فريدة حصري لصفحة روايات رولا
طارق دخل الشقة والشنطة في إيده، وشه كان خاطف لونين، حرفياً زي الليمونة المصرورة. كان ماسك علبة الكرتون اللي فيها ورق القض..ية وإيده بتترعش، وبصلي وهو مش قادر يجمع الكلمتين على بعض.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
”إيه ده يا فريدة؟ أنتِ بتهزري صح؟ قض..ية خلع وإتلاف ممتلكات؟”
قعدت على الكنبة بكل برود، حطيت رجل على رجل، وأخدت رشفة من فنجان القهوة السادة بتاعي.
”هو أنا وش هزار يا طارق؟” ردّيت بصوت هادي يدوّخ، “أنت مش قولت إن بنتك محتاجة أبوها وأمها مع بعض؟ أنا بقى ست ذوق، ووزنتها في دماغي.. قولت عيب أقف في طريق لم شمل الأسرة السعيدة. الشقة دي شقتي بقرار تمكين عشان الحضانة بتاعة ابني من جوازتي الأولى، والورق اللي في إيدك ده معناه إنك من بكره الصبح.. متاح ٢٤ ساعة في الـ ٢٤ ساعة لمنة ومامتها.”
الحكاية من أولها (الفلاش باك )
أنا كنت مرتبة لكل حاجة بقالي تلات شهور.
مش ترتيب كروكي كده، لأ.. ده أنا حجزت الشاليه اللي علقتنا بيه ذكريات في الجونة، وكلمت المطعم اللي على البحر يحضرولنا طربيزة خاصة، وحتى محلات العبد كلمتهم يجهّزوا نفس تورته المانجو اللي كانت في خطوبتنا. طارق كان عارف كل ده، وكان بيهز راسه ويبتسم وهو شايفني بظبط الفنادق على “بوكينج”.
لحد ما جه اليوم الأسود.. لقيته داخل المطبخ وبيقولي وهو باصص في الأرض: “أنا طالع الساحل ورايحين رحلة يخت الأسبوع الجاي.”
”يخت إيه؟”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
”مع منة.. وشرين.” (شرين دي طليقته).
لما سألته عن عيد جوازنا، رد ببرود مستفز: “منة نفسيتها تعبانة وعايزة بابا وماما معاها.. أنتِ مكبرة الموضوع ليه؟ أنتِ مراتي وشايلة اسمي، لازم تستحملي!”
الضربة القاضية
طارق كان ناسي حاجة مهمة قوي.. هو اتجوزني وأنا “فريدة الهواري”، المحامية اللي مفيش قض..ية أحوال شخصية بتدخل تحت إيدها وتخسرها. العشر سنين اللي عيشتهم معاه في هدوء وطيبة عموه عن الوش التاني.
لما بعتلي الرسالة الصبح: “بنتي محتاجة وجودنا إحنا الاتنين”..
نزلت فوراً على المحكمة، وخلال ساعتين كنت مخلصة كل الإجراءات، وبعتله الرد اللي جاب أجله.
نهاية “برنس الجيل”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
طارق حاول يصرخ، حاول يهدد، وبعدها قلبها عياط وتوسل: “عشان العشرة يا فريدة.. ده أنا كنت بجبر بخاطر بنتي!”
وقفت وفتحت له باب الشقة: “واللي بيجبر بخاطر بنته، بيكسر بخاطر مراته وعشرة عشر سنين؟ شنطة هدومك جاهزة عند الباب يا طارق. اطلع على رحلة اليخت بتاعتك.. بس افتكر، وأنت في وسط البحر، إنك طالع برغبتك، بس راجع ومفيش بيت يلمك.”
خرج وهو بيجر رجليه، وأنا قفلت الباب ورايا.. وبدأت أجهز نفسي لرحلة الجونة، بس المرة دي.. لوحدي، ومن غير أي حمل تقيل.
الجزء الثاني: ملف “البرنس” اتفتح
طارق فضل واقف في الصالة زي الغريب اللي دخل شقة مش شقته بالغلط. ورق قض..ية الخلع كان بيترعش في إيده، كرافتته الشيك كانت مبهدلة، وشعره منكوش. لأول مرة من سنين، مابقاش “الزوج الواثق من نفسه” اللي متعود يمشي كلمته، بقى شبه طفل اتمسك وهو بيكسر حاجة غالية.
