حنان 5
:
الفصل الثالث عشر
”أوووف بقى! هي مرات أخويا دي مابتتهدش أبدًا؟!”
غمزة قالت الجملة دي وهي واقفة في المطبخ بتغسل المواعين، ورابطة طرحة صغيرة فوق راسها، ولابسة جلابية بيت واسعة وقديمة شوية. ماماتها كانت واقفة جنب البوتاجاز بتطبخ، فغمزة لفت ليها وقالت: “يا ماما سيبي اللي في إيدك ده وأنا هخلصه.”
ماماتها عارضتها وقالت بقلة حيلة: “وإنتي هتلحقي على إيه ولا إيه بس يا بنتي؟”
غمزة لوّت بوزها بسخرية وقالت: “ماتخافيش عليا يا ماما، أنا خلاص اتعودت على الشقى ده.”
الأم بصت لغمزة بحزن وكسرة، ورجعت تقطع البصل ودموعها نزلت من ريحته الحامية. غمزة كملت كلامها بضيق: “أخخخخ.. قوليلي بس هي بتتمنظر وتتكبر علينا كده على إيه؟! إيه السبب يعني!”
الأم اتنهدت بحزن وبصت لبعيد وسرحت وهي بتقول: “من يوم الفضيحة إياها، وأختك سابت البلد بعد ما اطلقت، وأخوكي مابقاش بيفتح بقه معاها ولا بيجادلها.. وهي لقت الفرصة وجاتلها على الطبطاب عشان تتفرعن علينا.”
غمزة بصت لها وسألتها: “صحيح يا ماما، مفيش أي أخبار عن أمل؟ مش عارفة راحت فين ولا أراضيها فين؟”
دموع الأم نزلت بجد، ومسحت عينها بطرف جلابيتها وقالت بصوت مخنوق ومكتوم من العياط: “ماعرفش يا بنتي.. من يوم ما مشيت وأنا ماعرفش عنها الهوا.”
غمزة دمعت هي كمان وقالت بحزن: “وحشتني أوي يا ماما.”
الاثنين قعدوا يعيطوا مع بعض، وفي اللحظة دي دخلت سما المطبخ وهي صارة بوزها وبتتريق، وصرخت فيهم: “جرى إيه! هو أنتوا قالبينها مناحة وغم كده ليه على المسا؟!”
الحما بصت لها بحسم وحذرتها: “سما! الزمي حدودك واحترمي نفسك!”
سما حطت إيدها في وسطها وقعدت تتهز وتقول ببرود: “ليه يا حماتي؟ هو إنتي شايفاني مبعثرة ولا إيه؟”
ابتسام ردت عليها بغيظ وغل: “آه شايفاكي، وعايزة اللي يلمك ويوضبك.. فظبطي نفسك أحسن لك!”
سما عوجت بوقها يمين وشمال، وراحت تفتح الثلاجة وهي بتشوح بإيدها وتقول بضجر: “يااااهووو.. بلا هم!”
فتحت الثلاجة ولفت ليهم وبصت بسخرية: “صحيح.. والله فقر وعنطزة وقلة بخت!”
غمزة ردت عليها بقلشة وسخرية: “سبنالك الغنى يا متواضعة يا بنت الأكابر!”
سما ردت عشان تعايرها وتكسر عينها: “على الأقل أنا مش مطلقة، ولا عيلتي مفضوحة وسيرتها على كل لسان.. أنا لو مكانكم كنت استخبيت وداريت خيبتي ووشي من الناس!”
هنا بقى غمزة ماقدرتش تمسك نفسها ولا تسيطر على أعصابها، قامت حادفاها بأول حاجة طالتها إيدها وكانت معلقة. المعلقة خبطت في فخذ سما، فصرخت من المفاجأة والوجع، وهتفت بغل: “لا بقى! ده الطفح كال بيا وزادت عن حدها أوي!”
وراحت جارية على غمزة ومسكتها من شعرها اللي كان مربوط تحت الطرحة المعقودة لفوق. ابتسام صرخت وجريت عليهم وهي بتقول: “يا نهارك أسود يا سما الكلب!”
وشدت سما من شعرها المنكوش، ف سما قعدت تصرخ وهي بتحاول تسلك شعرها: “سيبيني يا ولية يا كركوبة! سيبيني يا خرفانة يا خرقاء!”
غمزة بقى مسكت سما ونزلت فيها ضرب ولكمات، وكانت بتضرب بغل كأنها بتنتقم من كل الأيام اللي فاتت وتآمر سما عليها وتحكماتها ولسانها الطويل. وسما كانت بتصرخ بصوت عالي ومسرسع زي مغنيين الأوبرا: “يا عيلة بيئة! يا مطلقة! يا أرض بور! ياااا…”
عند الكلمة دي بالذات (أرض بور)، غمزة اتعمت من الغضب وزودت الضرب واللكمات والركلات، لأن الكلمة دي لمست جرحها وعايرتها في أكتر حاجة بتوجعها.
الأم (ابتسام) حاولت تشد بنتها وتبعدها عن سما، بس غمزة كانت زي المغيبة ومش حاسة بنفسها، ودموعها نازلة وبتضرب بكل قوتها. ولما إيدها وجعتها من كتر الضرب، سابتها وطلعت تجري برا المطبخ وهي منهارة، وقعدت على أقرب كرسي وفضلت تعيط بحرقة وشهقات عالية. خلاص طاقتها خلصت ومش قادرة تستحمل أكتر من كده. سألت نفسها بصوت واطي ومبحوح: “ليه؟ ليه يا رب بيحصل فيا كل ده؟ رحمتك بيا يا رب.. رحمتك.”
سما طلعت من المطبخ وراحت وراها وشعرها منكوش وواقف زي ما يكون ضربها سلك كهربا، وبشرتها البيضا الموردة معلم عليها صوابع غمزة وزرقا. صرخت في غمزة بوعيد: “والله لوريكي يا حقيرة يا جربوعة.. اصبري عليا بس، والله العظيم لمشيكي من هنا زي الكلبة الذليلة ما أكونش أنا سما!”
مشت خطوتين وبعدين رجعت تاني تصرخ فيها وبتتريق: “هههه! لو كان عندك نظر وصحيح ست شديدة، كنتي اتشطرتي على اللي طردك طردة الكلاب ورمى جثتك هنا.. بس تمام، الصبر جميل يا عيلة غجر!”
غمزة كانت بتبص لها بشرود ودموعها مغرقة وشها من غير ما تنطق بحرف. سما كملت كلامها بتهديد: “تمام أوي.. لما أخوكي ييجي، هخليه يطردك من هنا عشان تحصلي الفاجرة التانية أختك.. ده أنتوا شبهتونا ووسختوا سمعتنا!”
لما جابت سيرة أختها، غمزة انتبهت وقامت عشان تضربها تاني، بس سما طلعت تجري على أوضتها بسرعة وقفت الباب بالمفتاح من جوا. غمزة راحت تخبط على الباب المغلق وهي متغاظة، فماماتها نادت عليها وبتلومها: “ليه يا غمزة تضربيها وتعملي كده بس؟”
غمزة ردت عليها باستنكار وذهول: “إنتي ماسمعتيش هي قالت إيه يا ماما وعايرتني بإيه؟!”
الأم ردت باستسلام وضعف: “طنشيا يا بنتي وعديها.. مش عايزين مشاكل وخناق، أخوكي لو جه وعرف باللي حصل مش هيعديها وهيقلب البيت على دماغنا.”
غمزة سكتت بس دموعها كانت نازلة وبتتكلم عن قهرتها. ماماتها خدتها في حضنها وقعدت تطبطب على ضهرها بحنان. غمزة قالت بصوت مخنوق: “أنا هدور على شغل يا ماما، لازم أنزل أشتغل.”
الأم اتنهدت بحزن وقالت: “تفتكري أخوكي هيوافق بعد كل اللي حصل ده؟!”
غمزة بعدت عن حضنها ومسحت دموعها بظهر إيدها وقالت بتصميم: “أنا مش هقعد حاطة إيدي على خدي ومستنية أحمد يرجعني ولا مايرجعنيش. أحمد مش بيرد على يونس ولا قابل يقابله أصلاً، فالله أعلم هيردني إمتى؟ ده لو فكر يرجعني أساساً! أنا لازم أصرف على نفسي، وقعدتي هنا بالشكل ده مش هتفيدني بحاجة.”
ابتسام خدتها في حضنها تاني وهي بتدعي بصوت واطي: “يا رب استرها يا رب.”
”صدقًا.. محدش بيقراك زي ما بتكتب نفسك.”
“أنا اتولدت من وجع قديم، وسكنت جوايا روح رجل الكهف، والهمتني حكايات الماوراء.. أعرف اللي مايتعرفش، وفضلت الصمت عشان العدم.”
