاً من ده، قعدنا في محل برجر زحمة وبأنوار نيون جنب الكورنيش. قاعدين على كراسي جلد رخيصة، وبناكل طبق بطاطس بالجبنة.
زق فايل متقفل على الترابيزة. ما كانش المنيو.
— **«اقرأي الصفحة الأولى،»** آدم قال وهو بيشرب الصودا بتاعته، وعينيه فيها تركيز غير عادي.
قلبت الورق التقيل: **«عقد عمل: مديراً لقطاع الأنظمة المستقلة، شركة جينيسيس. المهندسة: سمر.»**
تحتها كانت فيه بنود واضحة بتحدد نسبي في الأسهم، حقوق اسمي الكاملة، وبند خروج حامي جداً. كل حد حاربت عشانه كان مكتوب وموثق بالأسود على الأبيض.
— **«مش عاوزين نكرر أخطاء يوسف،»** آدم قالها بهدوء، وصوت المحل حولينا بدأ يختفي: **«الشركات مش بتكبر لما تاكل شقاء وعرق ناسها.»**
مشيت صباعي على اسمي المطبوع. من خمس سنين، كنت بتغدى بوعود فاضية بتاعة “بكرة”. الليلة، أنا ماسكة إثبات قانوني بقيمتي.
بعدها، ونحنا ماشيين ناحية محطة المترو، وأضواء القاهرة بتعكس على الإسفلت المبلول، آدم وقف جنب بوابات التذاكر. الهوا بتاع الساقعة طيّر طرف الجاكيت بتاعه.
— **«سمر،»** بدأ الكلام، وصوته خف من الرسميات ونزل لحاجة فيها طابع إنساني جداً: **«دلوقتي بعد ما كل حاجة هديت.. والأوراق اتفلقت.. أنا حابب أطلب منك إذن رسمي عشان أتقدمِلك وأحاول أكون في حياتك.»**
وقفت، وصوت قطر المترو اللي يقرب كان يرن تحت الأرض. في حياتي القديمة، كنت هجري أرد بسرعة، خايفة أعمل إحراج، ومستعدة أتشكل زي ما الراجل عاوز. بس الست اللي خرجت من أوضة اجتماعات نوفاتيك دي ماتت خلاص.
بصيت لآدم، وشفت الاحترام الصريح والصبر في عينيه.
— **«أنا عندي قطاع كامل محتاج أطوره يا آدم،»** قلت وابتسامة حقيقية بتفرش على وشي: **«وأنا الحاجة الوحيدة اللي بتابعها وبسعى وراها دلوقتي هي نفسي.»**
ما اتهزش. ابتسم هو كمان، ابتسامة حد قبل التحدي: **«أنا هقطع تذكرة وأقف في الطابور. أنا راجل صبور جداً.»**
— **«الطابور طويل،»** حذرته وأنا برجع لورا ناحية البوابة.
— **«أنا جايب معايا كتاب أقرأ فيه،»** رد وهو بهز رأسه.
ضحكت، لفيت ضهري وضربت الكارت في البوابة.
في الليلة دي، وأنا لوحدي في شقتي الجديدة اللي بتدخلها الشمس، ما قعدتش أستنى رسالة موبايل. ما قعدتش أفكر لو فيه حد تاني لابس شبشبي. سقيت الزرعة بتاعتي، وبصيت على الورق الأخضر الجديد وهو بيفتح. فتحت اللابتوب، ونور الشاشة نور الأوضة الضلمة.
فتحت ملف فاضي لقطاعي الجديد. وفوق خالص، كتبت العنوان:
**رئيس المشروع: سمر.**
ما كنتش بكتب كود عشان أعافر وأعيش خلاص. ما كنتش بتبني إمبراطورية لراجل يمسحني. أنا أخيراً كنت بكتب قصة حياتي أنا، ولأول مرة، اسمي كان محفور بقوة في الأساسات!