”فريدة،” قالها بصوت مخنوق، “أنتِ اتجننتي؟”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
كنت قاعدة على سفرة الزبادي بفتح اللابتوب بتاعي، وبكنسل حجز شاليه الجونة بهدوء. الفندق خصم مني مصاريف إلغاء، بس دفعتها وأنا عيني ما رمشتش.
”لأ يا طارق،” رديت وأنا ببص له، “الجنان الحقيقي هو إنك تقول لمراتك إن طليقتك هتاخد أسبوع عيد جوازنا، وتتوقع منها بكل برود إنها تكويلك الهدوم وتحضّرلك الشنطة.”
قرب مني خطوتين: “أنتِ عايزة تتطلقي عشان خروجة؟”
”لأ، أنا هتطلق عشان الخروجة دي خلت الحقيقة واضحة وبتصرخ في وشي.”
جز على سنانه: “حقيقة إيه؟”
”حقيقة إنك متجوزني بس سايب كرسي محجوز لطليقتك في حياتك، وبتطلب مني أنا أقوم واقفة كل ما الست هانم تشرف.”
ضحك ضحكة مكتومة فيها خوف: “أنتِ بتعملي دراما ومكبرة الموضوع.”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
”دراما؟ طب بص كدة.”
لفيت له شاشة اللابتوب. كان في فولدر اسمه “طارق – سيناريو متكرر”.
وشه خطف لون في ثانية. الفولدر كان مليان حوازات فنادق، تحويلات كاش، سكرين شوتس من واتساب، وتواريخ. مكنش فيه خيانة جسدية، بس كان فيه حاجة بتوجع أكتر: ولاء عاطفي كامل لبيته القديم، متغطي دايماً بستار “واجب الأبوة”.
شرين عربيتها عطلانة؟ طارق يدفع الميكانيكي.
إيجار شقة شرين غلي؟ طارق يدفع الفرق.
عايزين عفش لأوضة منة في سكن الجامعة؟ تمام، لحد ما لقيت فاتورة فيها سرير كينج، وملايات ستان، وعشاء في مطعم “رووف توب” لثلاثة أشخاص في ليلة طارق قال لي فيها إنه سهران في الشغل!
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
كل موسم وله حجة، وكل مصيبة بتطلع فجأة في تاريخ مميز. وكل ما كنت بطلب حدود، كان بيقول لي: “أنتِ مش فاهمة ديناميكية العيلة المخلطة”.
”أنا مكنتش هبلة يا طارق،” قولتله بصوت واطي، “أنا كنت صابرة.”
ريق ناشف وقال: “مش من حقك تتجسسي على خصوصياتي.”
”ومش من حقك تاخد من فلوس بيتنا وتعمل حساب سري لبيتك القديم.”
شاور على ورق المحكمة: “نتكلم يا فريدة.”
”اتكلمنا كتير.. وكنت بتقول عليا نكدية، وغيرانة، ومعقدة، وخارجة من الفريزر.”
تلفونه اتهز على الترابيزة.. اسمعي مين؟ شرين. طبعاً.
ابتسمت، وهو لقط الابتسامة.
”رد عليها،” قولتله.
رفض يمسك التليفون، فكملت كلامي: “أنا كلمت شركة اليخوت في الساحل.”
برق بعينه: “عملتِ إيه؟”
”كنت عايزة أعرف ليه منة محتاجة بابا وماما معاها في رحلة يخت رومانسي محجوز بنقاط الولاء بتاعة الست شرين. موظف الحجز قال لي إن اليخت فيه كابينتين؛ كابينة جناح رئيسي باسمك أنت وشرين، وكابينة داخلية صغيرة لمنة.”
طارق مابقاش قادر ينطق. اللحظة دي.. الكدبة ماتت ومبقاش ينفع تتصلح.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
قفلت اللابتوب.
”بنتك مش محتاجة الأبوين يا طارق، شرين هي اللي عايزة طليقها جنبها في البحر، وأنت كنت عايز حجة نبيلة عشان تروح وتعيش الدور.”