“إنت مين بقى؟!”
كان قاعد في ركن بعيد ومظلم في آخر الريسبشن، بيبص في ساعة موبايله بغضب وهو حاطط رجل على رجل. النور الوحيد في الأوضة كان جاي من نار الولاعة الصغيرة وهو بيولع سيجارته، وخد منها نفس طويل أول ما ولعت. بوقه بينفث دخان ولهب كأنه بركان ثاير جواه. تجاهلها ليه ولأوامره بيخليه يغلي.
عدم سماعها لكلامه بيخليه يشيط، وفي عقله قرر يحسم الموضوع وحلف يغير الوضع ده تماماً. من النهاردة مش هتعتبره هوا ولا كأنه مش موجود. رجع ينفخ دخان السيجارة لحد ما الدخان عمل سحابة حواليه، وهو بيتوعدلها ويدعي في سره إن ليلتها تعدي على خير، لأنه هيخليها تندم وما تكررهاش تاني أبداً.
صوت رنة موبايله فوقه من شروده. رفعه وبص على الشاشة وهو متوقع تكون هي اللي بتتصل، بس خاب أمله لما لقى اسم “موشجان” من غير أي لقب تاني زي (زوجتي) أو (حبيبتي). نزل إيده بضيق وتأفف وهو مش طايق يرد عليها. هو حاسس إنه لازم يعيد ترتيب حياته ويرسم خطوط جديدة، ووجود ست مابتخلفش جنبه بيعطله عن أحلامه وأهدافه مهما كانت الكلمة دي قاسية. رجع يرد على الموبايل وقال بصوت بارد وناشف: “نعم يا موشجان.”
تجاهله ليها كان بيوجعها أوي، وعدم اهتمامه بمشاعرها بيموتها. حتى كلمة مواساة بسيطة بخل بيها عليها. حست بوجع في قلبها أول ما سمعت صوته البارد. سألت نفسها: هو خلاص ركني على الرف؟ مابقيتش فارقة معاه؟ هيتجوز عليا ولا هيطلقني الأول؟ هل أنا ماليش لازمة عنده؟
أسئلة كتير كانت بتدور في دماغها وبتعذبها.
فوقها من شرودها صوته وهو بيستعجلها بنفاذ صبر عشان تقوله عايزة إيه من المكالمة. بلعت غصتها وقالت بصوت مهزوز ومبحوح: “هتيجي إمتى؟”
رد عليها علطول وبطريقة بتحدد شكل حياتهم الجاية: “مش جاي النهاردة.”
هي فهمت المعنى ورا الكلمة، حلقها جف ودموعها نزلت في صمت. هو ببساطة قرر يستغنى عنها ويركنها. هل بقت زي خيل الحكومة اللي لما يعجز يضربوه بالنار؟ هل هي مجبرة توافق؟ طب يا ترى هيخليها على ذمته ولا لأ؟
شهقة غصب عنها طلعت من بقها وهي بتفكر في المصير ده، وانفجرت في العياط. هو بعد الموبايل عن ودنه وبص لفوق بنفاذ صبر وتأفف من نغمة العياط دي اللي مابتخلصش. بعد ثواني رجع التليفون لودنه وسألها بضيق وعصبية: “موشجان! رغيتِ ليه؟ أنا عندي شغل.”
هي سكتت تماماً لما حست بقسوته، ورجع ينادي عليها بعصبية، فهتفت بصوت مبحوح: “طالما مش جاي النهاردة، أنا هفضل في بيت أهلي.”
صاح فيها بنرفزة: “وأبويا مين هيكون معاه ويخدمه؟!”
هي مافكرتش في النقطة دي لأن قرارها كان وليد اللحظة من قهرتها، ووجعها أكتر إنه ما فكرش فيها ولا في تعبها، وكل همه مين هيقعد مع أبوه.
ردت بتصميم عشان تحافظ على الشوية الباقيين من كرامتها وتنهي العذاب ده: “أنا مش هرجع النهاردة، تعبانة وهفضل عند أهلي.”
هو كان على آخره ومش مستحمل أي استفزاز، فصرخ فيها بصوت عالي هز أركان البيت الفاضي: “خلاص! طالما كده، ماترعجيش خالص بقى!”
وقفل السكة في وشها بغضب، وصدره بيعلو ويهبط بعصبية ونفاذ صبر. أما هي، فرمت نفسها على السرير وكاتمة عياطها في المخدة. هل دي النهاية؟ هتعيش من غيره إزاي؟ ولصالح مين هتكبر؟
ماماتها دخلت على صوت عياطها ورفعتها من على المخدة وخدتها في حضنها تطبطب عليها. موشجان قالت بوجع وحرقة: “خلاص اتخلص مني يا أمي.. ما استناش حتى أداوي جرحي.. أنا اديته كل حاجة وهو بخل عليا بكل حاجة!”
الأم ضمتها وقالت بعقلانية ورصانة: “كل مشكلة وليها حل يا بنتي و…”
موشجان قاطعتها بصرخة: “دي مش مشكلة يا أمي دي مصيبة وكارثة! هعيش من غيره إزاي؟!”
الأم لومتها وقالت: “ماتقوليش كده، بكرا المية ترجع لمجاريها وتتصالحوا.”
موشجان بعدت وبصت لها بعيون طفى منها نور الحياة وبوق بيترعش: “ولو اتجوز؟!”
الأم اتنهدت بحزن: “حقه يا بنتي.”
موشجان صرخت بقهر: “لأ مش حقه! ذنبي إيه أنا؟ هو أنا اللي اخترت؟ طب لو كان هو اللي مابيخلفش، كنت هسيبه وأتجوز عليه؟!”
الأم ردت عليها بإنصاف: “طبعاً لأ، بنات الأصول بيقفوا جنب أزواجهم في المحن والشدائد.”
موشجان صرخت بحرقة: “يبقى حرام عليا وحلال ليه؟! بتكيلوا بمكيالين ليه؟!”
الأم اتنهدت بقلة حيلة وقالت: “بس ده شرع ربنا وحقه.. من حقه يكون ليه عيل يشيل اسمه.”
موشجان رمت نفسها في حضن أمها وهي بتعيط ومنهارة: “مش هتحمل.. والله العظيم ما هتحمل!”
قعدت تعيط بحرقة وأمها بتعيط معاها وحاسة بوجع بنتها اللي بيكوي قلبها. وموشجان عمالة تعيد وتزيد: “تعبانة أوي يا أمي.. سابني أحترق بناري لوحدي.. أنا عملتله إيه عشان يرميني الرمية دي ولا يسأل فيا؟! قوليلي عملت إيه؟!”
الأم ماقدرتش تمسك دموعها وشهقت وقالت بمرارة: “الرضا بالمقسوم عبادة يا بنتي.”
وفضلت موشجان تعيط وتشهق، بعد ما حست إنها بقت ست مالهاش قيمة، وهتعيش على هامش حياة راجل بخل عليها بحبه بعد ما وهبته كل عمرها.
”القلب وديعة الكتمان،
إذا فاض بما لديه احترق،
وإذا كتم تخلى وتجنب.
والأمور التي نسعى دومًا للقضاء عليها،
لن تحمل لنا سقية ماء بعد جهد أو تعب.”
بشرى فتحت باب شقتها بعد ما غابت عنها أكتر من 3 ساعات. سامي كان واقف مستخبي وراها، وأليف كانت منزلة راسها ودافنة وشها في رقبة ماماتها عشان خايفة من الضلمة الكحلة اللي في الشقة. بشرى فتحت النور بسرعة وقفلت الباب وراها، وفي اللحظة دي سمعت صوت واطي وبطيء جاي من وراها: “حمد الله على السلامة يا مدام.”
بشرى لفت بفزع وعينها برقت من الخضة لما شافت أيهم قاعد في آخر الريسبشن، والأوضة كلها كانت مليانة دخان سجاير. ومن شكله ومنظره عرفت إنه مستنيها من بدري أوي. مشت خطوتين لجوا وهي بتحاول تهدي نفسها، والعيال ماسكين فيها بزيادة ومستخبيين وراها. قالت بتبرير واعتذار: “أنا حاولت أتصل بيك كذا مرة بس موبايلك كان مقفول.”
هو ماغيرش وضعية جلسته ولا رمش، كأنه تمثال من صخر. سكت شوية وقال بصوت بارد بس مليان أمر: “دخلي العيال أوضتهم وتعاليلي.”
بشرى قطبت جبينها وبصتله بعدم فهم وهي لسه لابس النقاب: “ليه؟!”
نبرته بقت حادة وصرامة رغم صوته الواطي: “قولتلك كلمة تتنفذ حالاً.. وإلا ماتلوميش غير نفسك!”
