شرم
الجزء الأول: الخذلان ملوش مبرر
— مش هنضيع تذاكر طيران شرم الشيخ عشان حادثة يا ملك. أخوكي طارق بقاله شهور مستني السفرية دي ومصدق يفك عن نفسه.
ده كان رد أبويا عليا، وأنا على سرير مستشفى الدمرداش في العباسية، بترجاه بس يشيل بنتي اللي عندها شهرين ليلة واحدة.
أنا عندي 35 سنة، مديرة مالية في شركة حديد وصلب كبيرة، وكنت مرتبة كل تفصيلة في حياتي كـ “أم عزباء”. معايا تحويشة محترمة، تأمين طبي، لبن صناعي وطبيعي متخزن في الفريزر، وليستة طوارئ كاملة متعلّقة على التلاجة. وفي الليستة دي، أول اسمين كانوا أبويا وأمي: عصام ونجوى.
هما نفسهم اللي كانوا بيتحايلوا عليا ويقولوا:
— فريدة عمرها ما هتبقى لوحدها يا بنتي.
— لو جرى لك حاجة، هنكون عندك قبل الإسعاف ما توصل.
بس في الموقف ده، لما تريلا فرملت فجأة على طريق السويس، وتلات عربيات لبسوا في بعض وكنت أنا في النص، كل الوعود دي طارت في الهواء في ثانية.
فوقت من الحادثة على ريحة صاج محروق وأكياس الأيرباج. كان عندي ارتجاج في المخ، وكسر في المعصم، وشرخين في الضلوع. مكنش في دماغي غير فريدة. نيرمين جارتي وصاحبتي كانت معاها في الشقة على ما أروح الصيدلية أجيب علاج. كانت قايلة لي “ثلث ساعة” مش ليلة كاملة!
في الطوارئ، الدكتورة قالت لي مستحيل تخرجي النهاردة تحت الملاحظة.
كلمت أبويا وأنا متأكدة إنهم حاميين ضهري.
— إحنا خلاص بنحمل الشنط وفي طريقنا لمطار القاهرة — رد عليا ببرود.
— يا بابا أنا محجوزة في المستشفى! ونيرمين لازم ترجع لبيتها وعيالها. أنا محجوزة ومحتاجة بس حد منكم يبيت مع فريدة الليلة.
سمعت صوت أمي من بعيد بتقول:
— لو كانت الأسبوع الجاي يا حبيبتي كنا جينا جري، معلش بقى!
— بس الحادثة حصلت النهاردة مش الأسبوع الجاي!
أبويا نفخ بزهق:
— ملك، إنتي بتشوفي مشاكل شركات بمليارات كل يوم وبتمليها وحلالة مشاكل. اتصرفي وكلمي أي حد.
قفلت السكة من غير ولا دمعة. في حاجة جوايا مش اتكسرت، دي اتطفت تمامًا.
بقالي 22 شهر، ببعت لهم تحويل شهري بـ 82 ألف جنيه. أبويا كان ملمّح إن قسط الشقة اللي في التجمع، والتأمين الصحي، ومصاريف الحياة هتقطم وسطهم. عمري ما طلبت كشف حساب. ولما فكرت ألمح للموضوع مرة، قالي: “عيب، لما تحققي مع أبوكي وأمك تبقى قلة ثقة وإهانة لينا”.
من على سرير المستشفى، كلمت مكتب يبعت لي مربية أطفال حديثي الولادة بالتبادل. بعد لف ومكالمات، وصلت لـ “شيماء”، ممرضة أطفال معتمدة. نيرمين جارتي شافت ورقها واستنتها لحد ما استلمت البنت.
ساعتها، فتحت أبليكيشن البنك الأهلي على الموبايل.
“مصاريف الأهل: 82,000 جنيه”.
ودست: إلغاء التحويل الدوري.
بعدها كلمت تيتة “خديجة”، اللي أبويا كان بقاله سنين بيقول عليها ست حشرية وبتحب المشاكل والتحكم.
وصلت المستشفى بعد نص الليل، شعرها الأبيض ملموم، ولابسة عباية شيك، وفي حضنها “أجندة حسابات لونها أحمر” كأنها ماسكة كنز.
حطت الأجندة على السرير، شالت الأستك اللي قفلها، وبصت لي بنظرة زعل وعياط خلت جسمي يقشعر أكتر من وجع الحادثة.
قالت لي بصوت واطي:
— قبل ما تفكري تدفعي لهم جنيه واحد تاني… لازم تشوفي فلوسك دي كانت بتروح فين بالمليم.
فتحت أول صفحة وشاورت بصابعها على رقم:
— يا ملك، أبوكي وأمك مخلصين قسط شقة التجمع دي من 7 سنين وفلوسها مدفوعة بالكامل!
واللي ظهر في الصفحة اللي بعدها… كان أنيل وألعن بكتير.
الجزء الثاني: كشف المستور
اسم أخويا كان بيتكرر في كل صفحة تقريبًا.
طارق عصام: قسط العربية الكيا. طارق عصام: مديونية الفيزا الكارت. طارق عصام: رأس مال لـ “مشروع جديد”. طارق عصام: إيجار متأخر. طارق عصام: مقدم حجز رحلة شرم الشيخ.
كل تحويل مني كان بيدخل حساب أبويا وأمي، وبعدها بكام يوم، يتقسم بين مصاريف طارق، ومطاعم، وخروج، وسفريات، وشوبينج.. حاجات ملهاش أي علاقة بمرض أو ببيت هيروح.
سألتها واستغرابي بيزيد:
— وإنتي عرفتي كل ده منين يا تيتة؟
تيتة خديجة كانت شغال بقالها 40 سنة في الحسابات والمراجعة. ومن كام شهر، أمي طلبت منها تبص على حركات في الحساب بحجة إن البنك سحب فلوس مرتين غلط. مكنش فيه سحب غلط ولا حاجة، كان فيه فلوس بتدخل مني، وخروج مستمر لطارق.
اعترفت لي تيتة بحزن:
— أبوكي قالي إنك عارفة كل حاجة، وقالي إنك موافقة تشيلي مصاريف البيت والأسرة كلها.
رديت بصدمة:
— أنا وافقت عشان البيت ميروحش منهم وميترموش في الشارع!
— البيت مدفوع تمنه بالكامل يا بنتي، وتأمينهم الصحي بتاع المعاش شغال ومغطي كل حاجة. ودخلهم من المعاش يكفي وزيادة أكل وشرب ومواصلات. اللي مش قادرين يشيلوه هو المظاهر الكدابة والمنظرة اللي عايشين فيها.
حسيت بغثيان وعايزة أفرغ اللي في بطني. 82 ألف جنيه في 22 شهر.. يعني مليون و804 ألف جنيه!
تيتة طلعت كشف حساب تاني وزقته قدامي. التحويل الأخير بتاعي هو اللي دفع تمن رحلة شرم الشيخ! الرصيد اللي كان معاهم مكنش يكفي يحجزوا الفندق والطيران.
— يعني هما مولوا فسحتهم من فلوسي؟
— أيوه.
— ولما طلبتهم يشيلوا بنتي فريدة رفضوا عشان مش عايزين يضيعوا السفرية اللي أنا دافعة تمنها؟
— أيوه يا بنتي.
الساعة 4 الصبح، بعتّ رسالة لأبويا وأمي: “فريدة في أمان، والتحويل الشهري اتلغى، وأنا عرفت كل اللي بيحصل في الحسابات والبنك”.
أبويا اتصل بيا في ثانية.
— إنتي عملتي إيه؟
ولا حتى سأل على دماغي، ولا ضلوعي، ولا حتى سأل على حفيدته!
رديت ببرود:
— جبت ممرضة تقعد مع البنت، ووقفت الفلوس.
زعق في التليفون:
— جدتك دي ملهاش أي حق تفرّجك على حسابات وخصوصيات تانية!
— الفلوس دي فلوسي أنا والتحويلات تحويلاتي. إنتوا استخدمتوا آخر تحويل ليا عشان تسافروا شرم الشيخ؟
حصل حبل صمت طويل ومخيف.
— إحنا بنستخدم حسابنا عشان سفرية عائلية، إيه المشكلة؟
— إنت قولت لي إن الفلوس دي عشان الشقة م تضيعش منكم!
— إنتي بتكسبي أكتر مننا كلنا يا ملك! ومساعدتك لينا عمرها ما جوعتك ولا أثرت عليكي.
هنا ظهرت الحقيقة كاملة وبشاعتها: بالنسبة له، الكدبة متبقاش مصيبة طالما الضحية معاها فلوس وتقدر تدفع.
أمي خطفت منه التليفون:
— ملك حبيبتي، إنتي تعبانة من الحادثة وأعصابك مشدودة. هنتكلم لما نرجع.
— الأشعة والكسور مش بتألف كشوف حسابات يا أمي.
— إحنا عمرنا ما كنا عايزينك تحسي إننا بنستغلك.
— أمال كدبتوا عليا ليه؟
مردتش.
بعد كام ساعة، الدكاترة كتبوا لي على خروج. تيتة خديجة أخدتني وروحنا البيت. شيماء الممرضة فتحت لنا الباب وقالت لي بتقرير مفصل عن كل رضعة، وكل غيار، وكل دقيقة نوم نامتها فريدة. لما حطوا بنتي في حضني، عيطت ودموعي نزلت على شعرها الصغير، لأني مكنتش قادرة حتى أشيلها لوحدي من الوجع.
خلال الأيام اللي بعد كده، أبويا ميبطلش رسائل عن مدفوعات “عاجلة ولازم تدفع”. وطارق أخويا كلمني وقالي إني بهد البيت وبخرب العيلة عشان ليلة طلبت منهم يقعدوا مع البنت فيها!
سألته:
— وإنت دفعت كام بقى في السفرية دي؟
— بابا وماما هما اللي دفعوا.
— بفلوسي أنا.
سكت ومطقش.
بعد تلات أيام من رجوعهم من شرم الشيخ، أبويا وأمي ظهروا عند باب شقتي من غير ميعاد. أبويا حاول يفتح الباب بالمفتاح بتاعه.. بس أنا كنت خلاص غيرت الكوالين كلها.
لما فتحت الباب، كنت حاطة جبيرة على معصمي. وعلى ترابيزة السفرة، كانت الأجندة الحمراء والورق كله مفتوح وفيه كل الأدلة.
أبويا دخل، بص للأجندة وقالي بثقة كدابة:
— فيه حاجات جدتك لسه مقالتلكيش عليها.
أمي وطت راسها في الأرض.
ساعتها فهمت إن الكدبة الكبيرة دي مكنتش فكرة أبويا لوحده، أمي كانت شريكة فيها.
الجزء الثالث: مواجهة الحقائق والنهوايات
أبويا فضل واقف، كأن قعدته على الكرسي معناها إقرار إن البيت ده مابقاش تحت طوعه ولا له كلمة فيه.
سألت ببرود:
— حاجات إيه تانية؟
أمي فركت إيديها ببعض بتوتر. كانت شايلة الشنطة البراند اللي ظهرت بيها في صور شرم الشيخ، الصور اللي اتصورتها وأنا بتعلم إزاي أرضع بنتي وأشيلها بإيد واحدة مكسورة.
وقالت بصوت واطي:
— عصام.. خلاص مبقاش ينفع نخبي أكتر من كده.
بص لها بنظرة حادة كأنه بيسكتها:
— بلاش دراما وتكبير للأمور.
فتحت الأجندة قدامهم:
— هتقولوا بنفسكم ولا هقعد أراجع حركة حركة وأعرف لوحدي؟
أمي أخدت نفس طويل:
— أول مرة طلبنا منك فلوس، كنا فعلاً مزنوقين وخايفين. طارق كان ضامن صاحبه في مشروع، والمشروع خسر وطالبوه بفلوس ووصولات أمانة. أبوكي خاف لو قولنا لك الحقيقة ترفضي تساعدي أخوكي.
— وتقوموا تألفوا قصة قسط الشقة؟
— أبوكي قال فترة وهتعدي وهتكون مؤقتة.
— الـ 22 شهر دول بقوا فترة مؤقتة؟
أبويا قعد أخيرًا وقال:
— إحنا بنساعد أخوكي عشان مستقبله ميروحش في الداهية ويموت من الجوع.
— طارق مكنش حيلته حاجة يخسرها غير العربية الكيا اللي مش عارف يدفع قسطها ومشروع تاني فاشل ومصمم يعمله.
— إنتي مش عارفة هو عانى وشاف إيه!
— أنا عارفة ومستوعبة أنا دفعت كام من جيب ومجهودي وشقايا.
أمي بدأت تعيط. طول عمري، دموعها كانت بتوقف أي خناقة وتخليني أتنازل. المرة دي، فضلت واقفة مكاني ومتهزتش.
اعترفت وهي بتبكي:
— أنا كنت عارفة إن الشقة مدفوعة.. وعارفة إن التأمين الصحي شغال. بس سبت أبوكي يقولك كده لأني قولت إنتي معاكي وتقدرني، وطارق غلبان ومش معاه.
— وكنتي عارفة إن فلوسي هي اللي دفعت رحلة شرم الشيخ؟
هزت راسها بـ “آه”.
— الشركة بتاعة السياحة طلبت باقي الفلوس، وأبوكي قال إحنا خلاص وعدنا الولد بالسفرية دي ومستنيها.
— ولما كلمتكم من المستشفى وأنا مكسورة؟
أمي غمضت عينيها:
— قولت نيرمين جارتك هتشيلها معاها وخلاص.
— أنا قولت لكم بوضوح إنها مش هتقدر!
— قولت هتتصرفي وتلاقي حل تاني.
الكلمة دي وجعتني أكتر من رفضهم الأولاني. هما مكنش عندهم شك إني هعرف أتصرف؛ هما كانوا معتمدين على ده! شطارتي وقوتي كانت المبرر اللي ريح ضميرهم عشان يسيبوني ويجروا.
أبويا خبط بصوابعه على الترابيزة:
— خلاص بقا وجع دماغ! إحنا غلطنا، بس متجيش تقطعي فجأة مبلغ قريب من المليون جنيه في السنة! إحنا رتبنا حياتنا والتزاماتنا على الدخل ده.
— رتبتوا حياتكم على فلوس جاية من كدبة ونصب!
— في أي عيلة، اللي معاه أكتر بيشيل أكتر.
— وطارق شال إيه؟
— طارق بيحاول يقف على رجله.
— طارق عنده 31 سنة! إنتوا خليتوا كل خيبة وفشل بيعمله كارثة تقع فوق دماغي أنا وأنا اللي أدفع تمنها!
نفسي ضاق وحسيت بوجع الضلوع المكسورة بيسمع في صدري. سكتّ كام ثانية عشان أجمع نفسي وكملت:
— لما قررت أكون أم لوحدي، سألتوني لو كنت متأكدة. قولت لكم مش طالبة منكم تربوا بنتي، أنا بس كنت محتاجة أعرف إن في الطوارئ والزنقة بجد، هلاقيكم في ضهري زي ما وعدتوا. وأول مرة أحتاجكم، فضلتوا الفسحة والمرقعة عليا وعلى بنتي.
أبويا قاطعني:
— الموضوع مش كدا خالص.
— لأ هو كدا بالظبط وبدون تجميل.
من شاشة جهاز مراقبة الأطفال، سمعنا صوت أنين صغير من فريدة، وبعدها صوت شيماء الممرضة وهي بتهديها بحنية.
أبويا بص ناحية السلالم والأوضة وقالي بتهكم:
— يعني إنتي جايبة واحدة غريبة تعيش معاكي هنا، وإحنا مغيرالنا كوالين الباب؟
— شيماء ورقها سليم وموثوقة، وقالت هتعمل إيه وعملته. إنتوا وعدتوا بكتير ومحركتوش صباع واحد.
— إحنا أجدادها!
— دي صلة قرابة في البطاقة، مش شيك على بياض ولا تصريح مفتوح ليكي.
أمي رفعت عينيها المدمعة:
— يعني مش هتعمرينا نشوفها تاني؟
— مش هتقعدوا معاها لوحدكم. مش هيكون معاكم مفتاح للبيت. مش هتيجوا من غير إذن وميعاد. مش هتدخلوا أطراف تانية من العيلة عشان تضغطوا عليا. وعمركم ما هتطلبوا مني جنيه تاني بحجة إن فيه مصيبة أو طوارئ.
أبويا ضحك بمرارة:
— إنتي بتعاقبينا.
— أنا بحمي بنتي.
— إنتي بتهدي العيلة دي وتخربيها عشان شوية فلوس!
هزيت راسي بالنفي:
— الفلوس كشفت بس الغطاء عن العيلة اللي كانت مهدودة ومخروبة أصلاً من زمان.
أمي كانت مستنية منه يعتذر، وهو كان مستني مني أرجع في كلامي وأخاف. محدش فيهم نال اللي هو عايزه.
أبويا قالي وهو قايم:
— لو فضلتي على الشروط دي، علاقتنا عمرها ما هترجع زي الأول.
— وأنا عارفة ده وموافقة عليه.
قام ومشي ناحية الباب، وأمي مشيت وراه، وقبل ما تخرج اتلفتت لي وقالت:
— أنا عمرى ما تمنيت إن الموضوع يخلص بالشكل ده.
وكنت مصدقاها.
بس فهمت برضه إن البني آدم ممكن يندم على النتيجة، بس يفضل هو المسؤول الأول عن السبب اللي وصل الكارثة دي لهنا.
وقولت لها:
— إنتي مكنتيش على الحياد يا أمي. كل مرة سكتي فيها، كنتي بتختاري تصدقي كدبه وتدعميه.
هزت راسها مرة واحدة وخرجت وقفت الباب وراها.
الهدوء اللي رجع في شقتي كان واجعني، بس كان هدوء نضيف. مكنش فيه وعود كدابة ولا تهديدات متغطية بكلمة “حبيبتي ويا بنتي”.
ميعاد التحويل القديم جه بعد أسبوعين. أبويا وأمي شقتهم مطارتش ولا ضاعت. تأمينهم الصحي متلغاش. النور مقطعش عنهم ولا ماتوا من الجوع. اللي وقف بالظبط هو الرفاهية والمنظرة الكدابة: قسط عربية طارق، الأكل في المطاعم الغالية كل شوية، سفريات الويك إيند، والفلوس اللي بتترمى في مشاريع طارق الفاشلة.
وأنا في فترة تعافي، رتبت كل حاجة تخص أمان فريدة. شيلت أسامي أبويا وأمي من قايمة الاتصال بالطوارئ. نيرمين جارتي وافقت تكون هي الدعم السريع ليا بس في حدود واضحة. وتيتة خديجة بقت هي المفوضة بالقرارات الطبية لو جرى لي حاجة، ورغم إن محدش فينا أنكر إن ست عندها 81 سنة مش هتقدر تشيل طفلة لوحدها، بس المكتب بتاع شيماء الممرضة رتب معايا نظام رعاية وبدائل محترمة ومحترفة. حدّثت كل ورقي، كبّرت صندوق الطوارئ المالي بتاعي، وكتبت كل التعليمات على ورق رسمي.
فهمت ساعتها إن الأمان مش إنك تسمع كلمة “إحنا معاكي دايماً”، الأمان الحقيقي هو إنك تكون عارف مين هيعمل إيه بالظبط وتحت أي ظرف.
التعافي الجسدي كان تقيل وبطيء. كنت بكره إني مش قادرة أشيل فريدة وهي بتعيط. وبكره إني معتمدة على شيماء عشان تحميها وتغسلها وتعمل كل حاجة. ساعات بالليل كان يجيلي جلد ذات وإحساس بالذنب: يمكن قسيت عليهم؟ يمكن لما طلبت منهم ليلة واحدة كنت بطلب كتير وضغطت عليهم؟
لما الأفكار دي كانت بتيجي، كنت بفتح كشوف الحسابات والأجندة الحمراء. مش عشان أسخن نفسي وأغضب، لأ، عشان أفكر نفسي إن الإحساس بالذنب ده عاش سنين طويلة بيخليني أشوف الحقائق والحدود كأنها قسوة مني.
أبويا م بقاش يتصل بيا خالص. وراح حكى لقرايبنا إن جدتي خديجة لعبت في دماغي واستغلت إني كنت تعبانة وفي المستشفى عشان تقلبني عليهم، وإني رميت اتنين على المعاش في خطر. للي كانوا يهموني بجد، بعتّ لهم توضيح واحد في رسالة: الشقة مدفوعة وتمنها كاش، دخلهم مغطي أساسياتهم، وفلوسي كانت بتروح لحتت تانية خالص. وبعدها مبقتش بدافع عن نفسي قدام حد.
طارق أخويا أخد وقت عقبال ما يستوعب الصدمة.
في يوم العصر، ظهر عند باب بيتي. محاولش يدخل. كان لابس بنطلون جينز قديم ومكنش راكب العربية الكيا؛ كان جاي بعربية أوبر.
قالي بهدوء:
— أنا بعت العربية.
رديت:
— ده الصح والمنطقي.
— بابا متغاظ مني ومقاطعني.
— دي مشكلتكم مع بعض، ماليش دعوة بيها.
بص للجبيرة اللي في إيدي، واللي بقت أصغر وبدأت أفكها:
— أنا مكنتش أعرف إن الموضوع واصل للدرجة دي وبالمصايب دي.
— كنت عارف إني ببعت فلوس. وعارف إن أبويا وأمي بيسدوا ديونك وخيبتك. إنت اللي اخترت متسألش الفلوس دي جاية منين ومين بيشقى فيها.
بص في الأرض:
— كنت فاكر بابا شايل تحويشة على جنب.
— وكنت عارف برضه إني لسه مكلمياكم وبقولكم أنا محتاجة مساعدة وعاملة حادثة.
— مكنتش أعرف الرقم كام بالظبط.
— كنت عارف اللي يكفيك عشان تعيش مستريح وعلى قفا غيرك.
طارق أخد نفس عميق:
— أنا نزلت شغل فول تايم (دوام كامل) في شركة شحن ولوجستيات. مش ده الكاريير اللي كنت بحلم بيه، بس بيدي مرتب كويس. وأنا هرد لك فلوس رحلة شرم الشيخ دي بالمليم.
— الفلوس لما ترجع مش هترجع الثقة اللي اتهدت يا طارق.
— أنا عارف ده.
دي كانت أول مرة يتكلم من غير ما يجادل أو يحاول يلوي الحقائق عشان يطلع نفسه صح ويخليني ألين.
بعد شهرين، ظهر تحويل في حسابي. كان رقم صغير مقارنة باللي اتصرف، بس مكتوب في خانة الملاحظات: “الدفعة الأولى من رحلة شرم”. طارق فضل يبعت مبالغ كل شهر. علاقتنا فضلت بعيدة وجافة.. وأنا مبقتش بجرى عشان أصلح البعد ده أو أملى الفراغ.
أمي هي اللي أخدت الخطوة الحقيقية الأولى.
جالي منها إيميل (بريد إلكتروني) وعنوانه: “المحاسبة كاملة”. أرفقت فيه كشوف حسابات تانية تيتة خديجة مكنتش شافتها، وورقة كاتبة فيها بالتفصيل كل تحويل مالي مني راح فين بالمليم بعد ما دخل حسابهم.
وفي رسالتها، اعترفت إنها كانت عارفة الحقيقة من أول يوم. وكتبت إنها كانت بتصبر نفسها وتخلق مبررات وتكذب على روحها بتلات حجج: “ملك معاها وتقدر تدفع”، “طارق محتاج الفلوس دي أكتر منها عشان ميضيعش”، و”لو وقفت في وش عصام، البيت والعيلة هيتخربوا”.
وبعدين كتبت في الإيميل: “سكاتي ده مخليتنيش على الحياد.. أنا اخترت أقف في صف أبوكي في كل مرة سمحت له فيها إنه يكدب عليكي”.