قعد على الكرسي كأن ركبه مش شايلاه: “فريدة، أنا هصلح كل ده.”
وقفت وأخدت شنطتي: “لأ مش هتصلح. بس هتلحق رحلة اليخت.. أنا حضرتلك شنطتك، هتلاقيها جنب باب الجراج.”
نفسه هدي لثانية وافتكرها شنطة هدوم السفر، فكملت كلامي: “وحضرت معاها كل حاجة تخصك في البيت ده.”
الجزء الثالث: اللمّ أهو يا برنس
مشيت في الممر وطارق ورايا، والراحة اللي في وشه بدأت تتبخر خطوة ورا خطوة.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
باب الجراج كان مفتوح.
جنب الباب، كنت رصّيت ست كراتين سوداء كبار، وتلات شنط بدلات، كرتونتين فيهم دروع وميداليات دوري الشركات بتاعته، وشهادة التخرج بتاعته من حقوق، والشنطة الشيك اللي كنت شارياهاله في عيد جوازنا الخامس.
بص للحاجة كأنها حرز في قض..ية: “أنتِ بتطرديني؟”
”أنا مش بطردك، أنا بديك اللي أنت طلبته.. مش قولتلي لازم أستحمل وأفهم؟ أنا فهمت خلاص.”
مسح وشه بإيديه: “فريدة عشان خاطري، خلينا نهدى وناخد وقتنا.”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
دي طريقة طارق المفضلة؛ لما القرار يخصني أنا ويوجعني، بيبقى سريع زي الطلقة. لما شرين تتصل، بيبقى فيه حالة طوارئ فورية. لكن لما آخد قرار لنفسي، يقولك “نهدى وناخد وقتنا”.
”أنا بقالي عشر سنين بتهدّج يا طارق. هديت لما سيبت أول عزومة رمضان عند أهلي ونزلت عشان شرين قالتلك السخان بيطلع صوت. هديت لما مأجبرتش بخاطر أمي وهي داخلة تعمل عملية عشان منة كانت بتنقل السكن والوضع كان محتاج ‘الأبوين’ مع بعض في فندق. هديت لما قولتلي بلاش تيجي حفلة تخرج منة عشان شرين متتحرجش!”
بص في الأرض: “العشاء ده كان عشان منة.”
”لأ، كان عشان شرين تسيطر على التربيزة، وأنت تسيبها تسيطر.”
صوته وطي: “أنتِ طالعة بشرين شيطانة عشان تداري إنك بتلوميني أنا.”
بصتله باستغراب: “برافو.. دي أول حاجة صح تقولها الأسبوع ده. أنا فعلاً لمت شرين سنين، كان أسهل عليا. كانت غلسة، ومستفزة، وبتحب تحسسني إني برا الكادر، وتتصل وإحنا في سينما، وتبعت صور من عزوماكم اللي أنا مش معزومة فيها. بس هي مكنتش هتعرف تعمل كل ده.. إلا لو أنت اللي كنت بتفتحلها الباب كل مرة.”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
عينه دمعت: “مكنتش عايز منة تحس إنها مشتتة.”
”منة عندها ٢٢ سنة، يعني شاحطة وفاهمة هي بتعمل إيه بالظبط.”
وكأن السيرة بتصحي أصحابها، شاشة تليفوني نورت.. منة.
وريتاله الشاشة: “سبحان الله، عمرها ما كلمتني.”
طارق مد إيده: “بلاش تردي.”
فتحت الخط وفتحت السبيكر: “أيوة يا منة؟”
صوتها جه سريع وحاد: “فريدة؟ أنتِ عملتِ إيه في بابا؟”
بصيت لطارق: “معملتش، سلمته ورقه.”
“أنتِ رفعتِ قض..ية خلع؟ أنتِ بتتكلمي جد؟ عشان رحلة؟ بجد تصرف عيل الصغيرين!”
كنت هضحك.. نفس نبرة أبوها بالظبط.
قاطعتها بهدوء: “منة، أنتِ طلبتِ من بابا يجي الرحلة دي عشان محتاجة الأبوين معاكي؟”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
الخط سكت. طارق غمض عينيه.