سامي استخبى ورا ضهر أمه أكتر، فبشرى فضلت إنها تسمع كلامه وتتجنب المشاكل. دخلت العيال الأوضة وشغلت لهم التلفزيون وقعدت معاهم لحد ما اطمنوا، وخرجتله بعد ما قلعت النقاب والخمار وفضلت بالعباية السودا. لقت أيهم لسه قاعد على نفس الوضعية. قالت بهدوء: “أدينا جيت.. عايز إيه؟”
هنا بقى الشياطين اللي كان ماليها ومسيطر عليها طلعت كلها في عينه. قام فجأة وشدها بعنف من دراعها وجرها وراه لغاية أوضة النوم البعيدة عن أوضة الأطفال عشان ياخدوا راحتهم. بشرى قعدت تقاومه وتصرخ: “على مهلك في إيه!”
ضغط على دراعها أكتر ودخل الأوضة وقفل الباب وراهم بعنف. وقبل ما بشرى تستوعب اللي بيحصل، لقت قلم شديد نازل على وشها. حطت إيدها علطول على خدها وهي بتصرخ من الوجع. أيهم قرب منها ومسك فكها بقوة وعنف، وقال بصوت فحيح مرعب يقطع النفس: “مين سمحلك تخرجي برا البيت؟!”
حاولت تزق إيده وتبعده، ولما ماعرفتش صرخت في وشه وعينها في عينه: “سيبني!”
جز على سنانه واتكلم بشر وف وبشرية: “مين أذنلك تخرجي وتسيبي البيت؟!”
بشرى صرخت: “ابعد عني!”
ساب فكها وداها قلم تاني أقوى وأشد على خدها التاني وهو بيسأل: “كنتِ فين؟!”
برقتله وبصتله بتحدي وقوة من غير ما تخاف من بطشه، ونزلت إيدها وقالت بصوت عالي: “ابعد عني حالاً وماتمدش إيدك عليا تاني!”
أيهم بص لوشها المحمر والدم اللي جري في خدودها من كتر الضرب وأثر صوابعه المعلمة ببرود ولا مبالاة. قرب منها خطوة وقال بصوت واطي: “ولو مابعدتش.. هتعملي إيه يعني؟!”
رفعت صباعها في وشه بجرأة وشجاعة تحسد عليها رغم الوجع اللي في وشها وقهرتها: “مش هسكتلك.. إياك تعملها تاني!”
مسك صباعها اللي بتهدده بيه ولواه لورا بقوة. بشرى شهقت من الوجع وحاولت تكتم صرختها، بس هو كان قرر يكسر مناخيرها عشان ما ترفعش راسها قدامه وتجادله تاني. وراح مديها قلم تالت أقوى من الاتنين اللي فاتوا لدرجة إنها تاهت واتهزت وسندت على الباب اللي وراها. شهقتها طلعت غصب عنها وفضلت تبص له بنظرات كلها تحدي ووجع. وهو واقف قدامها زي الوحش الهيجان وصدره بيطلع وينزل بغضب مالي كيانه، وصرخ فيها: “غوري حضري الشنط.. هنرجع البلد النهاردة، والموضوع ده لسه ماخلصش، وهعلمك الأدب وإزاي تتعاملي معايا بعد كده!”
بشرى رفعت حاجبها وبصتله بكل قوة ووشها متورم وأحمر زي الدم: “أنا فعلاً هحضر الشنط.. بس عشان أروح بيت أهلي!”
أيهم سخر منها ورد ببرود وثبات رغم نرفزته: “يا مرحب يا ست هانم.. الباب يفوت جمل! يلا امشي، وأوعدك ورقة طلاقك هتوصلك قبل ما توصلي هناك!”
بلعت الإهانة ورا الإهانة وراسها مرفوع وعينها قوية. لفت وادتله ضهرها عشان تفتح الباب وتمشي وتسيب العيشة دي ويكون اللي يكون عند أهلها، بس مش هتدوس على كرامتها أكتر من كده. لكن كلمة واحدة من أيهم خليتها تتسمر مكانها لما قال بأمر حاسم: “إنتي هتمشي لوحدك.. العيال مش هيتحركوا من هنا خطوة واحدة معاكي!”
لفت وبصتله بعدم فهم واستنكار، فجالها الرد البارد والسريع: “العيال هيفضلوا هنا.”
قالت بتحدي: “دولت عيالي أنا ومش هسيبهم مهما حصل!”
قرب منها وبقت المسافة بينهم يدوب شبر واحد، وهمس في وشها بنبرة مرعبة: “ماتخلينيش أهينك قدام عيالك!”
بصت في عينه وقالت بصوت حاولت تخليه قوي بس طلع بيترعش: “مش هسلك من غير ولادي!”
أيهم رجع راسه لورا وبص لملامحها بعينه الحادة الصقر وقال: “براحتك.. القرار ليكي.”
بشرى أخدت قرار متهور وسريع، شالت أليف على كتفها ومسكت إيد سامي وقالت بتصميم: “وأنا قولت هخدهم معايا!”
لكنها ماعملتش حساب للوحش اللي جواه. أيهم شد أليف من دراعها وشالها، ومسك سامي بعنف من دراعه فالعيال صرخوا من الخوف والرعب. بشرى جريت تحاول تسلكهم من إيده بس ببرود زقها بإيده التانية زقة جامدة وقعتها على الأرض بقوة. وجري بسرعة على الأوضة وحط العيال وقفل الباب عليهم بالمفتاح من برا وحطه في جيبه، ووقف قدامها بجبروت وعناد، وصوت العيال طالع من جوا وهم بيخبطوا على الباب وبيصرخوا عايزين مامتهم.
بشرى قامت بسرعة وجريت على الباب وهي بتخبط على صدر أيهم بكل قوتها وتصرخ: “أنت حيوان! أنت ماعندكش ضمير! افتح الباب.. افتح الباب بقولك!”
مسك إيديها بقسوة وبعدها عن صدره وقال ببرود: “ده مابقاش يخصك.. اتفضلي بقى برا من غير مطرود!”
زقها ناحية باب الشقة وهو بيطردها وهي بتقاوم وتصرخ: “مش همشي من غير ولادي! دولت مبيطوقوش يشوفوا وشك!”
ابتسم بقسوة وقال: “يبقى جه الوقت اللي يتعودوا فيه عليا ويألفوني!”
زقها تاني فجسمها خبط في باب الشقة بقوة. لفت تضربه تاني في صدره اللي كان زي الحجر، ففتح أيهم الباب ورمى شنطتها برا كأنه بيرمي زبالة. بشرى كانت بتبص على باب الأوضة اللي وراه ولادها وصراخهم بيقطع في قلبها. حست إنها هتموت لو مشيت وسابتهم، فمسكت في دراعه بكل قوتها وقالت بسرعة قبل ما يقفل الباب في وشها: “خلاص.. هقعد! هقعد!”
أيهم رد بسرعة ولا مبالاة: “وأنا مابقيتش عايزك!”
جاء يقفل الباب فرمت جسمها عليه عشان تمنعه، وقعدت تترجاه وتتوسل ليه ودموعها نازلة زي المطر: “أرجوك.. أرجوك سيبني!”
ساب الباب ففتحته بسرعة ودخلت شنطتها وقفلت الباب وهي حاسة إن في حاجة انكسرت جواها وماتت. بصتله وقلبها بيتقطع من عياط العيال: “افتحلهم الباب بقى!”
صاح فيها بتهديد ووعيد: “من النهاردة أوامري تتنفذ من غير مناقشة.. وإلا المرة الجاية مش هرحمك!”
هزت راسها بسرعة بالموافقة وهي بتحلف في سرها إنها مش هتنسى اليوم ده أبداً. ألقى عليها نظرة أخيرة وراح فتح باب الأوضة للعيال، فبشرى جريت عليهم وخدتهم في حضنها وهي بتعيط وتهديهم وتهدي نفسها. العيال دي هي دنيتها ونفسها، ومن غيرهم تموت.
أيهم بص للمنظر برضا تام وقال بصرامة: “يلا اخلصي وحضري نفسك عشان نرجع البلد.”
”ضمني…
لا تدع صقيع الفجر يكويني،
فإن ضج الصبح بأشواق يدعوني إلى صوتك الهاتف.
كصدح عصافير الكروم، أسائله عن كأس الهوى كيف يسعفني ومن شهده المذاب يرويني..
فإن أمطار السماء غمرت درب اللقاء،
هبني رعشة الكفين زادًا حين البعد يجافيني..
فتلك الرعشة العذراء تمطرني معزوفة عشق، توقظ ما قد يغفو من براكيني…”
كانت نايمة على السرير ومغمضة عينها وجبينها مليان عرق، وجسمها كله بيترعش وبتخرف بكلام مش مفهوم. عقلها كان تايه في ذكرى قديمة لحبيبين حاضنين بعض وبيبوسوا بعض بشغف ولهفة في الضلمة والهدوء، ومفيش غير صوت تنهداتهم وبوساتهم. والصدمة إن البنت دي كانت أختها، والشاب الشغوف ده كان خطيبها اللي كانت بتحلم بيه وبعناقه الرومانسي البريء.
