مرات ابني حصري لصفحة روايات رولا

اشتريت خمستاشر كيلو لحمة عشان عزومة الشوي بتاعة العيلة، بس مرات ابني وأمها اللي عندها ستين سنة وصلوا من غير ما يجيبوا معاهم حتى طبق واحد.
​بدل من كده، كانوا شايلين شنطتين كبار مليانين علب تلاجة فاضية.

​لما ابني بدأ يعبي العلب دي باللحمة اللي أنا دافعة ثمنها من جيبى، مشيت ناحيتهم وقلت تلات كلمات سكتت الجنينة كلها.
​أنا اشتريت خمستاشر كيلو لحمة عشان عزومة يوم الأحد في الجنينة.

​خمستاشر كيلو بحالهم.
​أي حد طبيعي هيشوف إن دي كمية أكل ضخمة جدًا على تجمع عائلي صغير.

​بس بالنسبة لي، السفرة المليانة على آخرها كانت دايماً طريقتي الخاصة عشان أقول “أنا بحبكم”.
​أسمي بهيرة منصور. عندي خمسة وستين سنة، وعايشة أنا وجوزي، مدحت، في منطقة هادية في الشيخ زايد برة زحمة القاهرة.

​بقالنا سنين طويلة وبيتنا هو المكان اللي الكل بيتجمع فيه.
​عملنا هنا أعياد ميلاد، وعزومات نجاح، وحفلات ٦ أكتوبر، وغدا الأعياد، ووجبات يوم الأحد اللي مش بتتعد بعد الصلاة.
​كل ما قرايبنا يفكروا في العيلة، كنت بحب أتخيل إنهم بيفتكروا ترابيزة الخشب الطويلة بتاعتنا اللي في الجنينة تحت ضل الشجر، ومدحت وهو واقف جمب الشواية القديمة بتاعته، وشفشق عصير الليمون بالنعناع الساقع، وأكل يكفي إن كل واحد يقوم يغرف طبق تاني وتالت.

​يمكن دي الغلطة اللي أنا وقعت فيها.
​قضيت سنين طويلة ببين حبي بالجدعنة والكرم لدرجة إني نسيت إن الكرم برضه محتاج حدود.
​يوم السبت الصبح، قعدت على ترابيزة المطبخ وأنا برتب المنيو.
​كباب.

​ريش ضاني.
​طرب.
​سجق بلدي.
​بطاطس محمرة.
​سلطة خضرا.
​عيش بلدي سخن.

​بصل مشوي.
​وتلات أنواع جبنة.
​مدحت نزل الجرنان بتاعه وبص في اللستة اللي كبتها.
​”بهيرة، هو في كام واحد جاي بالظبط؟ أنتي ناوية تأكلي لاعبي النادي الأهلي كلهم؟”
​ضحكت وقلت له:
“هيفضل مننا أكل.”
​”ما هو دايماً بيفضل أكل لما بتطبخي.”
​”وأنا بحب كدة.”
​في “ماركت المنوفي”، عم جابر ساعدني بنفسه وأنقى أحسن قطيعات لحمة.