“يعني.. ماما شافت إنها هتبقى حاجة لطيفة،” منة ردت.
“ده مش سؤالي.”
سكتت تاني: “ده شهر عيد ميلادي.”
“عيد ميلادك في نوفمبر يا منة.”
“بس دي حاجة أنا عاوزاها!”
“وكنتِ عارفة إن الأسبوع ده عيد جوازنا العاشر؟”
مردتش.. وبعدين قالت بصوت واطي: “ماما قالت إنك كدة كدة مش هتمتمي بالموضوع.”
بصيت لطارق وهو بيسمع الكلمة، بس مكنش عندي أي شعور بالانتصار، كنت حاسة بزهد وقرف.
”يا منة، أنا اهتميت لدرجة إني رتبت رحلة بابا وافق عليها بكل تفاصيلها. أنا اهتميت لدرجة إني سكت سنين وأنتِ ومامتك بتتعاملوا مع جوازي كأنه أوضة انتظار لحد ما تخلصوا مشاويركم.”
نفخت بضيق بس ثقتها اتهزت: “أنتِ عارفة إن عنده عيلة من قبلك.”
”عارفة، وهو كمان كان عارف إن عنده زوجة بعدكم.”
طارق همس: “فريدة…”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
هزيت راسي لاء.
منة قالت في التليفون: “بابا؟ أنت سامعني؟”
طارق رد بالعافية: “منة، هكلمك بعدين.”
“إيه؟ لأ.. ماما هتموت من القلق، بتقول فريدة هتاخد كل حاجة!”
ابتسمت.. شرين ماضيعتش وقت فعلاً.
قولت في التليفون: “أنا مش هاخد كل حاجة يا منة، أنا هاخد حقي القانوني اللي اتبنى في العشر سنين دول، وباباكي بقى يفهمك الباقي.”
“باقي إيه؟”
طارق فتح بوقه ومطلعش صوت، فتبرعت أنا بالرد: “الفلوس اللي كان بيحولها من ورايا، والمصاريف اللي طالعة باسم الشغل وهي لبيت مامتك، ورحلة اليخت اللي متباعة في ثوب مصلحة الأسرة.”
منة سكتت خالص، وصوتها قلب لبنت صغيرة مكسورة: “أنا مكنتش أعرف كل ده.”
“مصدقاكي،” قولتلهما، وكنت صادقة.
منة كانت أنانية ومبتفكرش غير في نفسها، بس شرين ربتها على إن طارق “سبوبة ومصدر تمويل”، وإن فريدة “مجرد عقبة”. وطارق كبّر فيهم ده عشان يحس إنه البطل المرغوب فيه دايماً.
المكالمة قفلت على قلق.
طارق قعد على أول درجة في السلم: “أنا عكيت الدنيا.”
بصيت عليه وهو قاعد تحت صورتنا بتاعة الفرح اللي كنت لسه منزلاها من على الحيطة.. الندم مبيجيش غير لما العقاب ينزل، وده ميبقاش ندم.. ده بيبقى خوف.
”فعلاً، عكيتها،” ردّيت.
“أنا هكنسل الرحلة.”
“يا ريت.”
“ومش هتدخل في مصاريف شرين تاني.”
“كان المفروض تعمل كدة من زمان.”
“وهنروح لدكتور علاقات زوجية.”
“أنت فعلاً محتاج دكتور.”
بصلي بلهفة: “طب أنتِ عايزة مني إيه دلوقتي؟”
أخدت نفس طويل.. زمان، السؤال ده كان إجابته سهلة: كنت عايزة أبقى رقم واحد، كنت عايزة راجل يختارني من غير ما أهدده بالمحكمة، كنت عايزة أعياد جواز متتأجلش، وأجازات مفيش حد يقطعها، ومواسم محركش فيها دور الكومبارس. كنت عايزة أبطل أحارب ست هو سابها من ١٥ سنة!
بس الرغبة في الشيء مش معناه إنه لسه موجود.
”عايزاك تمشي الليلة دي،” قولتله.
وشه اتخطف: “فريدة!”
“روح فندق، روح لشرين، نام على اليخت.. مبقتش تفرق معايا. بس مش هتبات هنا.”
وقف على رجليه: “بس ده بيتي أنا كمان!”
“عشان كدة أنا رفعت القض..ية رسمي وقانوني، ومحاميتي هتكلم محاميك. مش هغير قفل الباب، ومش هرمي حاجتك في الشارع بفضائح، أنا بخلص الموضوع بنظافة.”
بص لحاجته المرصوصة: “بنظافة؟”
“أنظف بكتير من الطريقة اللي عاملتني بيها.”
فضلنا باصين لبعض ثواني طويلة.. بعدين مد إيده وأخد الشنطة الشيك بس، وساب الكراتين. كأنه لسه بيكدب على نفسه إنها غضبة وهتعدي.
عند الباب لف وقال: “أنا عمري ما خونتك يا فريدة.”
هزيت راسي: “عارفة.”
عدم وجود خناق وجعه أكتر.
“دي حاجة تتحسبلي برضه،” قالها.
“كانت بتتحسبلك.. وللأسف، حسبتها أكتر من حقها لسنين.”
ومشي.
البيت مكنش فاضي بعد ما مشي، وده فاجأني. كنت فاكرة إن الحزن هيملى المكان والحيطان هتفكرني بيه. بالعكس.. الدنيا بقت هادية وساكتة، نفس السكوت اللي بيحصل لما المكنة اللي مطلعا عينك تقف فجأة عن الشغل.
دخلت المطبخ وفتحت فايل عيد الجواز.. أغلب حجوزات الجونة كانت غير قابلة للاسترداد، بس صاحب المطعم اللي هناك بعتلي إيميل ذوق جداً بيقولي إنه ينفع يعدل الحجز لفرش لشخص واحد بدل شخصين.
بصيت للإيميل.. ودوست “تأكيد”.
بعد تلات أيام، كنت في الجونة لوحدي. الشاليه كان هادي، والبحر كان بيلمع، ونسمة الهوا كانت بترد الروح. كلمت محل الحلويات وطلبت تورتة المانجو، ولما البنت سألتني أحط كام شمعة؟
قولتلها: “عشر شمعات.. بس مش لعيد الجواز، تمن سنوات الخدمة الشاقة.”
البنت ضحكت وهي مش فاهمة أنا بتكلم بجد قد إيه.
يوم السبت بالليل، اللي هو كان تاريخ عيد جوازنا الحقيقي، كنت قاعدة قدام البحر ولابسة فستان أبيض خفيف ومقض..ية ليلتي في سلام. تلفوني اتهز.
الساعة ٧:١٢ بالليل، طارق بعت: “أنا كنسلت الرحلة. شرين هتموت من الغيظ ومنة مابتكلمنيش. أنا آسف يا فريدة.. أنا شفت كل حاجة بوضوح دلوقتي.”
قريتها مرتين.. وقلبت التليفون على وشه.
الساعة ٨:٠٣ بالليل، رسالة من رقم غريب.. كانت شرين: “أنتِ خربتي البيت والأسرة.”
كنت هرد.. بس عملتلها بلوك.
ده الفرق بين فريدة بتاعة زمان وفريدة اللي قاعدة قدام البحر دلوقتي. فريدة القديمة كانت هتكتب جرايد وتبرر وتثبت إنها مظلومة وتجيب أدلة عشان تخلي ناس مابتفهمش تفهم بالعافية. فريدة الجديدة عرفت إن راحة البال مش محتاجة جمهور.
قض..ية الخلع قعدت سبع شهور.
طارق في الأول كان بيقاوم، مش بعنف بس بالعاطفة؛ يبعت إيميلات طويلة يفكرني بأيام خطوبتنا، ورحلتنا لأسوان، واليوم اللي رقصنا فيه تحت المطر.. الرجالة بيبقوا شاطرين قوي في النوستالجيا لما الحسابات المادية تبدأ تظهر.
المحامية بتاعتي تولت كل حاجة.
الفحص المالي طلع بلاوي أكتر مكنت أتوقع؛ طارق مكنش بيسرق الشقى، بس كان بيميع الخطوط؛ تحويلات لشرين تحت مسمى “استشارات هندسية”، وفواتير وهمية مفيش وراها بضاعة.. حاجات متوديهوش السجن، بس تخلي القاضي يبص له بقرف في الجلسة.
شرين اختفت تماماً من الصورة أول ما عرفت إن الورق المالي هيجيب رجلها ورجل حساباتها.
ومنة كلمتني مرة واحدة في مارس، رسالة صغيرة: “أنا مكنتش فاهمة ماما كانت بتطلب منه إيه بالظبط.. أنا آسفة على اللي قولته.”
استنيت ٢٤ ساعة ورديت: “شكراً يا منة.. أتمنى تعملي لنفسك حدود صحية غير اللي شوفتيها في بيتك.”
بعتتلي قلب.. ومبقناش أصحاب، ومش كل جرح لازم يتحول لكوبري يعدينا لبعض.. عادي.
على الصيف، الشقة اتباعت، ونقلت شقة تانية في المعادي، شبابيكها واسعة، بابها لونه أزرق، وحيطانها بكر مفيش عليها ذكرى واحدة مشتركة مع حد. اشتريت أطباق طارق كان هيقول عليها “مش عملية”، ودهنت مكتبي باللون الأخضر الزرعي، وبقيت بنام في نص السرير بالظبط.
يوم حكم الخلع ما طلع، طارق كلمني. رديت عشان كنت عارفة إنها آخر مكالمة.
صوته كان هادي ومكسور: “القاضي حكم.”
“عارفة.”
“أنا آسف يا فريدة.”
المرة دي مكنش خايف، كان تعبان.. ويمكن كان صادق.
“مصدقاكي،” قولتله.
“أنتِ بتكرهيني؟”
بصيت من الشباك على الشمس وهي مغرقة الأوضة: “لأ.”
أخد نفس طويل: “بس مبقتش وحشاني عيشتي معاك.”
السكوت المرة دي كان مختلف.. مكنش صدمة، كان استسلام للأمر الواقع.
“أتمنالك تبقي مبسوطة،” قالها.
“ماشية في السكة.”
بعد ما قفلت، فتحت الدرج وطلعت الفايل القديم.. ورق الحجوزات، الفواتير، الخطط اللي متمتش. حطيت الورق كله في المفرمة.. ورقة ورا ورقة من غير غل، ومع آخر ورقة نزلت، حسيت بحمل على صدري طار.
بعد سنة، رجعت نفس المكان في الجونة، بس المرة دي كانت معايا أختي. كنا بنشرب قهوة، وبنضحك بصوت عالي، واشترينا تورتة مانجو تانية.
وأنا باصة للبحر، أختي سألتني: “عمرك ندمتِ إنك أخدتِ القرار بالسرعة دي؟”
“لأ،” قولت وأنا شايفة الشمس بتغيب، “أنا ندمت إني استنيت كل ده لحد ما هو يديني الإذن إني أبطل أمثل إني سعيدة.”
رفعت كوبايتها: “عشان عمرنا ما نطلب إذن من حد تاني.”
خبطت كوبايتي في كوبايتها.
في بيتي الجديد في المعادي، عملت حياة مش محتاجة تحقيق وراها. مفيش فايلات سرية، مفيش كشف حساب بنكي بشوفه وأنا بطني بتوجعني، ومفيش عيد جواز بندخل فيه في مقايضة ومناقصة مع عيلة قديمة.
لما حد بيسألني جوازك باظ ليه؟ عمري ما بقول “عشان رحلة يخت”.
اليخت كان مجرد المسرح.. الجواز باظ في المطبخ لما جوزي بص في عيني وتوقع مني أقبل بالمركز التاني عشان أنا “ست مؤدبة وبنت ناس”.
باظ لما عرفت إن سكوتي مكنش طيبة وكرم أخلاق.. سكوتي كان بيخليني سهلة التخطّي والنسيان.
الرسالة اللي خلت وشه يلوّن مكنتش قلة أدب، ولا انتقام.. كانت أول جملة حقيقية وصادقة أقولها من سنين:
“أنت متاح ليها ولعيلتك الأولى”.. وأنا أخيراً بقيت متاحة لنفسي.