ماكانتش تتخيل الصدمة دي أبداً. حاولت تجري وتهرب وتسيبهم بس رجليها اتسمرت مكانها وما قدرتش تتحرك ولا تصرخ. عينها مبرقة وقلبها وقف عن النبض فجأة، لحد ما شهقت شهقة عالية وصرخت والدموع نزلت على خدها. ولما لفت وشها لقتهم بيبصوا عليها بخزي، فطلعت تجري وهي مش قادرة تواجه الخيانة دي.. أختها وخطيبها ابن عمها وسندها!
كل اللي حصل بعد كده كان متلخبط في دماغها.. صراخها في وش أبوها عشان يفسخ الخطوبة، وإغماءها التام والحمى اللي كلتها أيام وأيام. قعدت تدرب نفسها على النسيان وتسامح أختها لأن اللي مروا بيه سوا ماكانش سهل، بس الجرح لسه بينزف جواها.
صوت تخريفها وهذيانها يعلى وهي بتهز راسها يمين وشمال بقوة: “ليه عملت فيا كده؟! أنا عارفة إنها أجمل وأذكى مني.. بس ليه اخترتني أنا من الأول طالما هتعمل كده؟!”
سكتت شوية ورجعت تتكلم بوجع، وظهرت ليها مامتها في الحلم بشكلها الجميل وهي بتبتسم وتمد إيدها ليها. آياز صرخت وهي حاسة بالضعف والمرض اللي حرمها من أمها بدري: “ماما!”
دموعها نزلت واختلطت بعرقها وقالت بصوت مبحوح: “مأمى.. ما تسيبينيش أرجوكِ.. ما تسيبينيش لوحدي!”
جميلة قربت منها وآياز رمت نفسها في حضنها وقعدت تعيط كأنها طفلة عندها 6 سنين بتشتكي من عجزها عن النسيان والوجع اللي عاشته لما أمها ماتت ومابكتش وقتها لأنها كانت مفكرة إنه كابوس وهتفوق منه.
طول عمرها كانت شايفة نفسها ضعيفة وانطوائية ومالهاش أصحاب وبتخاف من كل حاجة. ماماتها كانت بتمسد على ضهرها وبتقولها: “حبيبتي.. اقلعي عباية الحزن دي كفاية بقى تعذيب في نفسك.. إنتي جميلة زي ما إنتي يا أوزتي.”
آياز صرخت بشهقات: “ليه سيبتيني؟! ليه مشيتي وسيبتيني ل لوحدي؟!”
فضل جسمها بيترعش وهي مش قادرة تفتح عينها، وعقلها عايم بين ذكريات الماضي الأليم والحاضر الأكثر وجعاً.
كان عامل نفسه نايم ومطنش كل أسئلة الست اللي جنبه وهي عمالة تلعب في موبايلها بملل ومن غير ما تزهق. كان بيمنع نفسه بالعافية إنه ينفجر في الغضب، سواء على اللي متبهدلة علشانه أو اللي داست على كرامته. بيفكر في كل اللي حصل ومن كل الزوايا، وللأسف مش لاقي ليها أي عذر يخليه يصدق براءتها. في نظره هي مذنبة وعاشقة لأخوه حتى النخاع، سواء كانت بتجري وراه دلوقتي أو لأ. هي بقت تخصه واسمها ارتبط باسمه، وشرفه وكبريائه اتمسح بيهم الأرض لما فضلت على عهدها القديم لأخوه.
هو شايف كل فكرة بتدور في دماغها وكل لمسة كانت مستنياها من أخوه. حاسس بكل ده بس مجبر يستنى ويبلع المرار ده ويشرب كاس الوجع على كرامته ورجولته اللي اتهانت.
قام قعد فجأة وهو بيتنهد بضيق، فاللي جنبه اتخضت وبربشت بعينها وقبلت الموبايل بسرعة وخوف، وحطت إيدها على قلبها وقالت وهي بتبلع ريقها بصعوبة: “خضتني يا أدهم!”
بص ليها.. كانت رقيقة وجميلة وتخليه يحس بالفخر والراحة، راحة راجل فضل يجري طول عمره وأخيراً لقى ثمرة من الجنة ويدوق طعمها ومبقاش شبعان منها. وبعينين مليانين غضب وجحيم مش قادر يهدى، حس إنه محتاج يهرب من بركانه الداخلي في حضنها. قرب منها وخدها في حضنه وباسها بشغف وهي بتبادله، وضغطت على زرار الموبايل وقفلته خالص وبصت بطرف عينها تتأكد إنه مقفول، واتنهدت براحة ورجعت لحضنه تخليه ينسى غضبه ويفش غله وشهوته في جسمها.
”هو إزاي محدش يقولي إنه جه؟! هو أنا ماليش رأي في البيت ده ولا إيه؟!”
صوت أبوها كان طالع عالي وبيصرخ في أمها لأنه ضيع فرصة يقابل أخوه وينتقم منه، وكمان بيتوعد لابنه اللي مخبى عليه. الصراخ كان زايد فبنتهم قررت تبعد لأن أبوها لما بيتعصب مابيشوفش قدامه وممكن يحدف أي حاجة تيجي في وشها.
طلعت فوق للأوضة اللي فوق وخبطت ورنت الجرس ومفيش أي رد. فضلت تخبط بقوة وقلق، وبدأت الأفكار السودا تلعب في دماغها لأنها متأكدة إنها مخرجتش. نزلت جري لتحت ومطنشة صوت أبوها وأمها اللي عمالة تندب، وجريت على أوضتها تجيب موبايلها وتتصل بآياز. رنت كذا مرة بس مفيش رد، فكلمت نفسها بخوف وقلق: “والله العظيم قلبي مقبوض وحاسة إن في مصيبة هتحصل النهاردة.. وعيني الشمال بترف جامد.. يا رب اجعله خير.”
فضلت تتصل بأخوها وهو مابيردش، فصرخت في الموبايل: “رد عليا بقى يا أخي.. رد أرجوك!”
وفضلت ترن وهي قلقانة، وفي الوقت ده كانت آياز فوق الحمى بتاكل في جسمها وبتترعش وبتهزي بضعف: “ماما.. خديني معاكي.. ما تسيبينيش أرجوكِ.”
”صمتي يبلغك السلام..
أما بعد.. عزيزي الحائط:
في حال أصبح لك لسان وشفتان..
أخبرني لنتحدث.”
من النجمة وهي بتدور على شغل وبتلف من مكان لمكان بس مفيش فايدة. الناس في المنطقة رافضين يشغلوها ويبصوا ليها بقرف كأنها هتلوثهم بوجودها. النهار قرب يخلص وكل محاولاتها فشلت ورجليها وجعتها ومش قادرة تقف عليها خلاص.
وهي بتلف في شارع جانبي، لمت محل محلات ملابس مكتوب على بابه من برا (مطلوب آنسة للعمل). المحل ماكانش بعيد عن منطقتها، فدخلت وهي بتدعي ربنا يقبلها صاحب الشغل ويوفقها.
شافت راجل بكرش كبير وفي أواخر الأربعينات قاعد ورا مكتب عالي وبيكتب في ورق قدامه، وعلى يمين جهاز كمبيوتر مفتوح.
غمزة قالت بصوت عالي عشان تنبهه: “السلام عليكم.”
الراجل رفع راسه وقلع النضارة وبص ليها وقال: “وعليكم السلام.. تحت أمرك يا فندم.”
غمزة ابتسمت بود وقالت: “الأمر لله.. أنا جاية بخصوص الإعلان والوظيفة اللي برا.”
الراجل فضل يتأملها ويبص لهدومها الواسعة اللي رغم وسعها كانت مبينة جمال جسمها وقوامها الممشوق. عينيه نزلت ببطء تتفحص جسمها كله، وطلعت على وشه ابتسامة صفراء وخبيثة تدل على إعجابه باللي شايفه. رجع يبص لوشها والابتسامة لسه على بقه، وقال ببطء وتمهل:
“تمام.. وإنتي إيه بقى مؤهلاتك يا قمر؟”
يتبع…
:
الفصل الرابع عشر
قالت:
“بقول للي صدقوا، ولغيرهم من الناس اللي مروا بيهم..
يا ترى يا اللي وثقتوا فيهم، بعد ما وثقتوا كام مرة،
كام مرة اتخذلتوا وكام مرة خذلوكم اللي مروا بيكم؟
يا ترى خسرتوا إيه من روحكم؟
خسرتم إيه من هدوءها؟ وإيه اللي فاضل من سكنكم ومن سك*ينة أرواحكم؟
وإيه حالك وإنت بتلومها بقسوة؟ وإزاي بيكون لومها ليك،
بعد ما عرفت إنك إنت بالذات اللي وجعتها؟!”
من النجمة وهي بتدور على شغل، بتلف وتتلمس أي طريق بس مفيش أمل. الناس في المنطقة رافضين يشغلوها، ويبصوا ليها بقرف كأنها حاجة هتوسخهم لمجرد وجودها وسطهم. والنهار خلاص انتصف وعدى نصه، وكل محاولاتها راحت على الأرض، ورجليها وجعتها وتعبت وما بقتش قادرة تشيلها من المشي.
لفت على أول شارع جانبي ولمحت محل ملابس، لقت ورقة ملزوقة على الباب من برا إنهم محتاجين بنت للشغل. المحل ماكانش بعيد أوي عن منطقتها، فدخلت وهي بتدعي ربنا في سرها إن صاحب المحل يوافق يشغلها.
شافت راجل بكرش كبير، باين عليه في أواخر الأربعينات، وقاعد ورا مكتب عالي وبيكتب في شوية ورق قدامه، وعلى يمين مكتبه كمبيوتر مفتوح ومتساب.
غمزة علّت صوتها عشان ينتبه ليها وقالت: “السلام عليكم.”
الراجل رفع عينه وبص ليها، وقلع نضارته وقعد يتأملها وقال: “وعليكم السلام.. تحت أمرك.”
غمزة ابتسمت بود وقالت: “الأمر لله وحده.. أنا جاية بخصوص الشغل والوظيفة.”
الراجل رجع يتأملها تاني ويركز في تفاصيلها، وبص على هدومها الواسعة اللي بالرغم من اتساعها كانت مبينة تفاصيل جسمها وقوامها الممشوق الرشيق. عينيه نزلت ببطء تتفحص كل حتة فيها، ورسمت على وشه ابتسامة صفرا باين فيها إعجابه الشديد باللي شايفه. وبعدين طلع بعينيه تاني لوشها والابتسامة لسه مرسومة على بوقه، وقال ببطء وتمهل: “وإنتي بقى إيه مؤهلاتك؟”
ابتسامة فرحة اترسمت على وشها، لأن سؤاله ده معناه إن في أمل يقبلها. قالت بفرحة واضحة: “خريجة آداب.”
الراجل رجع يبص عليها من فوق لتحت تاني وقال بهزار ومرح: “مش عيب.. الآداب برضه حلوة، والأدب لذيذ وبيطلع منه حاجات حلوة برضه..”
غمزة مافهمتش قصده واللقاح اللي بيرميه، بس هو كمل كلامه وسألها: “واسم الجميل إيه بقى؟”
غمزة ردت بسرعة: “غمزة.”
الراجل قال: “تمام يا غمزة.. تعالي من بكرا من الساعة 9 الصبح والجرى هيكون لغاية الساعة 7 بالليل.”
غمزة بصتله وهي بتحاول تلمح في وشه صدق كلامه، ولما لقت ملامحه متبسمة، سألته بفرحة كبيرة خلتها كأنها هتنط من مكانها: “بجد؟! يعني حضرتك وافقت خلاص؟!”
الراجل ضحك بصوت عالي وقال: “أيوا يا ستي، حضرتي وافق.. بس تيجي بدري عشان أنا مابحبش التأخير والميوعة.”
غمزة قالت بلهفة: “لأ طبعاً.. من النجمة هتلاقيني هنا واقفة قدام المحل.”
قالت كلمتها ولفت عشان تمشي وهي طايرة من الفرحة، وصوت ضحكاته كان لسه عالي وراها. والراجل همس بصوت واطي وهو بيعوج بوقه وبيتكلم في سره: “حلو يا حلو.. لذيذ يا جامد.. إحنا داخلين على أيام عسل وشهد والله!”
لما الوجع ياكل فينا، والألم يسيطر على كل حتة في جسمنا وتعبنا يزيد، بنحس إن مفيش وجع في الدنيا أقوى من الوجع اللي مالي قلوبنا ومطفي أرواحنا. ساعتها بتصيبنا حالة من اللامبالاة والزهد في أي حاجة في الدنيا، وبنشوف كل الألوان شبه بعض.. وكلها سودة.
كانت عمالة ترن على موبايله من غير ما تمل ولا تزهق، وقلقها وخوفها بيزيدوا ثانية ورا ثانية، ولسانها عمال يدعي إن الموضوع يعدي على خير. وبعد زن كتير، رد عليها وهو غرقان في شهواته ولذته ومقضي وقته مع مراته. رد بصوت خشن ومبحوح من أثر اللحظة، وقال بجفاء وفظاظة: “نعم!”
نائلة بعدت التليفون عن ودنها وبصت للشاشة باستغراب، كأنها بتحاول تشوفه وتفهم نبرة صوته دي وراه إيه، بس لما عرفت إن ده مستحيل رجعت التليفون لودنها وسألته بفضول وشك: “إنت فين؟”
أدهم رد عليها وهو متغاظ وعينه على البنت اللي نايمة جنبه، ووشها كان أحمر ودقات قلبها سريعة وبتحاول ترجع لطبيعتها وهدوءها قبل ما يقطع خلوتهم التليفون. رد بضيق: “هو إنتي متصلة عشان تحققي معايا وتسأليني أنا فين؟!”
نائلة اتضايقت من طريقته الناشفة معاها اللي مش متعودة عليها منه، فقررت تقول اللي عندها بسرعة: “أنا بقالي نص ساعة واقفة قدام باب شقتك وعمالة أخبط وأرن الجرس وآياز مش بترد خالص، وأنا قلقت عليها وخفت يكون جرالها حاجة.”
أدهم اعتدل في عدلته وهو بيشد شعره لورا بعنف وغيظ أول ما جابت سيرة آياز. هو طول اليوم بيحاول يهرب من سيرتها ومن اللي حصل، فصرخ فيها بعصبية: “وإيه اللي يقلق في كده يعني؟! تلاقيها نايمة ومش سامعة!”
نائلة قطبت جبينها وقالت بسرعة: “يا أدهم لو كانت واخدة منوم كانت صحيت من كتر الخبط! ماتيجي تبص عليها أرجوك؟”
دار في عقله إنها ممكن تكون قاصدة ما تردش ومكسوفة تقول إنها مقفول عليها. نائلة نادت عليه تاني بملل: “أدهم.. تعالي أرجوك عشان خاطري.”
أدهم لف يبص على الست الجميلة الدافية اللي نايمة جنبه وبتبص له بنظرات كلها دلع وإغراء، وبتدعوه يكمل اللي بدأه وماتهتمش ب أخته اللي عمالة تقلق علطول. بس نائلة صرخت صرخة خلت انتباهه يرجع ليها تاني: “خلاص.. أنا هروح لآدم في شقته يمكن يقدر يتصرف ويفتح الباب.. وشكلي عطلتك بقى.”
أول ما سمع سيرة (آدم) كز على سنانه لدرجة إن صوت سنانه طلع، ونار الغيرة والغضب حيرت صدره ونفَسُه ضاق، فصرخ فيها بحدة وعصبية: “أوعي تعملي كده! أنا جاي حالاً!”
ومن غير ما يستنى ردها قفل السكة في وشها ورمى الموبايل بعنف على السرير، ووقع الموبايل جنب الست اللي عمالة تلعب في شعرها بدلع، واختارت أسوأ وقت عشان تطلب طلبها. قالت بدلال وغنج وهي بتمسك إيده قبل ما يقوم: “حبيبي..”
وقفت وعدلت نفسها وهي ماسكة الغطاء على صدرها بدلع أنثوي يخطف العقل: “ماتتأخرش عليا.. أنا هستناك، الليلة ليلة عيد ميلادي وأكيد مش هتفوتها وتكسر بخاطري.”
هو كان في عالم تاني خالص، فهز راسه بالموافقة عشان يخلص، وهي فكرته تاني: “وأكيد مش هتنسى هديتي يا حبيبي.”
سابها وماردش عليها وقعد يلم هدومه المرمية على الأرض بإهمال وهو مش قادر يواجهها ولا يتكلم معاها دلوقتي. هو كان ناوي يسيبها كام يوم لحد ما يهدى ويروق، بس أخته الحشرية مش هتسكت ولا هتهدأ، وعشان كده مفيش قدامه غير إنه يلبس ويروح بسرعة.
”يا روح أحبيها..
قد أرهقت روحي البكاء عليها..
إني دعوت الله براحتك..
يا روح أحبيها أودعتك إلى الله..
وإن روحي من أجل تلك الروح أصبحت لا تخاف الموت..
فمن اغتصبت حياته لا يخاف الموت.”
مكسورة النفس ومجروحة الخاطر، دخلت وراه ومنزلة راسها في الأرض من باب بيتهم في البلد. دموعها كانت محبوسة في عينها لدرجة إنها حاسة بضغط شديد وجعها، ووشها كان متورم وسخن ونار قايدة فيه، والنقاب بيحتك بوشها ويوجعها أكتر. قلبها كان بيدق ببطء رهيب كأنه مش عايز ينبض، ورجليها شايلاها بالعافية وهي ماشية زي المغيبة تماماً ومطفي جواها كل نور.
اتأذت وتهانت كرامتها قدام عيالها، وبقت زي الجارية اللي مش قادرة ترفع راسها قدامه ولا ترفضله طلب. حاسة إن صوتها ضاع وراح من حنجرتها ومبقاش طالع، لدرجة إنها شكت إنها بقت خرسة.
ما أصعب على الست من إن حد يحاول يذلها ويغتصب حياتها ويجبرها على عيشة هي مش طيقاها! والرسول الكريم صلوات الله وتسليمه عليه قال: “استوصوا بالنساء خيراً” و”رفقاً بالقوارير”، فإيه اللي يخلي البشر يقسوا على بعض ويعذبوا بعض بالشكل ده؟!
دخلت معاه ولقوا الصالة الواسعة الكبيرة فاضية وهادية تماماً، كأن البيت كله مهجور ومبقاش فيه روح. المنظر ده خلاه يجز على سنانه ويضم قبضة إيده بغضب وضيق، وهو بيسأل نفسه: هل هييجي يوم وأكون فيه لوحدي كده؟ لا ونيس ولا جليس ولا عيل من صلبي يشيلني في كبري وعجزي؟
هو تربى والبيت ده عمره ما هدي ولا فضي من الأصوات والحركة. صحيح قسوة أبوه حسين القواس كانت بتخلي الجيران يخافوا يقربوا منهم أو يختلطوا بيهم، بس أمه الله يرحمها كانت بتحب الناس واللمة وبتخاف من الوحدة والصمت، وبتصاحب الكل. وأخوه الله يرحمه ورث الصفة دي منها، أما هو فطلع نسخة مصغرة من أبوه القاسي اللي الكل بيترعب من سيرته في المصنع. الكل بيعمله حساب مهما كان سنه، برغم عجز أبوه حسين القواس وكبر سنه.
أيهم اتجه علطول لأوضة أبوه في الدور الأرضي، أما هي فكملت طريقها للسلالم وهي بتسحب عيالها اللي كانوا ساكتين وخايفين أوي. بس صوته الحاد طلع فجأة ووقفها مكانها: “إنتي رايحة فين وفاكرة نفسك رايحة فين وبأمر مين؟!”
لفت بصدمة وخوف من زعيقه، والعيال اتخضوا وقلبهم كان هيقف من الرعب. بصتله بعيون مبرقة وماردتش، فأمرها بسرعة وعينه بتطلع شرار: “تعالي هنا الأول وسلمي على أبويا!”
المشاعر اللي جواها انتفضت وصحيت زي طير مدبوح، وبعدين رجعت توطي راسها في الأرض وعقلها غرقان في دوامة الهم. كرامتها راحت ومبقاش ليها رجوع. اتجهت ناحيته وطاوعته من غير أي صوت، والعيال ماشيين وراها وعينهم على عمهم برعب وخوف.
أيهم خبط على باب أبوه ودخل، وساب الباب موارب وقالها: “استني هنا ثانية.”
ودخل وقفل الباب وراه. هل خلاص بقت خادمة أو جارية في بيت القواس بعد ما كانت ملكة في بيت جوزها الراحل والكل بيحترمها ويسمع كلمتها؟! إزاي راجل طيب وحنين زي جوزها يعيش في بيت قاسي زي ده، وبأب زي حسين وأخ زي أيهم؟!
صحيح كانت عايشة مع جوزها في فقر وأبوها على قد حاله والعيشة ماشية بالعافية، بس عمره ما أهانها ولا قلل من قيمتها ولا كسر بخاطرها. إزاي دلوقتي ترضى بالظلم والمهانة والعبودية دي وهي طول عمرها عزيزة نفس وراسها مرفوعة؟!
طلع أيهم ونادى عليها، فدخلت لقت الراجل العجوز الكهل نايم على السرير وباصص ليها بنظراته الحادة القوية اللي بقت بتخاف منها ومن معناها. يا ترى كان هيرضيه لو ماتت من القهر؟
أيهم اللي كان قاعد جنب أبوه شاور ليها بعينه عشان تقرب وتبوس إيد أبوه. دموعها المحبوسة لمعت وصوتها اتخنق بغصة في حلقها، وحست بنار بتغلي في راسها كأنها بركان محكوم عليه يفضل هادي وما يثورش أبداً. نفذت الأمر كأنها جارية مالهاش أي حق في الحياة، قربت ووطت بجسمها الصغير وباسيت إيد حسين العجوز، وهو لف راسه الناحية التانية بنفور وضيق منها. فضلت على وضعها ده ثواني وهي بتحاول تجمع شتات نفسها، وعينها ما استحملتش الدموع فنزلت وغرقت النقاب اللي لزق على وشها. وقفت بصعوبة وراسها في الأرض، وانكسرت كرامتها تماماً.. فالقوارير اتجرحوا واتكسروا من غير أي رحمة ولا شفقة.
قالت:
“هي أسوار من الغموض؟ أم كتاب من الوضوح؟
لم أكن أنوي أن أبعثر كلماتي ذات يوم لمن لا يسمع مني..
وإذا سمعني مضى دون اهتمام..
لم يخطر ببالي حسبان أنني أكون كـ ورقة تطير بعدة أماكن، ولا تجد مكانها الذي تبحث عنه..
لم أكن أتوقع أن أعشق يومًا كنت أظن فيه أن الأرض تلتصق بالسماء..
رغم جهلي وبراءة روحي ليتني مت هناك..
عند ابتسامتي وفستاني ولهفة قلبي للسماء، مت أمام سؤالي وجهلي بالأشياء..
لم أتوقع أن أبحث عني بين الكثير وأعود بفشل كبير ولم أجدني بينهم..
يا من راقت لي سعادتهم، يا من لم تمنحوا قلبي شيئًا من السعادة..
كيف أغرقني الوقت برفقتكم ولم أعد أستطيع العودة أو الاستمرار؟
باتت عيناي تبكي على قلبي..
ولم يعد للدنيا طعم طيب بخاطري، إني بمسافة قريبة من الموت..
ثم أنني ما زلت أحيا بحياة مغتصبة وبحق سلب وسحق بين سندان العرف والتقاليد والعادات.”
سمعت خطوات رجله وهي طالعة على السلم بهدوء، فبصت من فوق السطح وبصت على باب شقته، ونادت عليه عشان تستعجله: “يلا يا أدهم اخلص!”
هو نفض ليها وماردش وهو بيحاول يسيطر على غضبه وغيرته اللي بتاكل فيه. إزاي راجل يعيش عادي وهو عارف إن مراته بتعشق أخوه؟! إزاي يعيش في سلام مع نظراتها اللي كلها حب لأخوه، سواء كان أخوه عايزها ولا لأ، من غير ما يمسك رقبتها ويخنقها؟!
وصل قدام باب شقته وبص لأخته نائلة بسخرية، وطلع مفتاحه وفتح الباب ووقف على جنب. نائلة دخلت جري وراحت تقتحم الشقة من غير إذن وهي بتنادي على آياز بصوت عالي. ورجليها خدتها لأوضة النوم ولما قربت سمعت صوت أنين ووجع واطي طالع من الأوضة.
دخلت بسرعة واتفاجأت بشكل آياز وشحوب وشها وهي نايمة على السرير، والعرق مالي جبينها. قربت منها وحطت إيدها على وشها فلقته سخن بيغلي من السخونية. نادت على أخوها بخوف وفزع: “أدهم! أدهم الحقني بسرعة!”
أدهم كان واقف برا متضايق ومش طايق يبص في وشها، وكان عايز يمشي ويغادر الشقة اللي حاسس إن نفسها بيخنقه. بس لما سمع أخته بتنادي عليه بلهفة وقلق، دخل الأوضة بخطوات بطيئة ومترددة. عينه جت على أخته نائلة وهي موطية على آياز ومخبية تفاصيل جسمها النايم. نائلة لفت وبصتله بعيون مبرقة وخايفة وقالت: “دي حرارتها عالية أوي وبتغلي!”
في اللحظة دي بالذات، كل مشاعر الضيق والغضب اللي جواه اتبدلت واختفت. قرب بسرعة وزق أخته عشان يشوف آياز بنفسه. قعد جنبها وحط إيده على راسها فاتفزع من سخونيتها اللي زي النار. نائلة قعدت تعيط وتقوله: “كلم الدكتور بسرعة يا أدهم أو لازم ننقلها المستشفى حالاً!”
أدهم قعد ينادي عليها ويحاول يفوقها، فلقى شفايفها بتتحرك بصعوبة وصوت ضعيف أوي طالع منها ومش مفهوم. قرب ودنه من بوقها عشان يسمع بتقول إيه، فسمعها بتهلوس وبتقول كلمة واحدة وبتكررها: “مامي.. مامي.. مامي..”
قام بسرعة وطلع موبايله وكلم صاحبه الدكتور وشرح له حالتها واستعجله ييجي بسرعة. ولما قفل التليفون، لقى نائلة اتصرفت وعملت اللي عليها؛ جابت جردل فيه مية ساقعة وقماشة، وبلتها وعصرتها وحطتها على راس آياز عشان تنزل السخونية، وآياز جسمها اترعش من المية الساقعة.
أدهم قعد يبص لها وهو بيفكر: لو نائلة ما كانتش جت وسألت عليها، ولو هو ما كانش جه وفضل ورا شهواته ولذته مع مراته.. يا ترى كان إيه اللي هيحصل لآياز؟ هل كانت هتموت؟ وهل كان هيسامح نفسه بعد كده؟!
هو صحيح اتجبر يتجوزها، بس هي في الآخر بقت مراته ومسؤولة منه قدام ربنا، وغير كده هي بنت عمه وليهم ذكريات سوا من صغرهم. ده ياما كانت بتعانده ويعاندها وكان بيحب يضايقها ويقرب منها، ولولا إن عمه وأبوه اختاروا أخوه عشان يخطبها، كان ممكن تكون ليه قصة تانية خالص معاها دلوقتي! بس النصيب والقدر غيروا كل حاجة، وبقت مراته هو بعد ما كانت خطيبة أخوه الله يرحمه.
آياز بدأت تهز راسها يمين وشمال بعنف وهذيانها زاد، وشفايفها الناشفة عمالة تقول: “مامي.. ما تسيبينيش أرجوكِ.”
نائلة عيطت ومالت عليها وحضنتها، وأدهم مسك موبايله عشان يستعجل صاحبه الدكتور تاني، بس كلمة واحدة طلعت من بوق آياز وهي غايبة عن الوعي شلت حركته ووقفت الدم في عروقه: “آدم… آدم… لأ لأ لأ!”
الكلمة دي خلته يتسمر مكانه وكأن نار قادت في جسمه كله. إيده اللي ماسكة التليفون نزلت جنبه بضعف وكسرة. نائلة لفت وبصت لأخوها بسرعة عشان تشوف رد فعله وهل سمع الكلمة ولا لأ، فلقيت وشه مقلوب وغضبان أوي وعلامات الضيق واضحة عليه. اتلعثمت في الكلام وقالت بتبرير: “استعجل الدكتور أرجوك.. دي مش في وعيها وبتخرف بأي كلام.”
نائلة كانت بتحاول تلاقي ليها عذر وتداري الموضوع، بس أدهم ابتسم بسخرية ومرارة ولف ضهره وطلع برا الأوضة وهو بيقول بصوت واطي ومبحوح: “هو إنتي مش عارفة يا صغيرة إن العقل لما بيغيب، القلب بيقول كل اللي جواه وينطق باللي بيحبه وبيتمناه؟!”
”عند جدار السماء،
همس مناجيًا ربه: خذ حواء وأعد لي ضلعي..
على حين استجابة..
تحسس ضلوعه، زادت ضلعًا!
تحسس قلبه، فلم يجده!”
كانت عمالة تشيل الأطباق والحاجه من على السفرة وتدخلها المطبخ، وعقلها كان في حتة تانية خالص بعيد عن الراجل اللي واقف عينه عليها ومش بيبعد نظراته عنها وعن تفاصيل جسمها. كان بيبص لها بشغف وحب كأنه عطشان تايه في الصحراء ولقى نقطة مية هترجعله الحياة. هو بيعشقها بكل حته في جسمه، وعشقها ماشي في دمه وبيغذي كل خلية جواه.
بعد منتصف الليل..
“مش هتعرفي أبداً إني بدور على صورك كل ما الدنيا تتعبني وتضيق بيا.. أو لما أزهق من كل حاجة في الدنيا.. مش هتعرفي أبداً إحساس الحنين اللي بييجي فجأة لـ حاجات عمري ما ملكتها في يوم.. مش هتعرفي أنا ابتسمت كام مرة لما شفت ضحكتك، وحسيت إني بقيت أحسن وقادر أكمل يومي بكل حب.”
قام وراح وراها المطبخ ووقف ورا ضهرها علطول، لدرجة إن جسمه كان هيلمس جسمها وهو مغمض عينه وبيشم ريحتها. هي حست بسخونية جسمه ودفاه وراها، فجسمها اتخشب ووقف مكانها، بس قلبها كان بيدق بسرعة وشغف.
طلع نفس سخن دافي جه على رقبتها، وعينيه فضلت تبص على شعرها الملموم لفوق والكت حمالاته الرفيعة اللي على كتافها. مد إيديه وحاوط وسطها وقرب ضهرها لصدره اللي قايد نار من حبها. حس برعشة جسمها وتوترها بس ما اهتمش. نزل بشفايفه على رقبتها وباسها بوسات رقيقة وناعمة زي نسمة الهوا في ليلة صيف حر. كان بيدوق قربها وجمالها وهو كابس على وسطها كأنها هتهرب منه، وهل هي فعلاً تقدر تهرب؟!
البوسات الرقيقة دي بقت أقوى وأسخن، ونفسه بقى سريع ودقات قلبها زادت لدرجة إنها حست بالخناق والوجع، فقاوته وصرخت فيه: “ابعد عني!”
ما سابهاش علطول بل كلبش فيها أكتر وهو عايز يخليها تفهم حبه وعشقه ليها حتى لو بالعافية. وهي ما صدقت لقت فرصة وقعدت تصرخ وتضربه برجليها في الساق وتخبطه بكوعها في بطنه عشان يسيبها. لفها بالراحة وبقى باصص في وشها وعينه في عينها.. عينه كانت مليانة حب وشغف وعاطفة، وعينها هي كانت مليانة عناد وكبرياء ورفض للحب ده. سألها بحيرة: “مالك؟! في إيه؟!”
ردت عليه بقسوة وجفاء: “مالي؟! لمساتك دي بتقرفني وبتخليني أشمئز منك! ابعد عني أنا مش طيقاك!”
ورغم كلامها الصعب اللي زي السم، بلع ريقته وقال باستغراب ودهشة: “بتقرفك؟! ولمساتي مش طيقاها؟!”
بصت في عينه وقالت بقوة وثبات: “آه.. مش طيقاها وبكرهها!”
آدم بص لعروق رقبتها اللي كانت بتنبض بسرعة وجنون وقال: “طب قوليلي بالله عليكي.. طالما بتقرفك، جسمك بيترعش ليه دلوقتي في حضني؟! وليه دقات قلبك بتناديني وتطلبني؟!”
لفت وشها الناحية التانية وماردتش عليه لأنها ماعندهاش إجابة لسؤاله. مسك دقنها ولف وشها ليه تاني عشان يبص لعينيها الفيروزية الجميلة اللي بيعشقها، وضحك ضحكة خفيفة وهو شايف الصدق في عينها وقال: “إنتي اتخلقتي عشان الحب، والحب اتخلق عشانك إنتي وبس.”
وحط إيده على قلبها وهمس: “وحتى القلب ده محرم عليه يدق لغيري.. دقات القلب ده اتخلقت ليا أنا لوحدي وبس.”
وطت عيونها في الأرض وقلبها كان هيطلع من ضلوعها من كتر الدق. هي كانت بين نارين؛ نار حبها ليه وعشقها اللي بيمتعها، ونار البعد عنه والوجع اللي بتعيشه. محتارة كالعادة ومصيرة التعب والهم ومفيش بر أمان ترسي عليه.
رجع يرفع دقنها لفوق وهي بتهرب بعينها، فقالها: “انتقمي مني يا حياة.. انتقمي وريحي قلبك وريحيني أنا كمان.”
دموعها نزلت سخنة على خدودها من كتر الحب والوجع، فقلبه وجعه عليها ومسح دموعها بصباعه وقال بصوت دافي وسخن: “فداكي كل نقطة دم فيا.. وفداكي روحي وعمري كله.. دموعك دي غالية عليا أوي يا حبيبتي.”
انفجرت في العياط والشهقات اللي كاتماها من زمان وقالت: “ليه عملت كده؟! ليه؟!”