​على ما كل حاجة اتوزنت واتلفت، كنت اشتريت خمستاشر كيلو لحمة.
​الفاتورة دخلت في حوالي ٤٥٠٠ جنيه.
​دفعتهم من غير ما أتردد لحظة.
​عادي، الأكل ده رايح لعيلتي.
​ابني الوحيد، طارق، كان جاي ومعاه مراته، رانيا، وأم رانيا، طنط شهيرة.
​طارق طول عمره كان حنين، ومسؤول، وبيعمل حساب لكل حاجة.
​بس بعد ما اتجوز رانيا، بدأ يتغير بالتدريج.
​قبل ما يرد على أي سؤال، كان دايماً يبص لتعابير وشها الأول.
​كان بيلغي أي خطة عائلية لو هي قشرت أو مكنتش مبسوطة.
​ولما رانيا كانت بتقول أي كلمة بايخة، طارق كان دايماً ينزل عينه في الأرض أو يعمل نفسه مش سامع.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​رانيا كانت حلوة، شيك، ولبسها دايماً مظبوط ع الشعرة.
​وأمها كانت واخدة نفس الستايل بالظبط.
​شهيرة كانت بتفحص أي بيت، أو ممتلكات، أو بني آدم كأنها بتقيمهم في سرها وتشوف هل هما واصلين لمستواها ولا لأ.
​ومع ذلك، لما طارق سألني لو شهيرة ينفع تيجي معانا، وافقت علطول.
​باب بيتي طول عمره مفتوح للعيلة.
​يوم الأحد الصبح، بدأت أجهز الأكل من قبل ما الشمس تطلع، ومدحت كان برة بيظبط الشواية في الجنينة.
​بنات أختي، فريدة ولمياء، كانوا أول ناس يوصلوا.
​فريدة جابت معاها صينية أم علي بالمكسرات.
​ولمياء كانت شايلة طبق سلطة فواكه كبير وقزازتين عصير فريش.
​”نساعدك في إيه يا طنط؟” فريدة سألتني حتى من قبل ما تقلع شنطتها.
​مع بعض، رصوا الأطباق، وقطعوا العيش، وملوا الكوبايات، وطلعوا سرافيس الأكل على الترابيزة برة.
​بعد كده جرس الباب رن.
​طارق كان واقف برة ومعاه رانيا وشهيرة.
​الستيتين مكنوش شايلين أي حاجة تتاكل أو تتشرب.
​ولا عصير.
​ولا حلو.
​ولا سلطة.
​ولا حتى عيش.
​بس هما مكنوش جايين وإيديهم فاضية برضه.
​رانيا كانت شايلة شنطة قماش كبيرة مليانة علب تلاجة بلاستيك.
​وشهيرة كانت شايلة شنطة تانية بتقرقش بغطيان العلب الفاضية كل ما تتحرك.
​رانيا قربت مني وبستني بوسة طايرة جمب خدي.
​”طنط بهيرة، ريحة الأكل تجنن.”
​شهيرة بصت حواليها في الصالة.
​”بيتكوا دافي أوي وكوزي.”
​الطريقة اللي قالت بيها كلمة “دافي” خلتها تبان مش كمدح، لأ، كأنها بتعلق إن كل حاجة في البيت قديمة وموضة راحت.
​طزيت في كلامها وخدتهم على الجنينة ورا.
​مدحت رفع غطا الشواية بفخر.
​”بهيرة اشترت خمستاشر كيلو لحمة عشان الكل يتبسط.”
​رانيا وشهيرة بصوا لبعض علطول.
​اللي شفته في عيونهم مكنش امتنان خالص.
​دي كانت حسابات.
​”خمستاشر كيلو؟” رانيا قالت وهي بتضحك. “يبقى كويس إننا جبنا العلب معانا.”
​ابتسمت بذكاء وقالت:
“مش عايزين الأكل ده كله يترمى حرام.”
​الغدا لسه حتى مبدأش.
​أنا سكتت.
​قعدت رانيا وشهيرة والكل كان شغال بيجهز الترابيزة.
​شهيرة بصت لورد الجنينة وقالت إنه باين عليه دبلان ومش متهني بيه.
​ورانيا وصفت مفرش السفرة بتاع والدتي الله يرحمها بإنه “دقة قديمة بس لطيف”.
​اشتكو إن السجق مدخن زيادة عن اللزوم، والدريسنج بتاع السلطة مزز أوي، والكباب متبل أكتر من اللازم.
​ومع ذلك، ولا واحدة فيهم بطلت أكل.
​خلصوا أطباقهم وقاموا غرفوا تاني.
​رانيا رصت اللحمة في طبقها بشكل شيك، وطلعت موبايلها، وصورتها ستوري لإنستجرام كأنها هي اللي طبخت الأكل كله بنفسها.
​طارق فضل قاعد جمبها وكتافه مشدودة، وباصص في طبقه وبس.
​أول ما الكل خلص أكل، رانيا ساندت ضهرها لورا وبصت على السرافيس اللي لسه فيها أكل.
​”مستحيل كل الأكل ده يتاكل هنا.”
​شهيرة هزت راسها بالموافقة.
​”حرام بجد لحمة غالية وزي دي تبوظ وتترمى.”
​بعدين رانيا لفت لـ ابني.
​”هات الشنط يا حبيبي.”
​طارق قام في ساعتها.
​مترددش ثانية.
​مسألنيش حتى لو كان ينفع ولا لأ.
​مبصش ناحيتي أصلاً.
​شال الشنطتين القماش وطلعهم على ترابيزة الجنينة.
​بدأت رانيا وشهيرة يطلعوا علبة ورا علبة.
​في منهم الصغير.
​وفي منهم الغويط اللي يشيل وجبات كاملة لكذا يوم.
​بعدين طارق مسك ماسك اللحمة.
​وبدأ يعبي علبهم بأحسن حتت كباب وريش وطرب.
​واحد ورا التاني، الكلام بين الناس على الترابيزة قطع.
​مدحت وقف متثبت جمب الشواية.
​فريدة فضلت واقفة وإيدها معلقة بشفشق الليمون فوق الكوباية.