وكملت كلامها كأنها مش سامعة كلامه ورجعت تلومه على خيانته ليها: “أنا وثقت فيك وحبيت حبك ليا وحبيت وجودي في حضنك.. كنت الملاذ والملجأ ليا من العيشة الباردة والكره اللي في عيلتنا.. أنا سلمتلك أمري وحكيتلك على حاجات ماقولتهاش لنفسي، وخليتك جزء مني!”
ورفعت إيدها وفضلت تضربه في صدره بعنف: “ليه سبتني ومشيت؟! ليه هربت على إنجلترا وسيبتني؟! هل لفتت نظرك ست تانية هناك غيري؟! كنت ناوي على إيه لما تسيبني 5 سنين كاملين أعاني لوحدي وأقعد أكدب مشاعري ناحيتك؟!”
إيدها وقفت عن الضرب وهي بتتكلم كأنها بتكلم نفسها بصوت مسموع: “إنت عارف أنا كنت محتاجاك قد إيه لما ماما ماتت؟!”
وهنا انهارت تماماً وشفايفها اترعشت وضربته في صدره بعياط وانهيار. هو ماحاولش يحمي نفسه من ضربها، ودموعها وانهيارها وجعوا قلبه وخلوه يخاف عليها ومبقاش فاهم سبب الانهيار ده دلوقتي، ولسه بيستوعب كلامها اللي بتقوله لأول مرة وإنها كانت بتكتم حبها وعشقها ليه. هل في حاجة بتجرح كرامة الراجل وتموت قلبه أكتر من كده؟!
نزل إيديها وحاول يمسكها ويطمنها ويحضنها ويحسسها بالأمان وقال بهدوء: “اهدي يا حياة وخلينا نتكلم.. اهدي أرجوكي.”
بصتله وهو بيحاول يقرب منها، فزقته بعنف وصرخت فيه بنرفزة وغضب: “اهدى؟! عايزني اهدى إزاي يعني؟!”
حط كف إيده على خدها الناعم وقال وهو مقطب جبينه وزعلان عليها: “وهو كان في طريق تاني يوصلني ليكي غير كده؟! أنا كنت بموت كل ليلة وإنتي بعيدة عني.. النوم خاصمني والهم والتعب والسهاد سهروني وسرقوا مني راحتي طول فترة بعدي عنك.”
”لذيذة إنتي ومفيش حروف تقدر توصفك.. زي الدنيا اللي مالهاش كتالوج ولا رموز تتفهم!
جميلة إنتي زي رقصة دلال في ليلة لقا..
وقلبي ما بينبضش غير في حضورك وبس!
يا بنت قلبي.. كأنك لوحة مكتوب عليها (هنا تبدأ الحياة)!”
اتنهد وهو بيكتم مشاعر مالي قلبه من سنين وقال: “أنا تعبت وهرمت يا حياة.. عشقك ده داء وإنتي الدواء.. عشقك هو الحياة وعشقك هو الغرق وإنتي طوق النجاة.. عشقك تعب وشقى وإنتي الراحة والأمان.. عشقك نار وإنتي الجنة ونعيمها.”
ما وقفتش عياط وهي بتلومه وتعاتبه بضعف: “إنت جرحت أبويا في مقتل.. وآياز ذنبها إيه في كل اللي حصل ده؟!”
شد راسها لحضنه وبص لبعيد بشرود وقال: “الزمن كفيل يداوي كل جرح يا حياة الروح.. بكرا الأيام تداوي.”
شهقت وهي بتعيط وصدرها بيتهز، وحاوطت ضهره الصلب بإيديها وكلبشت في حضنه الدافي. باس شعرها وزود من ضمتها وقال: “يا ريتني أقدر أنتقم من نفسي عشانك.. يا ريتني أقدر أعمل كده عشانك وعشان آياز وعمي.. يا ريتني أقدر يا حياة.”
لأول مرة من يوم ما اتجوزها يسمع صوت عياطها وبكاها وهي نايمة في حضنه وبتشتكي منه وليه. لأول مرة يحس إن الماضي رجع والولفة رجعت، لما كانت بتجري وتستخبى في صدره في فرحها وحزنها وخوفها. طبطب على شعرها بحنان وريح راسه على راسها وهمس بصوت واطي: “عياطي يا حبيبتي زي ما إنتي عايزة.. ريحي قلبك يا حياة وروح آدم.”
صوتها طلع مبحوح وقالت بتصميم وسط شهقاتها: “أنا هتنقم منك يا آدم.. وإنت عارف إني مش هفوت فرصة.. بس أنا خايفة عليك.. خايفة عليك أوي وبشدة.”
بعدها عن حضنه ثانية وهي رافضة تبعد عنه، فقالها: “لو يريحك إن اقطع عروقي دلوقتي قدام عينك هعملها فوراً.”
هزت راسها برفض شديد ورجعت تدفن راسها في حضنه تاني: “لأ.. أوعى تعمل كده.. أنا أموت فيها! إيه العشق الأسود اللي رابطنا ببعض ده يا آدم؟!”
كلبش فيها أكتر وهي رفعت إيدها وحاوطت رقبته بكل قوتها، ودفنت وشها في صدره. ما قدرتش تمنع نفسها من إنها تشم ريحته وتتنفسها بعمق، وحست إن الروح رجعتلها تاني بعد ما كانت غايبة عنها في بعده.
اتأوهت بوجع ونار، ودموعها غرقت صدره، فضمها أكتر وهو بيتنفس ريحتها ويقول: “هنعيش يا حياة.. والأزمة دي هتعدي على خير.”
ما ردتش وعياطها زاد وجسمها قعد يترعش في حضنه.
هو ما نطقش بعدها بحرف، نزل براسه ودفن وشه في كتفها ورقبتها وهو مغمض عينه وكلبش فيها كأنه خايف تهرب أو تتبخر وتبقى سراب. فضلوا حاضنين بعض دقايق أو يمكن ساعات وهم مش حاسين بالدنيا حواليهم، مفيش غير دقات قلبهم وصراخ الوجع اللي جواهم.
وقال لنفسه بصوت واطي: “الأزمة هتعدي.”
ماكانش عارف هل ده يقين وثقة ولا مجرد أمنية بيدعي بيها لربنا بعد كل صلاة.. فمين يصدق إن آدم صاحب القلب الأبيض تكون دي حياته ويكون مبتلي بسحر أسود اسمه العشق!
”السلام عليكم يا حاج نبيل.”
غمزة قالتها وهي بتدخل المحل وبتقفل الباب الزجاج اللي وراها. الراجل اللي قاعد ورا المكتب رفع راسه وبص ليها، وضحك وابتسم وبص في ساعته وقال: “جيتي في ميعادك بالظبط.”
غمزة ردت بابتسامة: “الحمد لله.”
شاور ليها بإيده عشان تقرب من مكتبه وقال: “تعالي يا غمزة.. أنا محتاج بياناتك الأول عشان ما سجلناهاش امبارح.”
غمزة طاوعته وقربت منه، ناولها قلم فخدته وقعدت تكتب بياناتها في ورقة اداها ليها. وهو في الوقت ده عينه عمالة تتفحص صوابع إيدها بتدور على دبلة أو خاتم جواز، ولما مالقاش حاجة اتنفس براحة وفرحة ظهرت على وشه اللي عينيه جاحظة أصلاً بخلقتها، ومناخيره مستقيمة شوية وبوقه واسع وشفايفه غليظة، وراسه قرعة ومفيهاش غير كام شعرة سودا ناعمة، وبشرته خشنة وسمرا وفيها حفر صغيرة. كان جسمه مليان وعنده كرش كبير مدلدل فوق البنطلون وصوابعه قصيرة وتخينة.
خلصت كتابة وادتله الورقة، فبص عليها بسرعة وعينيه برقت وزادت جحوظها لما لقى كلمة (مطلقة) مكتوبة في خانة الحالة الاجتماعية. وقال في سره بفرحة وخباثة: “حلو يا حلو.. أيامنا عسل وشهد إن شاء الله!”
حط الورقة في درج المكتب والابتسامة لسه على وشه وقال: “بصي يا غمزة.. إنتي هتبدأي بكنس وتنظيف المكان الأول، وبعد كده لو جه زبون هكون واقف معاكي لغاية ما تفهمي طبيعة الشغل وتتعودي عليه وأقدر أعتمد عليكي لوحدك.”
هزت راسها بالموافقة وسألته: “هو فين الحمام وفين أدوات النظافة؟”
شاور ليها بدراعه لورا وقال: “ورا الستارة دي علطول.”
هزت راسها تاني ومشيت وهي بتقول: “عن إذنك يا حاج.”
لبس نضارته وقعد يبص على جسمها وتفاصيلها من ضهرها بقلة أدب ومن غير أي حياء، وهو مبرق وعمال يبتسم ابتسامة خبيثة زي ديب جعان ومتربص بفريسته، وقال وهو بيعوج بوقه: “حلو يا حلو…”
يتبع…