​لمياء نزلت الشوكة من إيدها براحة.
​أنا كنت واقفة بتفرج على ابني الوحيد وهو بيكيس أكل أنا اللي شارياه، وأنا اللي واقفه مجهزاه ومستوية قدام النار عشان أقدمه.
​أكل أنا ملقمتهمش بيه ولا قلتلهم خدوه.
​أكل رانيا وشهيرة قرروا ببساطة إنهم أصحاب حق فيه وياخدوه غصب واقتدار.
​في اللحظة دي، فهمت حاجة كويس أوي.
​لو أنا سكت دلوقتي، هكون بعلمهم إن طيبتي ملهاش حدود، وإن رأيي ملوش أي تلاتين لازمة جوة بيتي.
​فمشيت ناحية الترابيزة.
​وقفت جمب طارق وبصيت للعلب المفتوحة اللي مليانة بأحلى وأغلى حتت لحمة.
​وبعدين قلت تلات كلمات:
​”رجع الأكل ده.”
​الجنينة كلها مسمعتش فيها نفس صرصار حقل
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
فريدة بطلت تطبق المناديل.
​لمياء اتثبتت في مكانها والشفشق في إيدها.
​طارق بدأ يعبي العلب.
​الأول الكباب.
​بعدين الريش.
​بعدين الطرب.
​رانيا قالت له يحط بصل مشوي كمان عشان بيبقى حلو لما بيسخن تاني.
​محدش سألني ولا عبرني.
​طارق قال بخفة دم مصطنعة: “أمي دايماً بتعمل أكل أكتر من اللازم، كده أحسن ما يبوظ ويترمى.”
​في حاجة جوايا اتكسرت وقتها وسكتت تماماً.
​حطيت الأطباق من إيدي ومشيت ناحية ابني.
​كان ماسك أكبر علبة فيهم، ومكبوسة باللحمة اللي أنا دافعة ثمنها.
​لأول مرة في اليوم ده، أكون شايفاه بوضوح كدة.
​مبقتش شايفه فيه الطفل الحنين اللي كان زمان بيساعدني أرص السفرة.
​بقيت شايفه راجل كبير خايف يكون حقاني، عشان الحق ده ممكن يزعل مراته.
​سحبت العلبة من بين إيديه براحة وحطيتها على الترابيزة.
​رانيا ضحكت ضحكة صفرا ومتوترة:
“طنط بهيرة؟”
​بصيت لها.
​بعدين بصيت لشهيرة.
​وفي الآخر، بصيت لطارق.
​”اتفضلوا امشوا دلوقتي.”
​الجنينة كلها مسمعتش فيها نفس صرصار حقل.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
رانيا ضحكتها اختفت خالص، ووشها جاب ألوان. “أنتي بتتكلمي بجد يا طنط؟ بتطردينا عشان شوية لحمة؟”
​بصيت في عينها مباشرة وقلت لها بثبات: “أنا مش بطردكم عشان اللحمة. أنا بطردكم عشان قلة الذوق، وعشان عدم الاحترام لبيتي ولأهلي، وعشان الطمع اللي باين في عيونكم من أول ما دخلتوا من الباب.”
​شهيرة وقفت ونفضت فستانها بغرور ملوى: “يلا بينا يا رانيا. أنا أصلاً من أول ما دخلت البيت ده وأنا قايلة إنه مش مستوانا، والناس هنا مش مقدرين الأصول.”
​رانيا لفت لطارق وهي بتزعق: “شايف مامتك بتعمل إيه؟ واقف متثبت كدة ليه؟ مش هتقول حاجة؟”
​طارق بصلي ووشه أحمر من الكسوف والخزي، صوته كان بيرعش وهو بيقول: “ماما.. أرجوكي، بلاش نعمل فضيحة قدام الناس.. رانيا مكانش قصدها.”
​في اللحظة دي، مدحت (جوزي) ساب الشواية ومشي ناحيتنا، وحط إيده على كتف طارق وقال له بلهجة حاسمة وعمرها ما طلعت منه قبل كده: “اسمع كلام أمك يا طارق. خناجر الكلام والتلقيح اللي مراتك وأمها عمالين يرموها من الصبح إحنا فوتناها بمزاجنا عشان نعدي اليوم، لكن لحد كرامة أمك وبيتها.. والخط الأحمر هنا اترسم. شيل علبك الفاضية وخد مراتك وحماتك واتفضلوا برة.”
​طارق نزّل رأسه في الأرض، ولأول مرة يشوف إن سكوتنا طول السنين اللي فاتت كان طيبة وصبر مش ضعف. رانيا شدت الشنط القماش بعنف وهي بتبرطم بكلام مش مفهوم، وأمها شهيرة مشيت قدامها وهي رافعة مناخيرها للسما.
​طارق مشي وراهم وهو مش قادر يبص في عين حد مننا.
​أول ما باب البوابة اتقفل وراهم، الجنينة رجعت فيها الروح تاني. فريدة كملت رص المناديل، ولمياء صبت عصير الليمون الساقع في الكوبايات، ومدحت رجع وقف قدام الشواية وابتسم لي وقال: “تسلم إيدك يا بهيرة.. اللحمة ريحتها تجنن وتفتح النفس.”
​قعدنا كلنا على الترابيزة الخشب الطويلة، ضحكنا وأكلنا واتكلمنا، والأكل فضل منه كتير فعلاً.. بس المرة دي، الأكل الباقي راح للناس اللي تستاهله، الناس اللي بتقول “شكراً” و”تسلم إيدك” من قلبها، مش الناس اللي جاية تعبي في علب وتذم في صاحب البيت.
​عرفت يومها إن الكرم من غير حدود بيبوظ النفوس، وإن كلمة “رجع الأكل ده” مكانتش مجرد تلات كلمات.. دي كانت شهادة ميلاد جديدة لكرامتي جوة بيتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *